
ابني اللي عنده سبع سنين بدأ ينام تحت سرير أخته الرضيعة، ولما سمعته بيهمس لها الساعة اتنين بعد نص الليل، حسيت إن الدم اتجمد في عروقي.
اسمي ليلى، ومن سبع سنين وأنا عايشة أنا وجوزي كريم على أمل إن يبقى عندنا طفل تاني، لكن الظروف ما كانتش سهلة، ولما ربنا رزقنا أخيرًا ببنت، ابننا يوسف كان أكتر واحد فرحان في البيت.
من أول يوم عرفنا فيه إن البيبي بنت، ويوسف مش ساكت من كتر الفرحة. كان كل شوية يحط إيده على بطني ويقول: “ماما، أنا هعلمها كل حاجة، وهبقى أخوها اللي يحميها.”
ولما ولدت بنتنا وسَمّيناها نور، يوسف دخل المستشفى وهو طاير من الفرحة، وأول ما شافها وهي نايمة في السرير الصغير، قرب منها وبص عليها كأنه بيشوف أجمل حاجة في الدنيا.
لكن فرحتنا ما كملتش زي ما كنا متخيلين.
الدكاترة اكتشفوا إن نور عندها مرض وراثي، وإن حالتها محتاجة متابعة وعناية خاصة من أول يوم. أنا وجوزي اتصدمنا، وكنا محتاجين وقت عشان نستوعب كلام الدكاترة ونفهم مستقبل بنتنا هيكون عامل إزاي.
لكن يوسف ما شافش أي حاجة من دي.
بص لأخته الصغيرة وقال بكل ثقة: “هي حلوة أوي يا ماما… وهي كاملة، مفيهاش حاجة.”
ومن يومها، بقى يوسف متعلق بنور بشكل غريب.
كان يختار لها الهدوم بنفسه، ويقف جنبي وأنا بغير لها، ولو بدأت تعيط يفضل جنب سريرها يغني لها بصوته الصغير لحد ما تهدى.
وفي كل مرة حد كان يقول قدامه إن نور محتاجة رعاية خاصة، كان يرد بسرعة: “هي مش مختلفة… دي أختي.”
عدّى أول أسبوعين على رجوعنا البيت، وفجأة يوسف بدأ يتغير.
في البداية افتكرت إنه غيران من اهتمامنا بنور، لكن اللي حصل كان أغرب من كده بكتير.
رفض ينام في أوضته، وكل ما أقول له يروح سريره كان يصرخ ويقول: “أنا هنام هنا.”
كنت بسأله: “هنا فين يا يوسف؟”
فيبص ناحية سرير نور ويسكت.
وفي ليلة، وأنا داخلة أوضة نور أطمن عليها، لقيت يوسف نايم على الأرض تحت سريرها.
اتخضيت وقعدت أصحيه.
“يوسف! إنت بتعمل إيه هنا؟”
فتح عينه وبصلي من غير ما يتكلم.
قلت له بعصبية: “سريرك في أوضتك، إيه اللي نزلك تنام هنا؟”
#انجي_الخطيب
قال بهدوء غريب: “أنا لازم أفضل جنبها.”
حاولت أضحك وأهزر معاه عشان ما أخوفوش، وقلت: “يا حبيبي، نور في سريرها وماما وبابا موجودين، مش محتاجة حراسة.”
لكنه هز راسه وقال: “لا… لازم أفضل هنا.”
من بعدها، بقى الموضوع عادة.
كل ليلة تقريبًا ألاقي يوسف مستخبي تحت سرير نور أو نايم على الأرض جنب سريرها.
وكل ما أسأله ليه، يسكت.
بدأ القلق يدخل قلبي، خصوصًا إني كنت بلاقيه أحيانًا بيبص لأخته وهي نايمة لفترة طويلة من غير ما يرمش.
وفي ليلة، وأنا داخلة أطمن على نور، لقيت يوسف واقف جنب سريرها وبيهمس لها.
قربت منه وقلت بحدة: “يوسف!”
اتنفض وبصلي، لكنه ما ردش.
قلت له: “إنت بتكلم أختك ليه الساعة دي؟”
فضل ساكت.
افتكرت إنه بيحاول يطمنها أو يغني لها زي عادته، فسبته ومشيت.
لكن إحساسي إن في حاجة غلط ما راحش.
كل ليلة تقريبًا كنت أسمع صوت يوسف من أوضة نور، همسات واطية مش قادره أفهمها.
كنت أسأله الصبح، وهو دايمًا يغير الكلام.
لحد يوم الخميس اللي فات.
الساعة كانت بالظبط اتنين بعد نص الليل.
صحيت على صوت خافت جاي من أوضة نور.
في الأول افتكرت إن بنتي بتعيط، لكن لما ركزت سمعت صوت يوسف.
قمت من السرير بهدوء، ومشيت ناحية أوضتها على أطراف صوابعي.
وقفت عند الباب، وما دخلتش.
سمعته بيهمس لأخته:
“ماتخافيش يا نور… أنا هنا.”
سكت شوية، وبعدها قال بصوت أوطى:
“أنا وعدتك إني مش هقول لماما.”
وقتها حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
دخلت الأوضة بسرعة وقلت: “يوسف! إنت وعدتها بإيه؟!”
يوسف اتجمد مكانه.
بصلي ثواني طويلة، وبعدها بص ناحية أخته.
قربت منه ومسكت إيده وقلت: “قولي يا يوسف… إنت بتخبي عني إيه؟”
بدأت عينه تدمع، وقال بصوت مرتعش:
“أنا مش بخبي حاجة يا ماما… بس نور هي اللي قالتلي ماقولش.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
بصيت على بنتي الصغيرة، وبعدها رجعت بصيت ليوسف.
وقلت له: “نور قالتلك إيه؟”
يوسف قرب مني، ومسك إيدي بكل قوته، وهمس:
“قالتلي إن الدكتور قال لبابا وماما حاجة عنها… حاجة هما مش عايزين يقولوهالي.”
في اللحظة دي، ما بقيتش فاهمة أي حاجة.
نور كانت لسه رضيعة، ما تعرفش تتكلم أصلًا.
فمسكت كتف يوسف وقلت له:
“إنت بتقول إيه يا حبيبي؟ نور ما بتتكلمش!”
بصلي يوسف بخوف، وقال:
“أنا عارف يا ماما… بس هي بتكلمني.”
ساعتها سمعت صوت خبط خفيف جاي من ناحية سرير نور.
لفيت وشي ناحية السرير، وأنا حاسة إن قلبي هيخرج من صدري.
وبصيت على بنتي…
وفجأة، عرفت إن الليلة دي مش هتعدي زي أي ليلة قبلها.
لأن السر اللي يوسف كان مخبيه عني، ما كانش مجرد خيال طفل…
كان مرتبط بحاجة حصلت في المستشفى يوم ولادة نور، حاجة أنا وجوزي نفسنا كنا فاكرين إن محدش يعرف عنها حاجة.
لكن واضح إن يوسف عرفها بطريقة ما…
وكان مستعد يعمل أي حاجة عشان يحمي أخته الصغيرة.
الستارة اللي جنب السرير اترعشت مع حركة هواء خفيفة جاية من الشباك المقفول، الصوت الخفيف اللي سمعته من ناحية السرير كان حركة إيد نور الصغيرة وهي بتخبط في السور الخشبي. قربت خطوة وشيلي كله متكتل في صدري، عيني بتروح بين وش الرضيعة النايمة في سلام وبين يوسف اللي مسك في طرف جلابيتي بقوة وخوف، صوابعه الصغيرة كانت بتترعش.
نزلت على ركبتي قدامه، مسكت وشه بين إيديا الإثنين وقلت بنبرة بحايل بيها خوفي قبل ما أحايله هو: “يوسف.. بصلي هنا، يبني أنت جالك كابوس؟ بابا وماما مش مخبيين عليك حاجة، نور أختك صغيرة ولما تكبر هنلعب كلنا سوا، مين اللي قالك الكلام ده؟”




