روايات وقصص

جوزي رمي عربيتي في النيل

“متحاوليش تفتحي الباب يا ليلى… خلاص، مفيش فايدة.”

دي كانت آخر جملة سمعتها من جوزي قبل ما أشوفه بعيني وهو بيفتح شباك العربية ويطلع منه ويسيبني أنا وأخويا المشلول جوه العربية وهي بتغرق في نص النيل.

كل اللي حصل بعدها ماخدش غير ثواني.

كنا راجعين بالعربية من طريق مصر إسكندرية الصحراوي ناحية القاهرة، وجوزي كريم هو اللي سايق، وأنا قاعدة جنبه، وأخويا ياسين كان في الكنبة اللي ورا، قاعد على الكرسي المتحرك اللي عاش عليه من يوم الحادثة اللي مات فيها بابا وماما من خمستاشر سنة.

فجأة، كريم لف الدريكسيون بعنف.

العربية خرجت عن الطريق، وخبطت في الحاجز الحديدي، وبعدها اندفعت ناحية الميه.

في اللحظة دي افتكرت إن كريم فقد السيطرة على العربية.

أو على الأقل… ده اللي كنت فاكره.

العربية وقعت في النيل بكل قوتها.

الخضة خلتني أفقد وعيي كام ثانية، ولما فتحت عيني، لقيت الميه وصلت للكوتشي بتاعي وبتعلى بسرعة.

صرخت: “كريم! الباب مش بيفتح!”

لكنه ما ردش عليا.

بصيت ناحيته، لقيته هادي بشكل يخوف.

فك حزام الأمان بكل بساطة، نزل الإزاز، وبدأ يطلع من العربية.

صرخت وأنا بعيط: “كريم! ياسين ورا!”

لكنه حتى ما بصش وراه.

ولا كأنه سمعني.

حاولت أفك حزام الأمان بتاعي، لكن المشبك ما اتحركش.

شدّيت عليه بكل قوتي، بس كان متثبت كأنه ملحوم.

مديت إيدي تحت الكرسي وأنا بدور على أي حاجة تساعدني، وفجأة لمست حاجة معدن.

طلعتها.

كانت سلك معدني.

ولما بصيت كويس، اكتشفت إن حد كان رابط حزام الأمان بتاعي في هيكل العربية بالسلك ده.

ساعتها بس فهمت الحقيقة.

دي ما كانتش حادثة.

كريم كان مخطط لكل حاجة.

الميه وصلت لحد صدري.

بصيت من الشباك، لقيته وصل للشط وواقف على رجليه، ولا على وشه ذرة خوف.

لكن كريم ما كانش لوحده.

كانت فيه ست واقفة مستنياه تحت شمسية كبيرة.

وأول ما شوفت وشها، حسيت إن روحي خرجت مني.

كانت أختي غير الشقيقة… نادين.

أختي اللي كنت طول عمري فاكرة إنها أكتر واحدة بتخاف عليا.

والصدمة الأكبر؟

كانت حامل.

شوفته وهو بيروح عليها ويحضنها.

حطت إيديها على وشه، وهو ابتسم لها.

وبعدين الاتنين بصوا ناحية العربية اللي كانت بتغرق قدام عينيهم.

ناحيتنا.

ناحيتي أنا وياسين.

كريم ابتسم.

ابتسم وهو بيتفرج عليا وأنا بموت.

تلات سنين جواز.

تلات سنين وأنا مصدقة إنه بيحبني.

تلات سنين وهو كل ليلة تقريبًا كان بيعمل لي كوباية لبن دافي قبل ما أنام، ويقولي: “إنتِ بتتعبي نفسك أوي في إدارة شركة المقاولات بتاعة عيلتكم… لازم ترتاحي.”

كنت فاكرة إن ده حب.

كنت فاكرة إني متجوزة الراجل اللي شايفني أغلى حاجة في حياته.

لكن دلوقتي؟

كان واقف على الشط بيتفرج عليا وأنا بغرق.

“ياسين…”

صوت أخويا جه من ورايا.

لفيت له وأنا بعيط.

الميه كانت وصلت تقريبًا لوشه.

ياسين بقاله خمستاشر سنة مش قادر يحرك رجليه.

من يوم الحادثة اللي مات فيها بابا وماما، وهو على الكرسي المتحرك.

بصيت له وقلت وأنا منهارة: “أنا آسفة يا ياسين… أنا اللي دخلت الراجل ده عيلتنا.”

#انجي_الخطيب

قفلت عيني وأنا مستنية النهاية.

لكن فجأة…

سمعت صوت خبطة ورايا.

وبعدها خبطة تانية.

فتحت عيني.

واتجمدت مكاني.

ياسين…

ما كانش قاعد على الكرسي.

كان واقف.

واقف جوه العربية.

على رجليه.

أنا بصيت له وكأني شايفة شبح.

“رجلك…؟!”

قرب مني بسرعة، وطلع أداة قطع صغيرة كان مخبيها تحت الجاكيت بتاعه، وبدأ يقطع السلك اللي رابط حزام الأمان.

قلت وأنا مش مصدقة: “إنت… إنت بتقف؟!”

بصلي وقال بهدوء: “هشرحلك بعدين.”

وقبل ما أقدر أقول أي كلمة، رفع رجله وركل الباب الخلفي بكل قوته.

الباب ما فتحش من أول مرة.

ركله تاني.

المية كانت بتضغط على العربية من بره، ولما بدأ ضغط الميه يتساوى، الباب اتفتح فجأة.

ياسين مسكني وسحبني بره العربية.

حاولت أطلع لفوق عشان أوصل لسطح الميه، لكنه مسكني من إيدي.

صرخت: “إنت بتعمل إيه؟! هنغرق!”

قال: “لأ… لو طلعنا لفوق دلوقتي هنموت بجد.”

وحط في إيدي قطعة صغيرة شبه جهاز تنفس.

بصيت له باستغراب.

قال: “دي كانت مخبية في جراب ضد الميه.”

وبدأ يسبح بيا بعيد عن العربية، لتحت كوبري قديم قريب من النيل.

كنا بنمشي تحت الميه لحد ما وصلنا لمكان ضيق بين أعمدة خرسانية ضخمة، بعيد عن الطريق ومستخبي عن الشط.

فضلنا هناك لحد ما قدرت آخد نفسي.

وأول ما طلعت وشي فوق الميه، مسكت ياسين من هدومه وزقيته ناحية الحيطة.

صرخت فيه: “خمستاشر سنة يا ياسين! خمستاشر سنة وإنت بتمثل إنك مش قادر تمشي؟!”

ما دافعش عن نفسه.

ما حاولش حتى يبرر.

اكتفى إنه بصلي وقال: “عشان حادثة بابا وماما ما كانتش حادثة.”

حسيت إن الدنيا كلها وقعت فوق دماغي للمرة التانية.

قلت بصوت مرتعش: “يعني إيه؟”

ياسين بص في عيني مباشرة وقال: “عيلة كريم بتحاول تستولى على شركة عيلتنا من خمستاشر سنة.”

سكت لحظة، وبعدين كمل: “وكريم عمره ما اتجوزك عشان بيحبك.”

حسيت بقلبي بيتقبض.

“إنت عرفت منين؟”

قال: “لأن أبو كريم هو اللي بدأ كل حاجة مع بابا وماما… وكريم كمل اللي أبوه بدأه.”

اتسمرت مكاني.

وبعدين قال الجملة اللي خلت دمّي يتجمد أكتر من ميه النيل: “النهارده كريم ما كانش بيحاول يقتلك عشان الشركة وبس.”

“أمال عشان إيه؟”

قرب مني وقال: “كان بينفذ آخر خطوة في خطة بدأت من خمستاشر سنة.”

سكت وأنا بحاول أستوعب اللي بسمعه.

كل حاجة في حياتي بدأت تتكشف قدامي كأنها فيلم مرعب.

جوازي.

بيتي.

شغلي.

حتى حب كريم اللي كنت متأكدة منه.

كل ده ممكن يكون كذبة.

لكن رغم كل اللي عرفته…

ما كنتش أعرف إن محاولة قتلي في النيل كانت مجرد بداية.

لأن أسوأ حاجة ما كانتش إن كريم حاول يغرقني.

أسوأ حاجة كانت السر اللي اكتشفته بعد كده…

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى