روايات وقصص

صدمة بنتي في المستشفي حكايات انجى الخطيب

طَبّقت شاشة اللاب توب في كسر من الثانية، والظلام رجع لفّ العربية من جوه، بس قلبي كان صوته مسموع أكتر من صوت المطر اللي بيضرب الصاج فوقي.
مديت إيدي بسرعة البرق، سحبت الفلاشة من الـ USB، وحطيتها في شرابي تحت البنطلون، ونزلت زجاج العربية

سنتيمترات بسيطة.
الهوا الساقع دخل المطر في وشي، ورائحة المية المكتومة اختلطت بأنفاسي السريعة.
«خير يا حضرة الضابط؟ فيه حاجة حصلت لبنتي جوه؟»
سألته بنبرة حاولت على قد ما أقدر أخليها نبرة أب مكسور، عينه مليانة دموع ومش فاهم حاجة.
طارق ما ردش فورًا. ميل راسه، وبص من خلال الفتحة

الضيقة للزجاج على شنطة اللاب توب المقفولة على الكرسي اللي جنبي، وابتسامة باهتة ومسمومة ظهرت على وش تحت ضوء الكشافات.
«الضوء الأبيض اللي كان طالع من العربية من شوية ده… كان منور الباركينج كله يا حسام.»
ما قالش “يا أستاذ حسام”… شال الألقاب، وصوته نزل لدرجة من البرود تخوف أي حد.

«كنت بتفرج على حاجة مهمة؟»
«كنت بحاول أفتح شُغل… بحاول أهرب من المنظر اللي شفته فوق.»
طارق ضرب بالدبلة تاني على زجاج العربية، الخبطة كان ليها رنين معدني يخرم الوذن.
«أحمد زاهر… أبوه الدكتور زاهر، نائب رئيس الجامعة وشريك في أكبر سلسة مستشفيات خاصة في مصر، وغير كده… راجل إيده طويلة أوي في الوزارة.»
جسمي اتصلب. الكلمة طلعت منه ببساطة مرعبة، كأنه بيبصم على اللي شفته في الفيديو.
«إنت بتموت بنتك للمرة التانية يا حسام…»
طارق قرب وشه أكتر من فتحة الشباك، وعينيه بقت قصاد

عيني بالظبط، «الفيديو اللي معاك ده مش هيرجع فك ملك زي ما كان، ولا هيمحي الكسور اللي في وشها… الفيديو ده كل اللي حيعمله إنه هيدفنك إنت وهي تحت الأرض، ومحدش هيسمع لكم صوت.»
عرفت ساعتها إن الرائد طارق مش جاي يوصل للحقيقة… طارق جاي يمسحها. جاي يقفل الملف قبل ما يتفتح.
«هات الفلاشة يا حسام… وسلمها بالذوق. إنت راجل عندك تسعتاشر سنة مربي بنتك لوحدك بعد وفاة أمتها، خسارة تضيع عمرك في محاولة انتقام خسرانة من أولها.»
إيدي النملت على دركسيون العربية. الغضب اللي جوايا يتحول لحاجة تانية خالص… لحجر صلب. بصيت له في عينيه من غير ما أرمش.

«وإذا قلت لك إن الفلاشة مش معايا؟»
طارق حط إيده في جيب البالطو، وسمعت صوت تكّة السلاح وهو بيتشد.
«يبقى مش هتطلع من الباركينج ده حي… وهنكتب في التقرير إنك اتعرضت لسطو مسلح من نفس التشكيل اللي ضرب بنتك.»
في اللحظة دي، مفيش خوف اتبقى جوايا. الخوف مات لما شفت جزمة أحمد زاهر بتدوس على وش ملك.
بكل قوتي، دوست على زرار سنتر لوك العربية… الأبواب اتفلت بصوت مكتوم.
في نفس الثواني، جيبت الغيار على المارشليد (الرجوع لورا)، ودست بنزين لأخره!

العربية صرخت على الأسفلت المبلول، والكاوتشات لفت في المية بغشم. طارق اتفاجأ بالاندفاع وربط إيده في مقبض الباب الخارجي وهو بيصرخ: «افتح يا مجنون!»
ضربة طلقة خرجت من سلاحه اخترقت الزجاج الأمامي وشقته نصين، بس العربية كانت خلاص برطمت لورا بـ سرعة جنونية وضربت في العربية الركنة ورايا بصوت صدمة هز المكان كله.
لفيت الدركسيون على آخره، وجبت الغيار الأولاني ودست بنزين من غير ما أبص ورايا… العربيه طلعت تجري وسط المطر والغرق، وأنا شايف في المراية طارق واقف في وسط الشارع المبلول وبيسحب سلاحه عشان يضرب تاني، والصوت كان بيضيع وسط صوت الرعد اللي هز السما.

صوت زئير المحرك كان مغطي على صوت الريح والمطر اللي كان بيلطش في وشي من الخرم اللي سابته الطلقة في الزجاج القدامي. طرطشة المية والمطر المالي الشارع كانت بتدخل جوه العربية، والزجاج المفتت كان بيتساقط على حجري مع كل حفرة أكلها الكاوتش.
كنت بسوق بإيد واحدة، والإيد التانية ماسكة الدركسيون بعنف زي الغريق اللي متمسك بقشة. عيني في المراية النصانية كانت بتمسح الطريق ورايا… أنوار عربية الشرطة ما ظهرتش، بس أنا عارف إن طارق مش هيسيبني، وإن الأجهزة الشغالة في السلك بتاعه هتقلب عليا المحافظة

في ظرف دقائق.
لكن الكابوس الحقيقي ما كانش طارق ولا الرصاصة اللي مرت جنب ودني… الكابوس كان ملك.
بنتي المرمية في الأوضة 214، اللي أجهزة التنفس محاوطاها، واللي تحت رحمة دكاترة مشتريين وأمن بياخد أوامره من اللي كسروا فكها!
حدفت العربية بغشم في دخلة حارة ضيقة ومظلمة ورا عمارة تحت الإنشاء، وطفيت النور والمحرك فوراً. الظلام والهدوء طوقوا المكان، ما عدا صوت قطرات المطر وهي بتنزل على صاج العربية السخن وتطلع بخار.
جسمي كان بيرتعش برودة وغضب. سحبت الفلاشة من شرابي بسرعة، وطلعت الموبايل. إيدي كانت بتتخشب وأنا بركب الفلاشة في الوصلة الصغيرة وبوصلها بالموبايل.
«مش هسيب الحق يضيع… مش هسيب بنتي تدفع ثمن نزاهتها لوحدها.»
فتحت شبكة النت، وحددت مقطع الفيديو اللي فيه وش أحمد زاهر وصوت الاعتداء المرعب، وبدأت أرفعه على موقع

السحابة الإلكترونية وببعت نسخة منه لإيميل النيابة العامة، وإيميل صحفي قديم صاحبي كنت عارف إن كلمته شريفة ومبيخافش.
مؤشر التحميل كان بيمشي ببطء يطير العقل… 12%… 24%… 35%…
المطر بره كان بيزيد، وكل صوت حركة بره الحارة كان بيخلي قلبي يقفز في زوري.
وفجأة، قبل ما مؤشر التحميل يوصل لـ 80%… الشاشة اتغيرت.
الموبايل اهتز في إيدي بفعل مكالمة جاية من رقم غير معروف.
بلعت ريقي بصعوبة. صباعي اتثبت فوق الزرار الأخضر ثواني قبل ما أرد…
«ألو…»
صوت ضحكة واطية، مريضة، وباردة جه من الناحية التانية… ما كانش صوت طارق. كان الصوت الناعم القذر اللي سمعته في الفيديو!
«يا أستاذ حسام… بقى بتجري بعربيتك في المطر بالتهور ده كله عشان حتة فلاشة؟ إنت راجل كبير في السن، ومكنتش أحب إنك تتعب قلبك بالشكل ده.»
الدم اتجمد في عروقي.
«أحمد زاهر…»
«شاطر… عرفت اسمي بسرعة،» صوته كان هادي بشكل يطير العقل، «بس للأسف يا أستاذ حسام، إنت سبت أهم حاجة وراك وركبت عربيتك هربان. إنت سبت الأمانة اللي بنحميهالك.»
في اللحظة دي، وصلني صوت رسالة جديدة على الموبايل… صوت إشعار خفيف.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى