عام

بعد ست شهور ٢ زهرة الربيع

فضلت باصة للاسم اللي على الورقة وكأني مستنية الحروف تتغير قدام عيني.
لكنها ما اتغيرتش.
كان نفس الاسم.
اسم صاحب ابني وأقرب واحد ليه.
الراجل اللي دخل بيتي من كام ساعة وهو بيعيط على خالد.
الراجل اللي حضنني وقاللي
خالد كان أخويا.
الراجل اللي سلمني الجواب بإيده.
الراجل اللي قاللي إن خالد وصاه يوصل الجواب لمراته.
والراجل اللي ابني نفسه كتب عنه
متصدقيش أي كلمة هيقولها لك صاحبي.
حسيت إن صدري ضيق ومش قادرة آخد نفسي.
رفعت عيني للضابط وقلت
إنت متأكد إن الاسم ده هو المقصود؟
قال
أيوه.
قلت
بس ده كان مع ابني في المأمورية.
رد بهدوء
عارفين.
يعني إيه عارفين؟
يعني إن وجوده مع ابنك هو السبب اللي خلانا نشك فيه من البداية.
بصيت ناحية الراجل المقبوض عليه.
كان ساكت.
لكن أول ما سمع اسم صاحبه، ابتسم.
ابتسامة صغيرة جدًا.
ابتسامة خلتني أخاف أكتر من أي كلام.
قلت للضابط
هو فين دلوقتي؟
قال
مش هنا.
يعني إيه مش هنا؟
كان لازم نتأكد من مكانه قبل ما نتحرك.
قلبي وقع.
هو عارف إنكم بتدوروا عليه؟
قال
غالبًا.
حطيت إيدي على رأسي.
يبقى هيهرب.
الضابط بصلي وقال
مش لو وصلنا له قبل ما يعرف إنك عرفتي الحقيقة.
سكت.
وبعدين سألني
الجواب معاك؟
اترددت.
افتكرت إني خبّيت الملف.
قلت
أيوه.
والملف؟
ما جاوبتش.
الضابط فهم من سكوتي.
قال
خالد كان متوقع إنك هتخافي.
قلت
أنا مش خايفة.
ابتسم بحزن.
إنتي خايفة جدًا، بس خوفك على ابنك أكبر.
الكلمة وجعتني.
نزلت دموعي.
وقلت
أنا عايزة أعرف ابني مات إزاي.
الضابط سكت شوية.
وبعدين قال
هتعرفي، بس لازم تكوني مستعدة تسمعي حاجة صعبة.
قلت
أنا دفنت ابني بإيدي.
وبصيت له.
بعد اللي شفته يوم الدفن، مفيش حاجة أصعب.
الضابط فتح الملف اللي في إيده.
طلع ورقة.
وقال
التقرير الأول قال إن ابنك مات أثناء تنفيذ المأمورية.
هزيت راسي.
أيوه.
لكن التقرير التاني…
سكت.
التقرير التاني إيه؟
قال
قال إن الإصابة اللي أدت لوفاته حصلت قبل الاشتباك الرئيسي.
اتسمرت.
يعني إيه؟
يعني إن خالد اتصاب قبل ما باقي القوة توصل للمكان.
واتصاب إزاي؟
رصاصة.
شهقت.
رصاصة من مين؟
قال
ده اللي بنحاول نعرفه.
حطيت إيدي على صدري.
بس أنا شفته.
الضابط بصلي.
شفتي إيه؟
النعش.
سكت.
والجثمان.
قال
أيوه.
يعني ابني كان موجود.
قال
الجثمان كان موجود.
الجملة خوفتني.
إنت بتتكلم ليه كده؟
سكت.
وبعدين قال
لأن فيه تفصيلة في تقرير الطب الشرعي ما اتقالتش للعيلة.
قربت منه.
إيه هي؟
قال
خالد كان لابس ساعة في إيده وقت الوفاة.
قلت
أيوه.
الساعة دي اختفت.
سكت.
اختفت؟
أيوه.
ومين كان مسؤول عن متعلقاته؟
قال
الضابط اللي استلم متعلقات القوة.
قلت
يعني إيه؟
قال
يعني حد شال الساعة من إيده قبل ما الجثمان يرجع.
حسيت إني مش فاهمة.
بس الساعة كانت مع حاجته.
قال
لا.
وسكت لحظة.
الساعة اختفت.
قعدت.
رجعت في دماغي لكل حاجة.
ساعتها.
محفظته.
سلسلته.
حاجاته.
أنا كنت فاكرة إن كل حاجة رجعت.
لكن دلوقتي…
افتكرت حاجة.
قبل ما الجثمان يوصل، صاحبه ده اتصل بيا وقاللي
يا أمي، متستنيش تشوفي حاجته كلها دلوقتي، إحنا في إجراءات.
وأنا صدقته.
بصيت للضابط.
وقلت
هو كان أول واحد كلمني.
قال
عارفين.
وكان أول واحد وصل بيتنا.
عارفين.
وكان هو اللي سلمني الجواب.
الضابط سكت.
وبعدين قال
وده أخطر جزء.
قلت
ليه؟
قال
لأن الجواب اللي سلملك إياه ما كانش المفروض يكون معاه.
اتسمرت.
يعني إيه؟
قال
الجواب ده كان موجود في متعلقات خالد الرسمية.
إزاي؟
ده السؤال.
بصيت له.
يبقى هو أخده.
قال
ممكن.
وممكن إيه؟
ممكن حد سلمهوله.
سكت.
لكن في الحالتين، هو كان آخر شخص وصل له.
الجملة نزلت عليا زي حجر.
قلت
يعني كان معاه الجواب من قبل ما يرجع من المأمورية؟
الضابط هز راسه.
أيوه.
بس هو قال إنه خالد سابه معاه قبل ما يطلع.
قال
ودي أول كذبة في روايته.
حطيت إيدي على بوقي.
بدأت الصورة تكتمل.
خالد كان عارف.
خالد كتب الجواب.
خالد كان شاكك في صاحبه.
وبعدين مات.
والصاحب رجع بالجواب.
لكن ليه؟
ليه كان مصر يوصله لمراته؟
إلا لو…
الجواب نفسه كان جزء من الخطة.
قلت
هو كان عايزني أوصل الجواب لسارة.
قال الضابط
بالضبط.
ليه؟
عشان يضمن إنك تروحي لها.
سكت.
ولما تعرفي إنها اتجوزت، هتفتحي الجواب.
حسيت إن الدم تجمد في عروقي.
يعني هو كان عايزني أفتحه.
قال
أيوه.
بس ليه؟
الضابط بصلي.
عشان الجواب كان فيه حاجة تخلينا نشك في سارة.
بصيت ناحية أم سارة.
كانت منهارة.
قلت
يعني هو كان عايز يوقعني فيها؟
الضابط قال
مش بس كده.
أمال إيه؟
قال
هو كان عايز يخليكي تفتكري إن سارة هي السبب.
سكت.
كل حاجة اتغيرت.
الغيرة اللي حسيت بيها لما عرفت إنها اتجوزت.
الغضب.
الحقد.
الشك.
كل ده كان ممكن يكون هو الهدف.
حد كان عايزني أكره سارة.
حد كان عايزني أقطع علاقتي بيها.
حد كان عايز الحقيقة تفضل مدفونة.
بصيت لسارة.
كانت بتبكي.
قربت منها.
قلت
قوليلي كل حاجة.
هزت راسها.
أنا كنت خايفة.
منه؟
هزت راسها.
من صاحبه؟
قالت
أيوه.
وخالد عرف؟
أيوه.
وكان ناوي يعمل إيه؟
بصت لي.
وقالت
كان ناوي يبلغ عنه.
سألت
بلغ عنه قبل ما يموت؟
قالت
أيوه.
قلبي انقبض.
يعني خالد كان عارف إنه في خطر.
أيوه.
وإنتي؟
بكت.
أنا اللي طلبت منه ما يقولش حاجة.
صرخت
ليه؟!
قالت
عشان كانوا مهدديني بأمي.
اتصدمت.
أمك؟
قالت
أمي كانت داخلة في الموضوع من البداية.
بصيت لأمها.
كانت قاعدة على الكرسي، ووشها شاحب.
قلت
إنتي؟
مردتش.
قلت
إنتي اللي كنتي بتبعتي المعلومات؟
قالت
أنا مكنتش عايزة.
بس بعتي.
بكت.
أيوه.
لمدة قد إيه؟
قالت
من قبل جوازهم.
سكت.
يعني خالد اتجوز بنتك وهو ما يعرفش إن أمها كانت بتسرب معلومات عنه؟
هزت راسها.
قلت
وإنتي كنتي عارفة إن بنتك كانت بتساعدك؟
قالت
سارة كانت مجبورة.
صرخت
كل واحد بيقول مجبر!
وبعدين بصيت لسارة.
طب ليه اتجوزتي واحد تاني بعد خالد بسرعة؟
انفجرت في العياط.
عشان هو طلب مني.
مين؟
سكتت.
قلت
صاحب خالد؟
هزت راسها.
حسيت إن قلبي انخلع.
هو اللي جوزك؟
قالت
هو اللي قال إن لو ما اتجوزتش، هيقتل أمي.
سكت.
بس أنا رفضت في الأول.
وبعدين؟
قالت
بعد انتهاء العدة، حصلت حاجات خلتني أوافق.
إيه؟
مدت إيدها في شنطتها.
طلعت صورة.
ناولتها لي.
بصيت للصورة.
كانت صورة لابني.
لكن مش صورة عادية.
كان خالد واقف قدام باب مخزن.
والصورة متاخدة من بعيد.
وعلى ظهرها تاريخ قبل وفاته بيوم.
سألت
مين صور دي؟
قالت
هو.
صاحب خالد؟
هزت راسها.
وكان خالد عارف.
وعمل إيه؟
قالت
واجهه.
وبعدين؟
حصل بينهم خناقة.
سألت
إنتي كنتي موجودة؟
قالت
أيوه.
إيه اللي حصل؟
قالت
خالد قاله إنه عارف كل حاجة.
قلبي بدأ يخبط.
وهو قال إيه؟
سارة بصت ناحية الباب.
وكأنها خايفة حد يسمع.
وبعدين قالت
قال لخالد جملة واحدة.
إيه؟
قالت
إنت لو فضحتني، أمك هتكون أول واحدة تدفع التمن.
جسمي كله اترعش.
أمي؟
قالت
أيوه.
هو كان بيهددني أنا؟
هزت راسها.
وكان خالد عارف.
دموعي نزلت.
ابني كان عايش وهو شايل الخوف عليا.
مش على نفسه.
عليا أنا.
وفجأة تذكرت الجملة اللي كتبها في الجواب
لو أنا مت، متثقيش في أي حد.
لكن ليه ما قالش اسمه صراحة؟
ليه تركني أدور؟
يمكن لأنه كان عارف إن الجواب ممكن يقع في إيد الشخص الغلط.
يمكن كان بيحاول يحميني.
سألت الضابط
فين صاحب ابني دلوقتي؟
قال
آخر إشارة لتليفونه كانت من ساعتين.
فين؟
قال اسم منطقة.
المكان كان قريب جدًا من بيتنا.
قريب لدرجة إن قلبي وقع.
قلت
هو راجع هنا؟
قال
مش مستبعد.
وبعدين فجأة رن موبايلي.
كلنا بصينا للشاشة.
نفس الرقم المجهول.
الضابط أشارلي إني أرد.
ضغطت.
ألو؟
صمت.
وبعدين سمعت صوته.
صوت صاحب ابني.
مساء الخير يا أمي.
اتجمدت.
قلت
إنت فين؟
ضحك بهدوء.
المهم أنا فين ولا المهم إنتي عرفتي إيه؟
الضابط أشارلي أسكت.
قلت
أنا عرفت كل حاجة.
ضحك.
لأ… إنتي لسه ما عرفتيش حاجة.
قلت
خالد كان عارف.
سكت.
وخالد كتب كل حاجة.
قال
خالد كان بيثق في الناس الغلط.
قلت
هو كان بيثق فيك.
ضحك ضحكة قصيرة.
ودي كانت أكبر غلطة عملها في حياته.
حسيت إن قلبي اتقطع.
قلت
إنت اللي قتلته؟
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
أنا ما قتلتهوش.
ارتحت لحظة.
لكن صوته كمل
أنا بس خليته يروح للمكان اللي كان لازم يروح له.
شهقت.
الضابط قرب مني.
قلت
يعني إنت سربت مكان المأمورية.
قال
هو كان لازم يموت.
دموعي نزلت.
ليه؟
قال
عشان كان قرب يعرف الحقيقة.
قلت
أي حقيقة؟
ضحك.
الحقيقة اللي خالد خبّاها عنك.
قلت
قول!
قال
إنتي لسه فاكرة إن خالد ابنك الوحيد؟
اتجمدت.
إيه؟
سكت.
وبعدين قال
افتحي آخر درج في مكتبه.
قلبي وقف.
هتلاقي هناك شهادة ميلاد.
قلت
شهادة ميلاد مين؟
قال
ابنك.
قلت
دي شهادة ميلاد خالد.
ضحك.
وقال
لأ.
وسكت لحظة.
ثم قال الجملة اللي هزت الدنيا تحت رجلي
دي شهادة ميلاد ابنك الحقيقي… خالد كان مجرد الاسم اللي إنتي ربيتيه، لكن الحقيقة إنك طول الأربعين سنة اللي فاتوا كنتي مخبية عن نفسك إنك مش أمه البيولوجية.
الخط اتقطع.
فضلت ماسكة الموبايل وأنا مش قادرة أتكلم.
الضابط بصلي.
سأل
قالك إيه؟
ما قدرتش أرد.
جريت ناحية مكتب ابني.
فتحت آخر درج.
لقيت ظرف أبيض.
عليه اسمي.
فتحته بإيد مرتعشة.
طلعت شهادة ميلاد قديمة.
بصيت للاسم.
وبعدين بصيت لتاريخ الميلاد.
وتجمدت.
لأن اسم الأم المكتوب في الشهادة…
ما كانش اسمي.
وفي أسفل الورقة كان فيه اسم امرأة تانية.
امرأة أعرفها.
امرأة ماتت من سنين.
امرأة كانت كل ما تشوف خالد في طفولته، تقف بعيد وتبكي.
أنا طول عمري كنت فاكرة إنها واحدة من معارف العيلة.
لكن في اللحظة دي فهمت ليه كانت بتبكي.
وفهمت ليه خالد كان بيقول لي طول عمره
يا أمي، أنا لو حصل لي حاجة، دوري على الست دي.
وأنا كنت فاكرة إنه بيهزر.
رفعت الشهادة وأنا بصرخ
خالد… إنت مين؟!
لكن قبل ما أكمل، لقيت ورقة صغيرة تحت الشهادة.
فتحتها.
وكان مكتوب فيها بخط ابني
لو وصلتي للورقة دي، يبقى صاحبي كذب عليكي في كل حاجة.
وتحتها
بس في حاجة واحدة قالها لك صح…
وقفت أنفاسي.
كملت القراءة.
أنا مش ابنك الحقيقي.
وتحت الجملة مباشرة
أنا أخو ابنك الحقيقي.
سقطت الورقة من إيدي.
وفي نفس اللحظة…
سمعت صوت مفتاح بيتحط في باب الشقة من جديد.
لكن المرة دي كان الصوت مصحوب بصوت راجل بيقول
أمي… افتحي.
الصوت كان صوت

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى