جوزي رماني من فوق جبل وأنا في الشهر التاسع، عشان يقبض خمسين مليون جنيه تأمين على حياتي، وبعدها وقف في جنازتي جنب عشيقته وهو عامل نفسه أرمل مكسور… بس فريد كان عامل غلطة واحدة قاتلة. لا أنا ولا ابني اللي لسه في بطني كنا جوه التابوت ده، وبينما هو كان بيمثل دور الزوج المكلوم، كنت أنا بالفعل بحضر للرجوع من الموت.
لحد النهارده، فاكرة اللحظة اللي إيد فريد خبطت في ضهري.
من كام ثانية بس، كنت واقفة على حافة جبل في سانت كاترين، وسط البرد والهواء الشديد، وبترجاه يرجعني البيت.
“فريد، والنبي خلينا ننزل… أنا تعبانة والجو خطر.”
لكن بدل ما يمد إيده يساعدني، ابتسم.
ابتسامة عمرها ما هتطلع من دماغي.
“إنتِ وابنك مش هتتعذبوا كتير.”
وفجأة، زقني.
“فرييييد!”
صرخت وأنا بحاول أمسك في أي حاجة، لكن الجزمة زحلقت على الصخور المبلولة، وجسمي وقع من على حافة الجبل.
ما حسيتش غير بخبطة جامدة في جنبي ورجلي، وألم رهيب انفجر في جسمي كله. اتدحرجت لحد ما وقعت على حتة صخرية ضيقة تحت الجبل.
أول حاجة عملتها، إني حطيت إيديا الاتنين على بطني.
“يا رب… يا رب خليه كويس.”
كنت بحاول أتنفس، والدموع نازلة من غير ما أحس.
“حبيبي… لو سامعني، دوس عليا بس.”
الهوا كان بيخبط في وشي، والبرد داخل في عضمى، وهدومي كلها اتبلت من المطر والثلج الخفيف اللي كان نازل على الجبل.
كنت فاكرة إن فريد ممكن يكون اتخض، أو إنه هيتصل بالإسعاف.
لكن بعد دقائق، سمعت صوت خطوات فوق.
وصوت ست.
صوت خلاني أتجمد أكتر من البرد.
سلمى.
سكرتيرته التنفيذية، اللي كان دايمًا بيقول عليها مجرد زميلة شغل.
“هي ماتت؟” سألت بصوت متوتر.
وسمعت فريد بيضحك ضحكة هادية.
“بعد خمسين مليون جنيه؟ لازم تكون ماتت.”
حطيت إيدي على بقي عشان أكتم شهقتي.
في اللحظة دي، كل حاجة بدأت تركب في دماغي.
الرحلة الرومانسية اللي أصر عليها فجأة.
إصراره إننا نطلع الجبل رغم تحذيرات الطقس.
رفضه إننا نجيب دليل أو حد يمشي معانا.
ووثيقة التأمين الكبيرة اللي فضل يضغط عليا من شهور عشان أزود قيمتها وأخليه المستفيد الوحيد.
أنا كنت فاكرة إنه بيأمن مستقبل ابنه.
لكن الحقيقة كانت أبشع بكتير.
جوزي كان جايب مراته الحامل للجبل عشان يقتلها.
صوت خطواتهم بدأ يبعد.
استنيت أسمع فريد بيتصل بالإسعاف، أو بيطلب النجدة.
لكن مفيش حاجة حصلت.
سابوني هناك.
سابوني أموت من البرد، وهم متأكدين إن الجبل هيكمل اللي بدأه فريد.
عدى وقت طويل وأنا بين الوعي والإغماء.
كل ما عيني تقفل، كنت بحط إيدي على بطني وأنا مرعوبة.
أكتر حاجة كانت بتخوفني إني أصحى وألاقي ابني سكت.
كنت بدعي بصوت واطي:
“يا رب… مش هو. مش ابني.”
وفجأة…
حسيت بحاجة بتتحرك.
ركلة.
ركلة صغيرة، بس كانت بالنسبالي أقوى من أي معجزة.
فتحت عيني وأنا بعيط.
“إنت لسه هنا؟”
حطيت إيدي على بطني وضحكت وسط دموعي.
“خلاص يا حبيبي… ماما هتعيش عشانا إحنا الاتنين.”
جمعت كل قوتي، وفضلت أقاوم النوم والبرد والألم.
لحد ما فجأة، نور قوي بدأ يتحرك فوق الجبل.
وبعده صوت مروحية بيقطع السما.
صوت ما كنتش مصدقة إني هسمعه.
بعد دقائق، نزل واحد من رجال الإنقاذ بحبل من فوق.
“مدام! اسمعيني، خليكي معانا!”
مسكته بكل قوتي.
“جوزي… هو اللي عمل فيا كده.”
بصلي بدهشة.
“جوزك؟”
هزيت راسي وأنا بحاول أتكلم.
“أرجوك… ما تقولوش إني عايشة.”
قبل ما يرد، جهاز اللاسلكي اللي معاه أصدر صوت.
“المركز بيبلغ إن الزوج وصل قبل شوية وقدم بلاغ إن زوجته اتوفت في حادث سقوط.”
حسيت الدم اتسحب من وشي.
فريد ما كانش مستني حد يلاقي جثتي.
هو كان بدأ بالفعل يكتب قصة موتي.
كان عايز الناس تصدق إني وقعت لوحدي.
كان عايز يقبض الفلوس.
وكان عايز يتجوز سلمى ويبدأ حياته الجديدة.
قفلت عيني للحظة.
وفي اللحظة دي، أخدت أول قرار في حياتي الجديدة.
“خليه يصدق إني مت.”
المنقذ بصلي باستغراب.
لكن أنا كنت عارفة أنا بعمل إيه.
فريد كان عايز جنازة.
وأنا هديهاله.
جنازة يودع فيها زوجته، ويقف جنب عشيقته، ويعيط قدام الناس وهو فاكر إن خمسين مليون جنيه اشتروا له مستقبل جديد.
لكن اللي ما كانش يعرفه…
إن الست اللي هو حاول يقتلها كانت لسه عايشة.
وإنها مش هترجع لنفس البيت كزوجة مكسورة.
أنا هرجعله وأنا أقوى.
هرجعله وأنا عارفة كل أسراره.
وهخليه يكتشف بنفسه إن الست اللي دفنها بإيده…
رجعت من الموت عشان تدفن حياته هو.
المنقذ بصلها بدهشة، عينيه كانت بتتراوح بين ملامحها النازفة وبين اللاسلكي اللي في إيده. كانت لحظة صمت مرعبة، صوت مروحة الطيارة فوقينا كان بياكل كل السكون اللي في الجبل.
“يا فندم أنتي بينك وبين الموت خطوة! أنتي بتنزفي والولادة شكلها بدأت!” المنقذ قالها بصوت فيه ذهول وهو بيحاول يربط الحزام حولين جسمي عشان يرفعني.
مسكت في إيده بضغط أخير من صوابعي اللي كانت متلجة، وعيني جت في عينيه بكل القوة اللي فاضلة جوايا:
“لو أعلنت إني عايشة… فريد هيخلص عليا أنا وابني في أول مستشفى هدخلها. فريد مش بيشتغل لوحده… ومحدش هيحميني غير موتي.”
وفجأة، صوت اللاسلكي اتفتحت فيه القناة المركزية تاني، وجيه منه صوت ظابط بيسأل:
“نقيب هشام… هل فيه أي أثر للضحية؟ الزوج موجود معانا في القسم، انهار تماماً وبيطالبنا نوقف البحث بسبب سوء الأحوال الجوية… وبيقول إن مفيش أمل تكون عايشة.”
النقيب هشام بصلي. المطر كان بينزل على وشه، وشاف التوسل الحاد في عيني… توسل أم مش بتدافع عن حياتها، بتدافع عن حظ ابنها في الدنيا. أخد نفس عميق، وحط إيده على اللاسلكي.
“المركز… رؤية معدومة. اتجاه الريح خطر. لقينا بقايا متعلقات ملطخة بالدم على صخرة مفتتة… المؤشرات تؤكد سقوط الجثة في الهاوية وسحبها مع السيل. التقرير المبدئي: لا يوجد نجاة.”
في اللحظة دي، حسيت بقلبي بيدق كأنه طبول حرب. العملية بدأت.
رفعوني للطيارة، والوجع كان بياكل أحشائي. الوجع ما كانش بس وجع الكدمات والكسور، ده كان وجع طلق الولادة اللي بدأ ينهش في جسمي بلا رحمة. بعد ساعات مش فاكرة منها غير المشرط والأضواء البيضا وصوت أجهزة القلب، فتحت عيني في أوضة ضيقة، ريحتها مطهرات وصوت جهاز التنفس الصناعي بيهمُس جنب ودني.
جنبي، كان فيه سرير صغير… وجمبه، النقيب هشام واقف وشبه متكتف، باصصلي بنظرة غموض.
“مبروك… ولد. بس وضعك الصحي حرج، وحجم الدم اللي فقدتيه كان هيقتلك.”
حطيت إيدي على بطني… الفراغ المفاجئ كان مرعب، بس الصوت القريب اللي طلع من السرير الصغير رد فيا الروح. ابني… بيتنفس.
“وفريد؟” سألته بصوت مبشح ومبحوح.
هشام شغل شاشة التليفزيون الصغيرة اللي في زاوية الأوضة على القناة الإخبارية.
المذيعة كانت بتتكلم بصوت درامي: “وفاة زوجة رجل الأعمال الشاب فريد التامي في حادث أليم أثناء رحلة في سانت كاترين… والزوج يظهر في حالة انهيار تام أثناء مراسم الجنازة…”
الكاميرا اتنقلت للمقابر.
فريد كان واقف، لابس نضارة شمس سودا، بيستند على كتف سلمى اللي كانت بتعيط بتمثيل متقن. فريد كان بيغطي وشه بمنديل، يظهر للناس إنه بيبكي… بس أنا، أنا حافظة تفاصيل وش جوزي. اللوية الخفيفة في طرف شفته، الهزة البسيطة في كتفه… فريد ما كانش بيبكي. فريد كان بيحاول يداري ابتسامة النصر.
وفجأة، الكاميرا قربت من التابوت المقفول وهو بينزل في القبر… التابوت اللي فيه أوزان عشان يوهموا الكل إن الجثة جواها، لأن حادث السقوط ما سابش منها حاجة قابلة للاسترداد حسب كلامهم.
ضحكت بصوت واطي، ضحكة مكسورة مليانة غل.
هشام قرب مني وقال بجدية شديدة: “أنا طوعتك وخاطرت بشغلي وحياتي عشان حسيت إنك مظلومة… بس إنتِ فاهمة إنتِ داخلة على إيه؟ فريد بكره الصبح هيستلم الخمسين مليون جنيه من شركة التأمين، وقبل ما الأسبوع يخلص، هيكون صفى كل حساباتك وباع الشقة والشركة.”
بصيت له بكل الهدوء اللي في الدنيا، وهزيت راسي بالنفي:
“فريد مش هيستلم قرش واحد يا هشام…”
“إزاي؟ التقرير الرسمي صدر بوفاتك!”
ابتسمت وأنا بمد إيدي المرتعشة وبشيل ابني لأول مرة بين إيديا، وبحط شفتي على راسه المتدفاية بالغطا الأبيض.
“عشان فريد لما زقني من على الجبل… كان فاكر إنه بيمحي الشاهد الوحيد على جريمته. بس هو ما يعرفش إن قبل ما نسافر بساعتين بس، أنا اكتشفت السر اللي هو بقاله سنتين بيحاول يدفنه… السر اللي لو اتعرف، الخمسين مليون جنيه دول مش بس مش هيشوفهم… دول هيكونوا السبب في إن فريد يترمي في حتة ألعن بكتير من القبر اللي هو حفرُهولي بنفسه.”
هشام بلع ريقه بذهول: “سر إيه؟”
بصيت لشاشة التليفزيون، وعلى صورة فريد وهو بيسلم على الناس في الجنازة، وقولت بصوت أبرد من ثلج سانت كاترين:
“السر اللي هيخليه يترجاني أرحمه… واللعبة، يلا يا هشام، يلا نبتديها.”
عدت تلات أيام. تلات أيام وأنا محبوسة في شقة مستخبية في أطراف القاهرة، أعد الثواني وأنا بتفرج على فريد وهو بيمارس حياته كأنه بطل في فيلم سينما. هشام جابلي أجهزة وتليفونات غير مسجلة، وقدر بفضله وبفضل علاقاته يضمنلي الأمان للوقت الحالي.
ابني كان بينام في حضني، بيتنفس بانتظام، وأنا كل ما أبص لملامحه الصغيرة، نار الانتقام جوايا كانت بتزيد مش بتقل. فريد كان فاكر إن القصة خلصت تحت صخور سانت كاترين… بس هو ما كانش عارف إن الرواية الحقيقية يادوبك ابتدت.
اليوم الرابع كان معاد المقابلة الحاسمة. فريد رايح لمقر شركة التأمين عشان يستلم الشيك الأكبر في حياته: خمسين مليون جنيه.
كان لابس بدلته السودا الفخمة، وداخل بثقة يهد بيها جبال، وسالمة ماشية جنبه كأنها السكرتيرة المخلصة اللي بتسانده في محنته. دخل مكتب مدير شركة التأمين، وقعد بثبات، وحط التقرير الطبي وشهادة الوفاة المزورة على المكتب.
“أنا مقدر حزنك يا فريد بيه…” مدير الشركة قالها وهو بيقلب في الأوراق، “لكن المعاملة جاهزة للشيك… فاضل بس إمضاء أخير منك على التقرير النهائى.”
فريد ابتسم ابتسامة مكتومة، مسك القلم الفخم بتاعه، وكان لسه هيحط التوقيع اللي فاكر إنه هيغير حياته للأبد…
وفجأة، تليفونه الشخصي رن.
نغمة مميزة… نغمة ما بتشتغلش غير لما يجيله اتصال أو رسالة من رقمي أنا شخصياً. النغمة اللي كنا عاملينها لبعض من أيام ما كنا بنحب بعض.
إيد فريد اتجمدت فوق الورقة. وشه اتخطف تماماً.
بص للشاشة بسرعة… الرقم اللي بيتصل بيه كان رقَمي.
سالمة لمحت الاسم على الشاشة ورجعت لورا وهي بتبلع ريقها برعب: “فريد… ده… ده تليفون فريدة؟! إزاي؟!”
فريد حاول يسيطر على أعصابه قدام مدير الشركة اللي كان باصص ليهم باستغراب شديد. كنسل المكالمة وهو إيده بترتعش، وضحك ضحكة صفرا باهتة: “أسف يا فندم… خطأ في الشبكة.”
رجّع القلم للورقة عشان يوقع… بس قبل ما السن يلمس الورق بأجزاء من الثانية، جتله رسالة صوتية على الواتساب من نفس الرقم.
فريد ما قدرش يمسك نفسه. رفع التليفون لودنه وهو حاسس إن قلبه هيقف من الخوف.
الصوت اللي طلع في الرسالة ما كانش صوتی… ولا كان صوت حد حي.
كان صوت خطوات على صخور مبلولة… صوت هوا شديد وبيصفر… وبعدها صوت صرختي وأنا بقع، يتبعها ضحكة فريد نفسه الجريمة اللي قالها فوق الجبل: “بعد خمسين مليون جنيه؟ لازم تكون ماتت.”
والرسالة اتختمت بصوت واطي ومبشوح… صوتي أنا وهو بيهمس في ودنه كأني واقفة وراه بالضبط:
“التوقيع ده هيوديك السجن مش البنك يا فريد… افتح الخزنة اللي في بيتك دلوقتي، وشوف أنا سيبتلك إيه مكان وثيقة التأمين الأصلية.”
القلم وقع من إيد فريد على السجادة. الشفايف اللي كانت رايحة تبتسم للفلوس اتجمدت، والدم اتسحب كلياً من وشه.
بص لمدير الشركة، وقام وقف مرة واحدة وهو بيلهث ومش قادر ياخد نفسه: “أنا… أنا لازم أمشي دلوقتي!”
طلع يجري من الشركة وسالمة وراه مش فاهمة حاجة وبيصرخ فيها عشان تسكت. وصل فيلته زي المجنون، دخل يجري على مكتبه السرّي وهو بيقلب الكراسي والتحف، فتح الخزنة الحديدية بالرقم السري وأصابعه المرتعشة بتغلط مرتين من الرعب…
ولما باب الخزنة اتفتح…
فريد صرخ صرخة رجّت البيت كله، ورجع لورا لحد ما وقع على الأرض من الصدمة والذهول.
اللي كان جوه الخزنة ما كانش وثيقة التأمين… ولا كان مجرد ورق تهديد عادي.
كانت حاجة ألعن بكتير… حاجة كشفتله إن الست اللي زقها من فوق الجبل، مش بس عايشة… دي كانت جوه أفكاره وبيته، ومسكت الخيط اللي هيشنقه وهيجرده من كل حاجة بيملكها!
جوه الخزنة… ما كانش فيه أي أوراق تأمين.
كان فيه علبة صفيح صغيرة مفتوحة، جواها سوار بلاستيك أزرق من بتوع المستشفيات، مكتوب عليه بخط اليد: “مولود فريدة عبد الجواد – ذكر – حديث الولادة”. وجنبه… فلاشة سودا، وورقة واحدة مطوية.
سلمى دخلت جري الأوضة وهي بتلهث، وشها أصفر زي الليمونة: “فريد! في إيه؟! صرخت ليه؟ ورسالة إيه اللي جاتلك من شركة التأمين؟!”
فريد رفع إيده المرتعشة، مسك السوار الأزرق، وبصلها بعيون مرعوبة كأنه شاف عفريت: “التابوت… التابوت كان فاضي يا سلمى… التابوت كان فاضي!”
سلمى رجعت خطوة لورا وهي مش فاهمة: “فاضي إزاي؟! إحنا حضرنا الجنازة! الناس شالت التابوت ودفنوه!”
“كانوا حاطين فيه أوزان يا غبية!” فريد صرخ بصوت هيستيري وهو بيضرب المكتب بإيده: “عايشة! ولدت وعايشة! والولد معاها!!”
قبل ما سلمى ترد، شاشة الكومبيوتر اللي على المكتب نورت لوحدها. صوت رنة اتصال فيديو اتفتح من غير ما حد يلمس الكيبورد.
فريد اتسمر مكانه.
على الشاشة… ظهرت أوضة إضاءتها خافتة، وكانت فيه ست قاعدة على كرسي هزاز، شايلة بين إيديها طفل صغير ملفوف في بطانية بيضا. الست رفعت راسها للكاميرا… كانت أنا.
ملامحي كانت تعبانة، وشي فيه جروح بسيطة من صخور الجبل، بس عيني كانت فيها نظرة برود تجمد الدم في العروق.
“مساء الخير يا فريد…” قولت بصوت هادي وناعم، “ومساء الخير يا سلمى… حبيت أباركلكوا على الجنازة، كانت ذوقها عالي أوي، المظلات السودا والورود كانت لايقة على القتلة.”
فريد قرب من الشاشة وهو بيترعش، صوته طلع مخنوق: “فريدة… أنتِ… أنتِ إزاي؟ السقوط ده محدش يعيش منه! الجبل كان ارتفاعه…”
كتفت ابني أكتر في حضني وابتسمت ابتسامة خفيفة: “الجبل ما قتلنيش يا فريد… لأن ربنا كان كاتب لابنك يعيش. بس أنت عارف إيه اللي هيقتلك بجد؟ الورقة اللي جنبك في الخزنة… افتحها.”
فريد مسك الورقة المطوية بإيد بتترعش، فتحها ببطء… وكانت عبارة عن كشف حساب بنكي سري في السويد باسم سلمى، فيه تحويلات بمليارات المشبوهة، والاسم اللي ماضي على التفويض… كان إمضاء فريد نفسه، بس بتاريخ قديم جداً.
وش فريد بص لسالمة بذهول ورعب: “إيه ده؟! الأوراق دي جاتلك منين؟! وسلمى… أنتِ…”
سلمى برقت عينيها بصدمة وهزت رأسها بنفي هيستيري: “والله ما أعرف حاجة يا فريد! أنا عمري ما فتحت حساب في السويد! والله ما أعرف!”




