روايات وقصص

صدمة بنتي في المستشفي حكايات انجى الخطيب

أحمد كمل كلامه بنفس النبرة الهادية:
«افتح الصورة اللي لسه باعتها لك على الواتساب… وبص فيها كويس أوي قبل ما تدوس “إرسال” للملف اللي بتحاول ترفعه دلوقتي.»
نزلت الموبايل عن ودني وأنا حاسس بالدنيا بتلف بيا. فتحت المحادثة، والصورة تحمّلت في ثانية.
كانت صورة متاخدة لايف من جوه الأوضة 214…
ملك نايمة على السرير، ووشها الشاحب مغطي بالشاش… وواقف جنبها راجل لابس بالطو أبيض، إيده ماسكة المحلول، والإيد التانية حاطة سن سرنجة جوه أنبوبة المحلول اللي داخلة في دراع بنتي مباشرة!
صوت أحمد زاهر رجع يرن في السماعة لما رفعتها تاني:
«مادة بسيطة جدًا يا حسام… توقف القلب في ظرف 30 ثانية ومن غير ما تبان في أي تشريح. قدامك دقيقة واحدة ترجع للباركينج وتسلم الفلاشة للرائد طارق، أو تدوس إرسال للنيابة… وتيجي تتسلم جثة بنتك.»

«استنى! استنى يا ابن الكلب ما تعملش حاجة!»

صرخت في الموبايل بصوت مشروخ، صوت أب مكسور بيتحايل على موت بنته.

أحمد زاهر ضحك بصوت خفيف من الناحية التانية، ضحكة مريضة اتوزعت على أسامعي زي السم: «صوتك واطي ليه يا حسام؟ ما كنت من شوية عامل فيها بطل؟ العداد بيمشي… فاضل 40 ثانية.»

عيني راحت لشاشة الموبايل في حظيرة الظلام بتاعة العربية… مؤشر التحميل كان عند 92%… 95%… إيدي كانت بترتعش بغشم، وعرق بارد نازل من وشي بيمتزج بقطرات المطر اللي بتخرّ من خرم الزجاج المكسور.

«أنا راجع… راجعلك بالفلاشة! بس وحياة أغلى حاجة عندك، ما تلمسهاش!»

وفي اللحظة دي بالذات… الموبايل أدى نغمة خفيفة مكتومة، وظهرت رسالة بخط أبيض صغير على الشاشة: «تم إرسال الملف بنجاح إلى جميع المستلمين».

قلبي اتفض في صدري. النفضة ما كانتش خوف… النار اللي كانت بتاكل فيا تحولت في ثانية لبرود مرعب. النبرة في صوته اتغيرت تمامًا، من التوسل والرجاء… لتحدي صلب زي الجرانيت.

«أحمد…»

«إيه؟ بتتشرط كمان؟ فاضل 20 ثانية—»

«بص على موبايلك.»

«إيه؟»

«بقولك بص على شاشة الموبايل التاني اللي في إيدك يا ابن زاهر… الفيديو اترفّع خلاص. وصل لإيميل النائب العام، وإيميل الصحفي هشام النجار، والنسخة الثالثة نزلّت على سحابة إلكترونية مفتوحة أي حد يقدر يوصل لها.»

السكوت نزل زي المقبرة من الناحية التانية. صوت المطر بره بس هو اللي كان مسموع، ومعاه أنفاس أحمد زاهر اللي بدأت تزيد وتتسرع بغضب مكتوم.

دست على بنزين العربية بغشم، والمحرك زأر، والعربية طلعت تنط في الشارع المظلم المبلول راجعة بأقصى سرعة ناحية المستشفى:

«لو السرنجة دي نزلت نقطة واحدة في دراع بنتي… أنا مش هكتفي بإنك تدخل السجن. أنا هخلي الفيديو ده يتقلب على كل شاشة وفي كل بيج في مصر. وبدل ما تدخل المحاكمة بمعارف أبوه وفوذكم، الشعب كله هيبص عليك وإنت مشنوق في الميدان… إنت وأبوك والضابط الحقير اللي مشغلينه عندكم.»

صوت أحمد اتغير تمامًا، البحة الناعمة اختفت وظهر مكانها جنون مكتوم وصريخ: «إنت بتلعب بالنار يا حسام! إنت فاكر إن الكام فيديو دول هيحموك؟ إحنا ندفنك إنت وهي في مكان محدش يعرفه!»

«أنا مبقتش خايف على نفسي يا أحمد… أنا واحد ما بقاش حيلته في الدنيا غير البنت دي. ولو بنتي جرالها حاجة، أنا مش هسيب فيكم حد يتنفس. قل للدكتور اللي واقف فوق يرفع إيده عن المحلول فورًا… عشان أنا داخل الباركينج حالا!»

قفلت السكة في وشّه من غير ما أستنى أسمع رده، ورميت الموبايل على الكرسي اللي جنبي.

العربية كانت بتجري بسرعة جنونية وسط الشوارع الغرقانة، بتكسر كل إشارة، والكاوتش بيمسح المية المتجمعة بصوت زي الصريخ. الغضب كان ماليني، ومش شايف قدامي غير وش ملك وهي بتعيط في الفيديو، ووش أحمد وهو بيدوس ب جزمته على فكها.

أول ما دخلت لمحت باركينج المستشفى تاني، شفت عربية طارق واقفة بالعرض قافلة المدخل، وطارق نفسه واقف تحت المطر لابس البالطو الأسود، ماسك سلاحه بكتين ووراه اتنين أمناء شرطة حاطين إيديهم على جراب الطبنجات.

ما هديش السرعة… بالعكس، دوست بنزين لأخره، ونورت النور العالي في وشهم، وتوجّهت بعربيتي المكسورة مباشرة ناحية عربية طارق عشان أصدمها!

صوت احتكاك المعدن بالمعدن هز باركينج المستشفى لما مقدمة عربيتي انغرزت بغشم في جنب عربية الشرطة. الصدمة كانت عنيفة لدرجة إن طارق والأمناء اتحدفوا على الأسفلت المبلول عشان يتفادوا الموت، وكيس الهواء (الإيرباج) اتفتح في وشي بغتة، بس ما هتمتش بالوجع ولا بالننزيف الخفيف اللي بدأ ينزل من جبهتي على عيني.
فتحت باب العربية المفعوصة بكتفي، وخرجت أترجل بثبات وسط المطر والغرق. طارق كان بيقوم من على الأرض وشه مليان طين ومية، ورفع سلاحه في وشي برعشة غضب وصوته رايح من الصريخ: «إنت اتجننت يا حسام! والله لأصفيك مكانك!»

مشيت ناحيته خطوات واثقة، صدري بيعلى وينزل، وعيني في عينيه مباشرة من غير ما أرمش: «اضرب يا طارق! اضرب عشان تكمّل الجريمة! بس اسمع موبايلك الأول… شوف الإشعارات اللي بدأت تنزل على كل تليفون في مصر!»
في اللحظة دي بالذات، موبايل طارق جوه جيبه بدأ يرن بنغمة متواصلة ومزعجة، ووراها فوراً موبايلات أمناء الشرطة بدأت تزن بإشعارات وتنبيهات متتالية. طارق إيده اترعشت، وبص لشاشة موبايله بذهول… كان رقم مدير أمن المحافظة بنفسه بيطل على الشاشة.
رد بإنهاك وصوته محبوس: «أفندم يا فندم… أنا في الميدان—»
صوت الصريخ اللي جه من السماعة كان مسموع لينا كلنا وسط صوت المطر. مدير الأمن كان بيلعن ويطلب منه بلهجة حادة التحفظ فوراً على أحمد زاهر وعلى المعمل، لأن

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى