
الدكتور حط إيده على كتفي يحاول يهديني ووشه أصفر من القلق:
«وطي صوتك أرجوك! أنا رفضت أكتب التقرير المزور ده وقيلت لهم إن الكسور بتقول إن ده اعتداء مباشر بآلة حادة أو ضرب مبرح… ساعتها واحد منهم بص لي بصة مش مطمنة وقال لي إن الموضوع فيه أسماء كبيرة، ومفيش داعي أورّط نفسي أو المستشفى في شوشرة مالهاش لازمة.»
قبل ما ألحق أستوعب كلامه أو أطلع النار اللي كانت بتغلي في صدري، باب الأوضة اتفتح بهدوء مستفز.
دخل راجل في أواخر الأربعينات، لابس بالطو أسود عريض، عينيه زايغة بتمسح كل شبر في الأوضة قبل ما تستقر عليا.
«أستاذ حسام عبد الرحمن؟ أنا الرائد طارق… رئيس مباحث القسم.»
الدكتور انسحب بسرعة خطوتين لورا وساب الأوضة وخرج كأنه بيفر بجلده.
التفت للضابط وقلت صراحة ونبرتي مليانة غضب:
«أهلاً يا حضرة الضابط. بنتي المرمية قدامك دي اتضربت وغرقانة في دمها… مين اللي عمل فيها كده؟ وليه فيه ناس جاية تضغط على الدكاترة عشان يغيروا التقرير؟»
طارق ما اهتزش. طلع نوتة صغيرة من جيبه وقلم، وبص لملك اللي كانت عينيها بتتحرك بصعوبة وتحت جفنها المتورم دموع مش بتوقف.
«يا أستاذ حسام، إحنا فتحنا مح المحضر بالفعل وبنحقق في كل الاحتمالات. بس لازم تفهم إن التسرع مش هيفيد ملك في حاجة دلوقتي. الكاميرات اللي عند مبنى كلية العلوم كانت عطلانة من الساعة تسعة بالليل بسبب ماس كهربائي… يعني مفيش تسجيلات للواقعة.»
«عطلانة؟!» حست بالدم بيغلي في عروقي. «كل الكاميرات اتعطلت في نفس الدقيقة اللي بنتي اتضربت
فيها؟ أنت بجد بتطلب مني أصدق الكلام ده؟»
طارق بص لي بنظرة باردة وخالية من أي تعاطف:
«إحنا بنسجل الحقايق المتاحة يا فندم. وبعدين حضرتك ما سألتش نفسك بنتك كانت بتعمل إيه في مبنى الكيميا الساعة عشرة بالليل، في يوم مفيش فيه محاضرات ولا سكاشن؟»
الكلمات نزلت عليا زي المية الساقعة.
مبنى الكيميا؟ ملك كانت قايلالي الصبح إنها مخلصة سكشنها الساعة أربعة ورايحة تذاكر في المكتبة مع صحابها!
في اللحظة دي بالذات، صوابع ملك المحبوسة بين إيديا اتصلبت. حسيت بعصرة صغيرة على صوابعي… عصرة خفيفة بس متوترة جداً.
بصيت عليها بسرعة. كانت بتبص على شنطتها الجلد السمرا المرمية على الترابيزة جنب كيس الأدلة الشفاف.
الشنطة كانت مفتوحة… والسوستة الداخلية متقطعة
بطريقة تقول إن حد فتشها بغشم وبسرعة.
الضابط طارق حط القلم في جيبه وقال بجفاء:
«موبايل بنتك مش موجود مع متعلقاتها، ودي حاجة بنحقق فيها برضو. بس نصيحة يا أستاذ حسام… خليك جنب بنتك في الظروف دي، وما تدورش في سكة ممكن تتعبك
وتتعبها أكتر من كده.»
لف ظهره وخرج من الأوضة، وساب وراه ريحة سجاير وأسئلة بتخنق.
أول ما الباب اتفلق وراه، ملك أطلقت أنين مكتوم من ورا الشاش، ودموعها نزلت بغزارة.
وطيت عليها، وقربت ودني من بوقها المتورم.
«ملك… حبيبتي متتكلميش، متجهديش نفسك…»
شفايفها المطبقة بالعافية تحركت ملليمرات بسيطة، وصدرها كان بيعلى وينزل بسرعة، وطلع من حشرجة زورها
صوت مبحوح بالكاد مسموع:
«الفـ… الفلاشة… يا بابا…»
عيني راحت فوراً للشنطة المفتوحة، وبعدها لكيس الأدلة اللي جواه السويت شيرت الأزرق المدمم.
حد كان بيدور على فلاشة ميموري… حد ضرب بنتي وهشم فكها عشان ياخد حاجة هي سجلتها أو لقيتها، وما كانوش عارفين إن الجيب الداخلي المبتكر في السويت شيرت المقفول بسوستة مخفية… لسه بارز بحاجة صغيرة مستخبية جواه.
عيني ثبتت على كيس الأدلة الشفاف. كان محطوط على الكرسي الخشب جنب السرير ومقفول بلاصق بلاستيكي أصفر.
قلبي كان بيدق زي الطبول. لو الضابط طارق أو حد من أمن المستشفى دخل وشافني بلمس كيس الأدلة، مش بعيد يتلككوا وياخدوه مني فوراً بحجة التحفظ على الأدلة.
قربت من الكرسي ببطء، وعيني على الباب الزجاجي




