روايات وقصص

ابويا رماني لاخطر راجل عشان يسدد ديونة

إن أبويا يسلّمني لراجل خطير علشان يسدد له دين ١٢٠ مليون جنيه، كان المفروض يكون أكتر موقف مرعب عدى عليّا في حياتي. لكن وأنا قاعدة حافية على أرض مخزن ساقعة، وإيدي بتنزل دم، وأبويا وأخويا هما اللي بيتهموني بفلوس هما اللي سرقوها، اكتشفت إن فيه حاجة أخوف بكتير… الراجل اللي كل الناس كانت بتحذرني منه وبتقول إنه ممكن يقتلني، كان أول راجل في المكان ده يسمعني بجد.

همست وأنا ببص للدم اللي بينزل من كف إيدي المجروح: “أنا آسفة… والله هنضفه، بس اديني أي حاجة أمسح بيها.”

محدش رد.

المطر كان بينزل بغزارة على سقف المخزن القديم الموجود في منطقة صناعية على أطراف إسكندرية، وصوت المطر وهو بيخبط على الصاج كان عامل دوشة تخلي الواحد مش سامع نفسه. المكان كان مليان كراتين وبضائع مرصوصة، وفيه لمبات فلورسنت بيضا معلقة في السقف، بتنور المكان بشكل باهت ومخيف.

وقدامي كان واقف ياسين المنشاوي.

راجل طويل، جسمه عريض، لابس بدلة رمادي غامق، ووشه ثابت بشكل يخوف. كان من النوع اللي مبيحتاجش يعلي صوته علشان كل اللي حواليه يسكت.

أبويا حسن كان واقف قصاده ووشه أصفر من الرعب، وأخويا كريم واقف جنبه بيحاول يعمل نفسه جامد، رغم إن صوته كان مهزوز.

قال ياسين بهدوء: “إنت قلتلي إن عندك ضمان.”

أبويا رد بسرعة: “عندي… طبعًا عندي. هي اللي ماسكة حسابات الشركة والتحويلات.”

رفعت راسي باستغراب: “حسابات إيه؟”

كريم ضحك بسخرية: “هي دايمًا بتعمل كده. أول ما تتزنق تعمل نفسها مش فاهمة.”

ياسين بص له نظرة واحدة وقال: “كريم.”

كريم سكت فورًا.

أنا مكنتش فاهمة إحنا موجودين هنا ليه غير من كلام متقطع سمعته منهم.

اللي فهمته إن مبلغ ١٢٠ مليون جنيه اختفى من حسابات شركة أبويا للنقل والتوريدات، وإن أبويا قال لياسين إني أنا اللي حولت الفلوس لحسابات وشركات باسمي.

قال أبويا بعصبية: “قولي له بيانات الحسابات.”

بصيت له بعدم تصديق: “معنديش أي حسابات من دي.”

“بطلي تكسفيني قدام الراجل!”

خبط بكف إيده على الرف الحديد اللي جنبي، فانتفضت غصب عني.

ياسين لاحظ.

عينه اتحركت من وشي لوش أبويا، وسكت ثواني.

كريم دخل بسرعة: “هي حساسة زيادة عن اللزوم. أي حاجة بتحصل تعمل منها حكاية.”

وبدأ يرمي كلامه المعتاد: “متوترة… درامية… وبتتخيل حاجات.”

دي كانت نفس الكلمات اللي أهلي استخدموها معايا سنين كل ما أحاول أتكلم عن حاجة هما مش عايزين حد يعرفها.

وطبعًا عملت اللي اتعودت أعمله طول عمري… سكت.

#انجي_الخطيب

وطيت راسي. وحاولت أبقى أصغر ما يمكن.

لكن ياسين فجأة نزل لمستوايا وقعد قدامي.

وقال: “بصيلي يا نور.”

رفعت عيني بالعافية.

“إنتِ سرقتي فلوسي؟”

“لأ.”

“حولتي فلوس لحسابات بره؟”

“لأ.”

“فتحتي شركات بأسماء ناس تانية؟”

“لأ.”

“المبلغ اللي اختفى كان ١٢٠ مليون جنيه.”

الرقم نفسه خلاني أركز.

قلت باستغراب: “١٢٠ مليون؟”

هز راسه. “أيوه.”

سكت لحظة، وبعدين قلت: “ده مش منطقي.”

كريم اتنهد بضيق، لكني مكنتش سامعاه.

عقلي بدأ يشتغل بسرعة.

الأرقام اللي كنت بقلب فيها من أربع أيام من غير نوم بدأت ترجع قدامي.

قلت: “المبلغ اللي أنا اكتشفته كان أكتر من كده.”

ياسين قرب شوية: “قد إيه؟”

بلعت ريقي وقلت: “حوالي ١٤٥ مليون جنيه.”

المخزن كله سكت.

أبويا قال اسمي بصوت واطي: “نور…”

بصيت له.

ولأول مرة فهمت.

قلت: “إنت كنت عارف.”

قبلها بأربع أيام، كنت قاعدة في مكتب الحسابات في مقر الشركة في برج العرب، بمراجع فواتير النقل والتوريدات.

اكتشفت إن فيه فواتير مكررة متوزعة على ١١ مورد وشركة مختلفة.

في الأول الأرقام كانت صغيرة.

٦٠ ألف جنيه.

١٢٠ ألف.

١٨٠ ألف.

لكن لما بدأت أجمعهم، الرقم بقى مرعب.

دخلت على كشوف الحسابات وراجعت أوامر التحويل والموافقات الإلكترونية.

ولما سألت أبويا، قال لي إن فيه عطل في سيستم الحسابات وإن البيانات اتلخبطت.

صدّقته وقتها.

دلوقتي بس فهمت الحقيقة.

هو اللي كان بيمسح سجلات المراجعة.

وهو اللي كان بيحوّل الفلوس واحدة واحدة.

صرخ كريم فجأة: “يا كدابة!”

واندفع ناحيتي.

رجعت لورا وأنا مرعوبة.

لكن ياسين اتحرك أسرع منه.

وقف بيني وبين أخويا.

مضربوش.

ولا حتى رفع صوته.

بس قال: “خد خطوة كمان ناحيتها.”

كريم وقف مكانه.

وبعدين رجع خطوة.

أنا فضلت باصة لظهر ياسين بعدم تصديق.

لأن محدش…

ولا مرة في حياتي…

وقف بيني وبين أخويا لما كان بيؤذيني.

لف ياسين ناحيتي وقال: “إيه اللي حصل بعد ما اكتشفتي الفلوس؟”

حاولت أبلع الغصة اللي في حلقي وقلت: “أبويا ناداني مكتبه.”

سكت لحظة وبعدين كملت: “وقالي أمضي على إقرار… إني أنا اللي فتحت حسابات استثمار وحولت الفلوس ليها.”

“وإنتِ؟”

“رفضت.”

“وبعدين؟”

إيدي بدأت تترعش.

لكن قبل ما أتكلم، أبويا انفجر: “هي مش طبيعية!”

بصيت له.

“بتاكل كتير وبتقعد لوحدها بالساعات وبتعمل مشاكل علشان تلفت الانتباه! أمها دلعتها لحد ما بقت بالشكل ده!”

قلت بصوت مكسور: “بابا…”

لكنه كمل: “عمرها ما كانت طبيعية! كل فشل في حياتها بتحطه في رقبة أهلها!”

“كفاية.”

“دي بتكدب كل ما—”

صرخت بكل اللي جوايا: “كفااااية!”

صوتي دوّى في المخزن.

الكل سكت.

أنا كنت بعيط، ومبقتش قادرة أبلع الكلام وأسكت زي كل مرة.

بصيت لأبويا.

هو كان باصصلي بنفس النظرة اللي متعود يشوفني بيها… نظرة الراجل اللي لسه متوقع إني أطيعه مهما حصل.

همست: “عايزني أقول له؟”

وش أبويا شحب.

وفي اللحظة دي فهمت.

هو خايف.

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى