روايات وقصص

ابني المنتظر حكايات

أحمد ما ردش على طول. طاطا راسة، وبص للعلامة اللي على كتف البيبي، وبعدين رفع عينه في عين عمه وقال بصوت يزلزل الأوضة: “دي الشامة اللي كنت فاكر إنك دفنتها مع الجثة المغروقة في ترعة البلد سنة خمسة وتمانين.. دي شمعة زمان يا عمي، اللي علّمت في كتف توأمي قبل ما يختفي بإسبوع واحد!”

عبد الجواد مسك في حديد السرير اللي جنبه كأنه هيقع، ونفى برأسه برعب وهو بيرجع لورا: “إنت.. إنت بتقول إيه يا ابني؟ انت اتجننت؟ إيه الكلام الفاضي ده! دي وحمة.. عادي بتحصل في العيلات..”

“وحمة؟!” أحمد صرخ فيها المرة دي، صوت صرخته خلاني أتكتم في مكاني والبيبي صحي وبدأ يعيط بصوت عالي. أحمد قرب ولزق وشّه في وش عمه، ومسكه من ياقة جلابيته بقوة: “وحمة بتاخد نفس الرسمة والتفاصيل بالملم؟ وحمة تطلع في نفس المكان ونفس الشكل اللي أبويا حكى لي عنه وهو بيموت؟! أبويا مات مقهور يا عبد الجواد! مات وهو فاكر إنه قصر في حق ابنه، وأنت اللي بعته.. أنت اللي بعت دم أخويا عشان تسدد ديونك وتشتري أراضيك في القاهرة!”

عبد الجواد عيونه اتملت بدموع خوف، إيديه المرتعشة مسكت في إيد أحمد بيحاول يبعده، وبصلي بصة ترجي كأنه بيستغيث بيا: “يا ليلى.. قولي لجوزك يعقل.. إحنا في مستشفى.. الناس هتتلم علينا.. ده بيخرف!”

أنا كنت قاعدة على السرير، الملاية مبلولة من عرقي ودموعي، ومش قادرة أنطق. كنت بص بذهول بين عبد الجواد اللي جسمه بيكش وبين ابني اللي بيصرخ على السرير. البيبي اللي استنيته عشر سنين، الساعات الأولى من حياته مش مليانة زغاريد ولا فرحة.. مليانة بعقدة دم وسر قذر مدفون من زمان.

أحمد ساب ياقة عمه بقرف، وزقه لورا لحد ما ضهره خبط في الحيطة، وقال له وهو بيشاور بإصابعه على البيبي: “الولد ده مش هيخرج من المستشفى دي إلا وأنا عارف أخويا فين.. حاي ولا ميت، اتباع لمين، وعايش باسم مين دلوقتي! ولو مانطقتش حالا باللي حصل زمان.. والله يا عبد الجواد لإكون طالع على النيابة بالطفل ده وبالتحاليل الطبية والـ DNA.. وهقلب العيلة والبلد كلها على راسك، ومش هيهمني اسم ولا ورث ولا صلة رحم!”

عبد الجواد حط إيده على قلبه، وقعد يلهث كأنه بيموت، وسند ضهره على الحيطة ونزل على الأرض بالراحة لحد ما قعد على بلاط الأوضة. غمض عينيه وجسمه كله بيهتز بصوت بكاء مكسور مكتوم، وبعد ثواني طويلة من السكون المرعب، رفع راسه وقال بنبرة مفيهاش أي أمل: “أخوك.. أخوك عايش يا أحمد.. ماماتش.”

كلمة “عايش” نزلت على الأوضة زي الانفجار.

أحمد اتسمر مكانه، ونظرة الغل اللي كانت في عينيه اتحولت لصدمة وذهول مطلق. بص لعمه اللي قاعد على الأرض بينهج ودموعه نازلة على دقنه البيضا، وشفايف أحمد اتفتحت بس الصوت ما خرجش منه لثواني، لحد ما قال بصوت مبحوح ومكسور: “عايش؟.. أنت بتقول إيه يا عبد الجواد؟ أخوي التوأم عايش كل السنين دي؟”

عبد الجواد مسح وشه بإيديه اللي بتترعش، وصوته كان طالع بالعافية كأنه طالع من حفرة غميقة: “والله العظيم ما قتلته، ولا كنت عايز أضره.. كانت أيام سودا يا أحمد، ديوني كانت هتوديني السجن والعيلة كانت هتدمر. جه راجل مبيخلفش من الأكابر من السويس، عرض مبلغ يفك رقبتي ورقبة العيلة كلها.. خد الواد وسماه باسمه ورباه أحسن تربية.. والجثة اللي دفناها كانت لولد غريق تاني لقيناه في الترعة نفس السن والمواصفات ومحدش سأل عنه.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى