
أحمد مسك كتفي بقوة، ودموعه نزلت على إيدي: “أنا مش فاهم حاجة يا ليلى، أنا خايف… أبويا قبل ما يموت بليلة واحدة، مسك إيدي وزعق فيا وهو بيبكي وقال لي: أخوك ما ماتش غرقان يا أحمد، أخوكتاه مننا والطفل اللي اندفن ما كانش هو… بس أنا ساعتها افتكرته بيهزي من التعب وما صدقتوش!”
الكلام نزل عليا زي الصاعقة، راسي بدأت تلف والأوضة كلها بتدور بيا. بصيت للولد اللي في إيد الممرضة، بقى بيصرخ بصوت عالي كأنه بيستغيث، والعلامة السمرة اللي على كتفه شكلها بقى يلمع تحت إضاءة الأوضة النيون. أحمد ساب إيدي وانسحب لورا وهو بيبص للطفل ويهز رأسه بنفي، وكأن فرحة العمر اللي استنيناها عشر سنين، فتحت باب لسر قديم ومظلم كان مدفون تحت الأرض من أربعين سنة.
أحمد سحب كرسي خشبي قعد عليه بفزع، وحط راسه بين إيديه وهو بيتنفس بسرعة ومش قادر يستوعب. الممرضة كانت واقفة مذهولة، لفت وشها وسألتني بصوت واطي ومردد: “يا مدام.. آخده الحضّانة يكشفوا عليه وإلا أعمل إيه؟”
قبل ما ألحق أرد، أحمد رفع راسه وفزع من مكانه: “لأ! محدش بياخده في أي حته! يفضل هنا قدام عيني!”
الممرضة خافت من طريقة كلامه، حطت البيبي بالراحة في السرير الصغير المتروك جنبي، واستأذنت وخرجت بسرعة وسابتنا لوحدنا في الأوضة. السكون رجع تاني، بس المرة دي كان هدوء مرعب، مفيش غير صوت أنفاسنا المتسارعة وصوت دقات قلبنا اللي كانت مسموعة بوضوح.
بصيت لأحمد وأنا بحاول أجمع شتات نفسي، مسكت البطانية بضغط جامد وقلت له بنبرة ألم: “أحمد.. ارجوك اقعد وكلمني بالراحة. إنت بتخوفني! إنت قصدك إيه بكلامك ده؟ يعني إيه أختك أو أخوك طفل تاني اتدفن مكان أخوك؟ إحنا مالنا ومال القصة دي دلوقتي؟ إحنا أخيرًا بقينا أب وأم بعد عشر سنين!”
أحمد قرب من سرير البيبي، ونزل على ركبه. إيديه كانت بتترعش وهو بيمدها يلمس كتف الولد بالراحة، وكأنه خايف الطفل يختفي لو لمسه. بصلي ودموعه نازلة من غير ما يعمل صوت، وقال بصوت مكتوم: “ليلى.. أنا أبويا وهو بيموت كان هيموت من الندم.. قال لي إنهم لما لقيوا جثة الطفل في الترعة زمان، كانت وشها متشوّه من المية، وأمي انصدمت وما قدرتوش ينطقوا.. بس قبل ما يدفنوه بليلتين، عمي كبير العيلة هو اللي خلص كل حاجة بره بره ومخليش حد من البيت يشوف الجثة ولا حتة منها قبل الدفن.. أبويا قبل ما يسلم الروح قال لي: أخوك اتسرق يا أحمد.. عمك باعه لناس مبيخلفوش عشان الفلوس، وجاب جثة مجهولة ودفنها واستغل إننا كنا عيلتين متخاصمين وفي قضايا ورث!”
حسيت ببرودة شديدة في أطراف صوابعي. بصيت لكتف ابني، العلامة كانت واضحة جداً، زي رسمة هلال محروق على الجلد.
كمل أحمد بصوت بيترعش وهو بيبص لي: “لما أخويا اختفى، كان عنده سبع سنين.. عمي خد الفلوس وسافر القاهرة، وبعدها بسنين إحنا اتنقلنا هنا.. العلامة دي مش وراثية يا ليلى، دي كانت نتيجة حرق لما كنا بنلعب بشمعة في بيتنا القديم.. العلامة دي بصمة مستحيل تتكرر!”
سكت شوية، وبعدين حط إيده على وشه وقال بكلام زي الهمس: “العلامة دي بالذات.. أخت عمي الكبيرة بعد ما كبرت وقبل ما تموت بأسبوع، كانت بتتكلم وتخرف وتدعيلنا، وقالت لي جملة أنا ساعتها ما فهمتهاش.. قالت لي: الدم ما بيبقاش ماية يا أحمد.. والطفل اللي يضيع من العيلة، حقه بيرجع في صلب ولاده!”
قلبي حسيته هيقف، النبض بقى يضرب في ودني. بصيت للطفل الصغير اللي نايم في السرير ومغمض عينيه بسلام ميعرفش حاجة عن اللعنة ولا السر اللي اتبنى عليه كل اللحظة دي.
“أحمد…” صرخت بصوت واطي وأنا بحاول أقوم من السرير، الوجع مسك في بطني بس مكنتش حاسة بيه: “إنت قصدك إيه؟ إنت عايز تفهمني إن ابني…”
أحمد بصلي وبص للطفل، وعينيه اتملت بذهول ورعب ما شفتهمش في حياتي قبل كده: “أنا مش فاهم حاجة يا ليلى.. بس السر ده لو اتفتح.. عيلتي كلها هتتهد، وعمومي اللي عايشين والناس اللي خدوا أخويا زمان.. إحنا حطينا إيدنا على كابوس مش هنعرف نخرج منه!”
في اللحظة دي بالذات، الباب اتفتح بالراحة.. ودخل منه عم أحمد الكبير.. الراجل اللي عنده فوق السبعين سنة، واللي كان جاي يبارك لنا. أول ما خطى الأوضة وبص لأحمد وليا، وبعدين بص على سرير البيبي.. الابتسامة على وشه تجمدت تماماً، وعينيه نزلت فوراً على كتف البيبي المكشوف!
خطوات رجليه اتسمرت مكانها عند عتبة الباب، والعلبة اللي كانت في إيده وقعت على الأرض بالراحة وشريط الستان الفضي اللي ملفوف حواليها اتفك. عمي عبد الجواد، الراجل اللي طول عمره بنخاف من هيبته وسكوته، وشه اتقلب أصفر زي الليمونة، وعينيه الوسيعة اتثبتت على كتف الواد كأنه شاف عفريت واقف وسط الأوضة.
نظرة عينيه ما كانتش استغراب.. كانت رعب صريح، رعب حد اتكشف سره بعد تسعة وتلاتين سنة.
أحمد وقف بالراحة من جنّب السرير. جسمه كله كان بيترعش، بس النظرة اللي في عينيه اتغيرت من الخوف لغل قادم من القبر. استنى ثواني مرعبة لحد ما الصوت جوة الأوضة بقى خنيق جداً، وقرب من عمه بخطوات بطيئة، نبرة صوته لما اتكلم كانت أبرد من التلج: “بركة الحلال يا حاج عبد الجواد.. جيت في وقتك.”
عبد الجواد بلع ريقه بصعوبة، حرك شفايفه الناشفة كأنه بيحاول يجمع الحروف، وقال بصوت حشرجة ومخنوق: “أحمد.. إيه.. إيه اللي على كتف الواد ده؟”



