روايات وقصص

سر ساندوتش الجبنة حكايات انجى الخطيب

“يا أستاذ، ممكن سندوتش جبنة رومي واحد؟”
بصّ له الراجل اللي واقف ورا الكاشير وقال: “حاضر يا حبيبي، تحب معاه بطاطس؟”
الولد هز راسه بسرعة: “لأ، من غير بطاطس لو سمحت.”
“حاجة تانية؟”
الولد بص وراه ناحية باب المطعم، وكانت واقفة ست شابة هدومها مبلولة من المطر، وحاضنة بنتين صغيرين لازقين فيها من البرد.
رجع يبص للراجل وقال بصوت واطي: “ممكن تقطع السندوتش أربع حتت وتحطهم في أربع أطباق صغيرة؟”
إيهاب الجندي، صاحب المطعم، وقف إيده وهو بيمسك ورقة الطلبات.
“أربع أطباق؟”
الولد هز راسه.
“أيوه يا أستاذ… إحنا هناكل كلنا.”
كانت الساعة قربت على عشرة بالليل، والمطر كان نازل بغزارة لدرجة إن أنوار العربيات في الشارع بقت باينة من ورا إزاز المطعم كأنها أضواء مشوشة. المطعم الصغير اللي في شارع جانبي في الجيزة كان قرب يقفل، ومعظم الكراسي كانت مرفوعة فوق الترابيزات الفاضية.
الولد حط الفلوس فوق الكاونتر.
جنيهين، وجنيه، ونص جنيه، وكام عملة معدنية صغيرة كان ملفوفهم جوه منديل ورق.
اسمه يوسف، وكان عنده 11 سنة، لكن طريقته في عدّ الفلوس كانت تخلي أي حد يحس إنه أكبر من سنه بكتير. كان بيعد كل جنيه ورا التاني بمنتهى الحرص، كأنه عارف إن غلطة واحدة ممكن تخليهم يباتوا من غير أكل.
ورا يوسف كانت أمه نجلاء، ماسكة دوسيه بلاستيك شفاف على صدرها، وجنبها بنتين توأم عندهم ست سنين، سلمى وسارة. هدومهم الأربعة كانت مبلولة من المطر، وشعر البنات لازق في جباههم من المية.
نجلاء قالت بصوت مكسور:
“يوسف، مش لازم تصرف الفلوس دي يا حبيبي.”
بصلها وقال:
“كفاية يا ماما… والله كفاية.”
#انجي_الخطيب
إيهاب بص للفلوس، وبعدين بص للأطفال التلاتة.
كان لابس تيشيرت رمادي قديم فوقه مريلة بيضا باهتة، وعلى كم المريلة بقعة زيت، وفي جيبها أثر حرق صغير من الشواية.
أي حد كان داخل المطعم من الشارع ممكن يفتكره مجرد راجل مرهق خلص شغله وبيستعد يقفل، لكن محدش كان يعرف إن إيهاب هو صاحب المكان، وإنه من يوم ما مراته ماتت وهو بيربي بنته الصغيرة لوحده.
سعاد، الكاشير اللي كانت شغالة وردية الليل، قربت منه وهي ماسكة درج الفلوس.
“إيهاب، أقفل الحسابات؟”
بصلها وقال:
“استنيلي خمس دقايق.”
في ترابيزة قريبة من المطبخ، كانت بنته نور عندها تمن سنين، قاعدة بتلوّن في كراسة قديمة.
رفعت عينيها وقالت:
“بابا، إحنا هنفضل فاتحين؟”
بصلها وابتسم ابتسامة صغيرة.
“شوية كمان يا نور.”
وبعدين رجع بص ليوسف، ومد إيده ورجّع له الفلوس.
“خلي الفلوس معاك يا حبيبي… ادفع لما الأكل ييجي.”
يوسف لمّ الفلوس بسرعة وحطها في جيبه، كأنه خايف الراجل يغير كلامه.
إيهاب دخل المطبخ، حط شريحتين عيش بلدي على الجريل، وحط بينهم شرائح جبنة رومي، ودهن الوش بسمنة بلدي خفيفة، وبعدين قفل السندوتش وحطه على النار.
يوسف أخد أخواته وقعدهم في ترابيزة جنب الشباك، ونجلاء قعدت جنبهم وهي لسه ماسكة الدوسيه في حضنها.
بعد دقايق، إيهاب قطع السندوتش لأربع قطع متساوية وحط كل قطعة في طبق صغير.
حطهم قدامهم.
يوسف أخد الأطباق بنفسه ووزعهم.
قطعة لسلمى.
قطعة لسارة.
قطعة لمامته.
والقطعة الأخيرة حطها قدامه.
لثواني قليلة، شكل الترابيزة كان طبيعي جدًا… أم وأولادها قاعدين بيتعشوا زي أي أسرة.
لكن الحقيقة كانت مختلفة.
سارة خبطت كوباية المية وهي بتتحرك، والكوباية كانت هتقع.
نجلاء مدّت إيدها بسرعة ولحقتها قبل ما تتكسر.
“خدي بالك يا سارة يا حبيبتي.”
سحبت الطبق بعيد عن إيد البنت وبدأت تنشف المية اللي وقعت على الترابيزة بالمناديل.
وفي اللحظة دي، يوسف رفع القطعة اللي قدامه.
بص حواليه.
وبعدين كسرها نصين.
حط نص قدام سلمى.
والنص التاني قدام سارة.
وبعدين رجع طبقُه فاضي، وحط فوقه منديل ورق.
نور كانت وقفت تلوّن.
بصت لأبوها وهمست:
“بابا…”
إيهاب كان شايف كل حاجة.
قال بهدوء:
“أنا شوفت.”
رجع ناحية المطبخ، وبص على الجريل.
كان خلاص طفا النار.
مد إيده وشغله تاني.
فتح التلاجة وطلع بيض، وبطاطس، وعلبة مكرونة بالبشاميل كانت فاضلة من وجبة الغدا.
وبدأ يحضر أكل تاني.
وبعدها حط أربع سندوتشات جبنة على الجريل.
نور قربت من شباك المطبخ وبصت لأبوها باستغراب.
“بابا… إنت بتعمل كل الأكل ده ليهم؟”
إيهاب وهو بيكسر البيض في الطاسة قال:
“أنا بعمل العشا.”
نور بصت ناحية يوسف، وبعدين بصت على طبقه الفاضي.
“بس هما طلبوا سندوتش واحد.”
إيهاب رد من غير ما يبصلها:
“عارف.”
سكتت نور شوية، وبعدين قالت:
“هو لو مامته عرفت إنه أداهم الأكل بتاعه… هتزعل منه؟”
إيهاب حرك البيض في الطاسة وقال:
“ممكن.”
نور قربت أكتر وقالت:
“وبرضه هتديلهم الأكل؟”
إيهاب كسر بيضة رابعة في الطاسة، وبص ناحية الترابيزة اللي قاعدين عليها.
وقال بهدوء:
“أيوه.”
لكن اللي ماكانش إيهاب يعرفه وقتها، إن الدوسيه البلاستيك اللي كانت نجلاء حاضناه طول الوقت… كان جواه سر هيحط حياته وحياة أولادها كلهم في طريق مختلف تمامًا.
وفي نفس اللحظة، موبايل نجلاء اهتز جوه شنطتها، ولما بصت للشاشة، وشها اتغير فجأة…
#انجي_الخطيب
إيديها اترعشت وهي بتسحب الموبايل بالراحة عشان العيال ما يلاحظوش. الاسم اللي كان منوّر على الشاشة خلّى لون وشها يهرب في ثواني، كأن المية المبلولة بيها هدومها تحولت لتلج. كان مكتوب “الأستاذ فاروق المحامي”.
ردت وبصوت مكتوم بتحاول تطمن بيه يوسف اللي كان عينيه ملزوقة في وشها:
“أيوة يا أستاذ فاروق… خير؟”
الصوت من الناحية التانية كان ناشف وسريع ومستعجل:
“انتوا فين يا مدام نجلاء؟ الست حلمية أخت المرحوم عرفت إنك خدتي الدوسيه من الشقة، والرجالة بتوعها بيلفوا عليكِ في الشوارع اللي حوالين محطة القطار.. اوعي ترجعي البيت، ولو معاكِ الأوراق الأصلية لعقد البيت والتوكيل، خليهم في حضنك وما تأمنيش لأي حد!”
الخط اتأطع فجأة.
نجلاء بلعت ريقها بصعوبة، وضمت الدوسيه البلاستيك لصدربها بأقصى قوتها لدرجة إن صوابعها أبيضّت من كتر الضغط. يوسف لمح الحركة، قام من كرسيه وبص لأمه بعيون فيها خوف أعمق من سنين عمره الإحدى عشرة:
“في إيه يا ماما؟ عمو فاروق قالك إيه؟”
“مافيش يا حبيبي.. كلُه تمام، كُل أنت بس.”
قالتها وهي بتحاول تداري الرعشة اللي في فكها، لكن عينيها الزايغة على إزاز المطعم البراني كانت تفضح أي حاجة. أنوار العربيات اللي جاية من بعيد بقت بالنسبة لها مش مجرد نور.. بقت كوابيس متحركة بتدور عليهم في الضلمة والمطر.
في الوقت ده، خرج إيهاب من المطبخ وهو شايل صينية استيل كبيرة، عليها ريحة أكل تسد جوع شارع كامل. طاستين بيض بالمشروم والجبنة، وطبق مكرونة بالبشاميل طالع منه البخار، وأربع سندوتشات جبنة رومي سايحة في عيش بلدي مقرمش، ومعاهم أربع أطباق بطاطس صوابع بتدخن.
قرب إيهاب من الترابيزة وهدوء خطواته كان هو الشيء الوحيد اللي بيخفف توتر المكان. حط الصينية بالراحة، ورفع طبق يوسف الفاضي، وحط بداله طبق المكرونة وسندوتشين وبطاطس.
يوسف اتنطط في مكانه بصدمة، وبص لإيهاب وعينيه مفرغة:
“يا أستاذ.. والله إحنا مش معانا غير الفلوس اللي مع حضرتك.. إحنا ما طلبناش كل ده!”
إيهاب ابتسم وهو بيعدل المريلة البيضا بتاعته، وقعد على طرف كرسى فاضي جنب الترابيزة، وبص ليوسف في عينيه دايركت:
“أنا صاحب المطعم، واللي بيعدي من بابي في ليلة مطرة زي دي بيبقى ضيفي.. والضيف مابيدفعش حساب، ولا إنت عايز تزعلني منك يا بطل؟”
سلمى وسارة بصلوا للأكل وعيونهم بتلمع من الجوع، بس محدش فيهم مد إيده.. كانوا متعودين يبصوا ليوسف ولأمهم الأول.
نجلاء دموعها خانتها ونزلت سخنة على خدها الساقع، حاولت تمسحها بسرعة وقالت بصوت مجروح:
“يا أستاذ إيهاب.. كتر خيرك، بس إحنا مش بتوع حسنة.. إحنا بس…”
إيهاب قاطعها بنبرة رجولية هادية بس صلبة:
“دي مش حسنة يا مدام.. دي أصول. وبعدين الباشمهندس يوسف هو اللي طلب مني تقطيع السندوتش، وأنا زبوني لما بيطلب حاجة بكملها له على ذوقي.. كلي يا هانم عشان البنات تاكل.”
نور بنته قربت من يوسف، وحطت جنب طبقه كراسة التلوين وقلم أصفر:
“خد ده لون بيه لما تخلص أكل.. بابا بيعمل أحسن بشاميل في الجيزة كلها.”
الجو جوه المطعم اتقلب دفء غريب، البنات بدأوا ياكلوا بنهم والمكان اتملى بصوت الحركة الأليفة بتاع الأكل، ويوسف بص لإيهاب ونظرة امتنان كبيرة اتولدت في عينيه.. أخيرًا حافى إنه أخد نفس ورفع أول قطعة مكرونة لبؤه.
لكن الدفء ده ما طولش.
صوت فرملة عربية قوية ومفاجئة بره المطعم قطع الصوت. المطر كان لسه بينزل، بس نور الكشافات بتاعة عربية دفع رباعي سودا اتسلطت مباشرة على إزاز المطعم، وعمت العينين.
نجلاء أكلتها وقفت في زورها، والدوسيه اتزحلق من إيدها على الأرض.
باب العربية اتفتح، ونزل منه راجلين ضخام لابسين زيوت شتوية تقيلة، ووراهم ست في الخمسينات من عمرها، حاطة شال أسود على كتافها وعينيها بتدور في المطعم كأنها بومه بتصطاد.

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى