
أنا اسمي مريم، ومن خمس شهور بالظبط ولدت بنتي الصغيرة ليان. يومها كنت في مستشفى في الجيزة، لسه خارجة من الولادة وتعبانة، بس أول ما الممرضة حطت بنتي جنبي حسيت إن الدنيا كلها بقت حلوة.
دخل جوزي أحمد الأوضة وهو ووالده الحاج فؤاد. كنت مستنية أشوف الفرحة في عينيهم، خصوصًا إن دي أول حفيدة للعيلة. لكن أبو أحمد أول ما دخل، بص للبنت اللي نايمة جنبي، وبعدين بص لابنه وقال ببرود: “معلش… يمكن المرة الجاية يبقى ولد.”
افتكرت إني سمعت غلط.
بصيت له وأنا مش قادرة أصدق، لكنه بكل بساطة سحب كرسي وقعد في آخر الأوضة، ولا حتى قرب من ليان.
استنيت إنه يهزر أو يغير كلامه، لكن اليوم كله عدى وهو رافض يشيلها. حتى لما أحمد قال له مرتين: “يا بابا شيل بنتي، دي حفيدتك”، كان بيرد بنفس البرود: “بعدين… لما أبقى رايق.”
كان بيتكلم كأنه مستني حفيد ولد عشان يشيل اسم العيلة، وكأن ليان مش من دمه، وكأنها أقل قيمة لمجرد إنها بنت.
#انجي_الخطيب
بصيت لبنتي الصغيرة وهي نايمة ومش فاهمة حاجة، وقلت لنفسي إن يمكن الأيام تغيره. يمكن لما تكبر شوية يتعلق بيها، ويمكن يكون كل اللي حصل ده مجرد صدمة لأنه كان نفسه في حفيد ولد.
مرت الشهور، وليان كبرت وبقت بتضحك وتتحرك أول ما تسمع صوتي. لكن جدها فضل زي ما هو. كان ييجي البيت، يسأل عن أحمد، يقعد معاه بالساعات، ولو ليان قربت منه كان يبعدها بحجة إنه “مش بيعرف يتعامل مع الأطفال”.
لحد ما جه يوم حفلة السبوع الكبيرة اللي عملناها عشان ليان، وحضرها كل أهلنا وقرايبنا في قاعة صغيرة في منطقتنا.
كل واحدة من قرايبنا كانت شايلة ليان وبتبوسها وتدلعها، وخالاتها وعماتها كانوا بيتخانقوا مين يشيلها الأول. حتى جدتها من ناحية أبوها كانت مش سايباها من إيديها.
وسط الزحمة، قربت من الحاج فؤاد وقلت له بابتسامة: “يلا يا حاج، دي حفيدتك، خدها كده واتصور معاها.”
مد إيده ناحية ليان للحظة، وبعدين رجعها وقال قدام الكل بمنتهى البرود: “أنا مستني الحفيد الحقيقي.”
الكلمة وقعت عليا زي القلم.
بصيت له، وبعدين بصيت لبنتي اللي كانت في حضني وبتضحك من غير ما تعرف إن جدها شايفها أقل من أخ أو أخت لسه ماجاش.
في اللحظة دي، كل حاجة جوايا اتغيرت.
مازعقتش، وماعملتش مشكلة، وماعيطتش قدام الناس.
بس ابتسمت.
لأني في اللحظة دي بالذات عرفت أنا هعمل إيه.
وأول ما الحفلة خلصت، بدأت أنفذ أول خطوة في الدرس اللي الحاج فؤاد عمره ما هينساه…
#انجي_الخطيب
لميت حاجتي في سكوت تام، وأحمد باصصلي ومستغرب الهدوء الغريب اللي نزل عليا فجأة. قفلنا باب الشقة، وحطيت ليان في سريرها، وبصيت لأحمد وقلت له بصوت هادي ومترتب: “يا أحمد، من بكرة، أي قرش يدخل بيتنا من ورثك أو فلوس أبوك، أنا مش هدخله عليا ولا على بنتي.. مشروع حضانة الأطفال اللي كنت متأجلة فكرته، هبدأ فيه الصبح.”
أحمد اتصدم، حاولت يفهمني إن أبوه راجل كبير ودماغه قديمة ومفروض نعديله، بس أنا حسمتها بكلمة واحدة: “بنتك مش جارية استثنائية مستنية الصدقة عشان يتقال عليها ‘حفيد حقيقي’، بنتي هتكبر وتشوف أمها بتبني إمبراطورية باسمها هي بس.”
نزلت الشارع، بعت دهبي كله اللي كنت شايلاه للزمن، وأجرت مقر صغير في الشارع الرئيسي. اشتغلت بيدي وأسناني، أواصل الليل بالنهار بين رضاعة ليان وتنظيف المقر وتجهيز الأوراق. نسيت التعب ونسيت ألم الولادة اللي كان لسه معلم في جسمي، كان الهدف قدامي واصل للسما. في خلال سنتين، الحضانة كبرت وبقت سلسلة مراكز تعليمية للأطفال في المنطقة كلها، وبقى اسم “مؤسسة ليان للتعليم” مالوش مثيل، وكل أهالي المنطقة بيحلفوا بشغلي ونجاحي.
وفي يوم، كان فيه اجتماع كبير للمجلس المحلي عشان تكريم أنجح المشروعات المستقلة في المنطقة. القاعة كانت مليانة على آخرها، الصحافة ورجال الأعمال وكبار العائلات، وكان من ضمن الحضور الحاج فؤاد، جاي يباهي بقرايبه اللي عزمه عشان يشوف ‘الوجاهة’ والناس التقيلة. قعد في الصفوف الأولى هربان من المطر والزحمة، فاكر إنه جاي يتفرج على حد من معارفه الكبار.
طلعت المذيعة على المسرح وقالت بصوت عالي: “ونكرم دلوقتي صاحب أكبر استثمار تعليمي وإنساني في المنطقة، الدكتورة مريم، وأصغر شريكة ومؤسسة باسمها.. الأنسة ليان.”
الضوء كله اتسلط عليا. مشيت بثقة وأنا لابسة أشيك طقم عندي، ومسكة إيد ليان اللي بقت عندها سنتين ونص، طالعة زي القمر، بتضحك للناس وواثقة في نفسها. القاعة كلها وقفت تصفق بحرارة. مسكت المايك، وبصيت في عين الحاج فؤاد المباشرة، اللي كان قاعد في كرسيه مشدوه، عينه واسعة ومش مصدق إن الملايين والمكانة دي كلها خرجت من تحت إيد ‘البنت’ اللي كان مستعر يمسكها.
قلت في المايك بصوت هز القاعة: “المشروع ده اتعمل عشان أثبت لكل واحد فاكر إن القيمة بالولد، إن البنت قادرة تبني عيلة وتكبر اسم أهلها وتسند بلد كاملة. أنا بتبرع بـ 20% من أرباح المؤسسة باسم بنتي ليان لدعم تعليم البنات اللي أهاليهم حسسوهم إنهم أقل قيمة.”



