روايات وقصص

ابني المنتظر حكايات

بعد عشر سنين كاملة من محاولات الحمل اللي انتهت كل مرة بفقدان طفلنا، أخيرًا ربنا رزقنا بطفل سليم، أو على الأقل ده اللي كنا فاكرينه في البداية. لكن أول ما الممرضة أخدت ابننا من حضن جوزي، وشه اتقلب للون الأبيض، وعينيه اتثبتت على علامة غريبة كانت موجودة على كتف الطفل، وبدأ يهمس بصوت متقطع: “لأ… مستحيل!”

أنا اسمي ليلى، وجوزي اسمه أحمد. من أول يوم في جوازنا وإحنا نفسنا يكون عندنا بيت مليان عيال، لكن السنين عدت علينا تقيلة جدًا. عشر سنين من الجواز، حمل ورا حمل، وكل مرة كنا بنفرح ونبدأ نحلم بشكل مختلف، كانت النهاية بتكون فقدان طفلنا قبل ما حتى نقدر نشوفه أو نحضنه.

كل تجربة كانت بتسيب جوايا وجواه وجع أكبر من اللي قبلها، لدرجة إننا في آخر كام سنة بقينا بنخاف نفرح أصلًا. حتى لما اكتشفت إني حامل تاني السنة اللي فاتت، بصيت لأحمد ودموعنا نزلت من غير ما نتكلم. إحنا الاتنين كنا عارفين إن دي ممكن تكون فرصتنا الأخيرة، ومش قادرين نتخيل إننا نعيش نفس الكابوس للمرة السادسة.

طول فترة الحمل كنا عايشين على أعصابنا. كل مرة كنت أحس بأي مغص أو تعب بسيط، أحمد كان بياخدني على طول للدكتور. كنا بنتابع مع دكتورة نسا في مستشفى كبير في القاهرة، وكل تحليل وكل سونار كان بالنسبة لنا امتحان جديد.

حتى أوضة الطفل اللي كنا مجهزينها في شقتنا، كنا بندخلها بحذر. كنا اشترينا سرير صغير وهدوم بيبي وألعاب، بس فضلنا مش قادرين نفرح بيهم من قلبنا. كل ما نبص للحاجات دي، كان بييجي في بالنا الأطفال اللي فقدناهم قبل كده.

#انجي_الخطيب

لكن الحمل ده عدى شهر ورا شهر بشكل كويس. وكل مرة الدكتورة تقول إن النبض كويس وإن الطفل بينمو طبيعي، كنت أحس إن جزء من الخوف اللي جوايا بيهدى شوية.

لحد يوم الولادة.

من أول الصبح وأنا في المستشفى، وأحمد واقف جنبي ومش سايب إيدي. كل شوية كان يبص في وشي ويسألني: “إنتِ كويسة؟ محتاجة حاجة؟”

كنت خايفة، بس المرة دي كان جوايا إحساس غريب إن النهاية هتكون مختلفة.

وبعد ساعات طويلة من التعب، وبعد منتصف الليل بدقايق، أخيرًا سمعت صوت ابني لأول مرة.

صوته كان عالي وقوي وواضح.

في اللحظة دي، انهرت في العياط.

أحمد كمان حط إيده على وشه وفضل يحمد ربنا، وكأن السنين العشر اللي فاتت بكل وجعها اختفت في اللحظة دي.

الممرضة أخدت الطفل علشان تكشف عليه وتعمل له الفحوصات الروتينية، وإحنا الاتنين فضلنا مستنيين وقلوبنا بتخبط من الفرحة والخوف في نفس الوقت.

وبعد شوية، رجعت الممرضة وهي شايلة ابننا ومتلفف في بطانية صغيرة. قربته مني، وبعدها سلمته لأحمد.

أحمد أخده بين دراعاته لأول مرة، وفضل يبص له بابتسامة مش قادر يصدق إن الطفل اللي استناه عشر سنين بقى أخيرًا بين إيديه.

كنت مرهقة جدًا، لكني كنت مبسوطة. مدّيت إيدي ألمس خد ابني، وبدأت أتخيل شكل حياتنا من اللحظة دي.

بيت فيه ضحك.

صوت طفل بيجري في الشقة.

أحمد بيشيله وبيهزر معاه.

وأنا أخيرًا بقيت أم.

لكن فجأة، حصل شيء غريب.

الممرضة رجعت علشان تاخد الطفل وتكشف عليه شوية، وبمجرد ما سحبته من حضن أحمد، شفت لون وش جوزي بيتغير قدامي.

الابتسامة اختفت.

وشه شحب فجأة، وعينيه اتفتحت على آخرها.

بص على كتف الطفل كأنه شاف حاجة عمره ما توقع يشوفها في حياته.

اتوترت وقلت له: “أحمد؟ مالك؟”

لكنه ما ردش.

فضل مركز عينه على علامة صغيرة كانت موجودة على كتف ابني.

علامة غريبة… واضحة جدًا.

قرب أحمد خطوة من الطفل، وبص للعلامة كأنه بيحاول يتأكد إن عينيه مش بتخدعه.

وبعدين رجع لورا خطوة، وحط إيده على بقه، وهمس بصوت مليان صدمة:

“لأ…”

بصيت له وأنا مش فاهمة أي حاجة.

قال تاني بصوت أوضح، وهو بيهز راسه:

“لأ… مستحيل.”

ساعتها قلبي بدأ يدق بسرعة.

بصيت للممرضة، وبعدين للطفل، وبعدين لأحمد.

وسألته وأنا حاسة إن صوتي بيترعش:

“إنت شفت إيه يا أحمد؟”

لكنه ما جاوبنيش.

فضل واقف قدام ابنه، وعينيه على العلامة اللي في كتفه، وكأنه فجأة اكتشف سر مدفون من سنين…

سر ممكن يغيّر حياتنا كلنا.

#انجي_الخطيب

حسيت برعشة بتجري في جسمي كله، حاولت أعدل قعدتي على السرير رغم الوجع والتهالك اللي أنا فيه، ومديت إيدي بلخبطة ناحية أحمد: “أحمد! رد عليا الله يخليك! في إيه؟ الولد ماله؟”

أحمد كان واقف زي الصنم، عينيه مش قادرة تتشال من على كتف الواد، أيده اللي كانت بتترعش نزلت على جنبه، ونفسه بقى يعلى ويهبط كأنه بيجري ماراثون. الممرضة استغربت هي كمان، بصت للطفل وبصت لأحمد وقالت بفضول: “في حاجة يا أستاذ؟ دي مجرد وحمة عادية، غامقة شوية بس شكلها زي…”

قطع كلامها أحمد بصوت زي الصرخة مكتومة: “سبيها! متلمسيهاش!”

الممرضة اتخضت ورجعت لورا خطوة وهي شايلة الولد بين إيديها، وأنا الصدمة طيرت باقي صحتي، دموعي نزلت بصوت واطي وأنا بترجاه: “علشان خاطري يا أحمد، متجنننيش، شفت إيه؟ العلامة دي فيها إيه؟”

أحمد لف وشه ناحيتي، وفي عينيه كمية خوف ووجع عمري ما شفتهم في العشر سنين اللي فاتوا كلهم. يقرب مني بخطوات ثقيلة كأنه ماشيل جبل على كتافه، مسك إيدي الاثنين وإيديه كانت تلج، ووطى راسة لحد ما جبهته لمست إيدي وقال بصوت مخنوق بالبكاء: “العلامة دي مش وحمة يا ليلى… دي الشامة الهلالية، نفس العلامة اللي كانت عند أخويا التوأم اللي غرق وأحنا عندنا سبع سنين…”

بلعت ريقي بصعوبة ومش فاهمة: “أخوك؟ إيه جاب أخوك دلوقتي يا أحمد؟ دي علامة وراثية عادي ممكن تتنقل للـ…”

رفع رأسه وبص في عيني بجمود يرعب: “لأ يا ليلى، مش وراثية. العلامة دي ما كانتش وحمة ولا خلقية… العلامة دي كانت حرق قديم من حادِثة شمعة زمان، ومفيش حد في العيلة كلها عنده الشبه ده غيره، وأنا اللي كنت معاه لما غرق في الترعة… أنا اللي شفت جثته وهي بتتطلع، وعلامة الحرق دي كانت معلمة في كتفه الشمال بنفس الشكل والتفاصيل بالضبط… بالملي يا ليلى!”

الأوضة فجأة بقى فيها هدوء قاتل، صوت جهاز النبض بس هو اللي عالي. الممرضة كانت واقفة مذهولة ومش فاهمة حاجة، وبكاء البيبي الصغير بدأ يعلى في الأوضة، صوت عياط نقي بيشق السكون الدافي ده.

بصيت لأحمد وأنا مش قادرة أستوعب: “إنت بتقول إيه؟ إنت عايز تفهمني إيه يعني؟ إن ربنا بعد عشر سنين حرمان بعتلنا…”

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى