روايات وقصص

صدمة بنتي في المستشفي حكايات انجى الخطيب

المعتم بتاع الأوضة. مفصلات الباب كانت بتهتز مع كل حركة في الممر، وحسيت إن أي صوت غريب ممكن يفضحني.
مديت إيدي بثبات يحسدني عليه خوفي… فتحت الكيس البلاستيكي بشويش خالص، ومن غير ما أعمل أي صوت.
ريحة الدم المكتومة خرجت من الكيس أول ما اتفتح… ريحة وجعت قلبي وحسستني بمرارة في زوري. دخلت إيدي جوه السويت شيرت الأزرق، وكان القماش ناشف ومحجر من الدم المترسب عليه. صوابعي مشيت ببطء على طول السوستة المخفية في البطانة الداخلية… وفجأة، صباعي خبط في جسم معدني صغير وبارد.
سحبت الفلاشة بسرعة وحطيتها في جيب بنطلوني الداخلي، وقفت الكيس ورجعته لربطته زي ما كان بالظبط، وأخدت نفس عميق عشان أضبط ضربات قلبي اللي كانت مسموعة.
في نفس اللحظة دي، مقبض الباب اتلف بسرعة.
الباب اتفتح، ودخلت ممرضة ومعاها كيس محلول جديد، ووراها راجل طوالاني لابس زي الأمن الإداري بتاع المستشفى، عينيه كانت بتدور في الأوضة بنظرة مش مريحة أبداً.
«أستاذ حسام؟ معلش، الممرضة هتغير المحلول، وعايزين حضرتك تستنى بره في الاستراحة شوية لحد ما الدكاترة يكملوا الفحص.»
الراجل بتاع الأمن وقف عند الباب، إيده ورا ظهره، ونظراته نازلة على كيس الأدلة الشفاف اللي على الكرسي. عرفت إنهم بعتوه يراقب الأوضة، أو يضمن إن الكيس محدش يقرب له لحد ما يختفي بطريقة ما.
«أنا مش هسيب بنتي.»
قلتها بنبرة حديدية وأنا برجع أقف جنب سرير ملك، وبمسك

إيدها بتحدي.
فرد الأمن قرب خطوة، وصوته بقى أتقل:
«دي تعليمات إدارة المستشفى يا فندم… فيه إجراءات ولازم تتنفذ عشان سلامة المريضة.»
«تعليمات الإدارة ولا تعليمات اللي بعتوك؟»
الكلمة خرجت مني زي الطلقة. الراجل اتصدم، وعينيه اتوسعت ثواني قبل ما يرجع يمسك نفسه ويجمد وشه. الممرضة إيدها اترعشت وهي بتركب المحلول، وبصت للأرض من غير ما تنطق حرف.
«أنا مش هتحرك من هنا، والباب ده مش هيفضل مقفول

وإنتوا جوه لوحدكم… ومفيش قشة هتطلع من الأوضة دي إلا بعلم النيابة.»
فرد الأمن حط إيده في جيبه، وبص لي بجمود وقال بصوت واطي يخوف:
«حضرتك بتصعّب الموضوع على نفسك وعلى بنتك يا أستاذ حسام… الموقف أكبر منك بكتير.»
أول ما قال الجملة دي، حسيت بالفلاشة في جيبي بتدفي جفاف جسمي كأنها جمرة نار… عرفت إن الدليل بقى في إيدي خلاص، وإن اللعبة اتغيرت.
ملك غمضت عينها بتعب، وحسيت بصوابعها بتبعد عن إيدي بتدريج كأنها بتقولي اتحرك يا بابا… خايفة عليك.
كان لازم أطلع من الأوضة دي، بس مش عشان

أستسلم… عشان ألاقي كمبيوتر ومكان مستور، وأشوف بنفسي إيه السر اللي يسوى إنهم يكسروا فك بنتي بدم بارد عشان يداروه.

بصيت لراجل الأمن بجمود، وربعت إيدي فوق صدري وأنا بحاول أظهر أهدى من النار اللي بتاكل فيا من جوه.
«ماشي… هطلع أستنى بره خمس دقائق لحد ما تخلصوا المحلول، بس لو حد لمس حاجة من حاجتها، حسابكم معايا هيبدأ من اللحظة دي.»
خرجت من الأوضة وأنا حاسس بظهره ورايا عينيه ماشية معايا. الممر كان فاضي تقريبًا، إلا من كم نيرس ماشيين بلهفة وصوت المطر اللي بيخبط في زجاج شبابيك

المستشفى بره بصوت مرعب.
مأخدتش السكة بتاعة الاستراحة. كملت طريقي ب خطوات سريعة ومحسوبة ناحية الباب الخلفي بتاع الطوارئ اللي بيودي على باركينج العربيات. الفلاشة في جيبي كانت زي الجمرة، كل خطوة بمشيها بحس بثقلها

وخطورتها.
أول ما فتحت الباب المعدني الكبير، هجم عليا هواء ساقع محمل بريحة المطر والمية المتجمعة على الأسفلت. مشيت بلهفة بين العربيات الركنة لحد ما وصلت لعربيتي. فتحت الباب بالمفتاح وبسرعة دخلت وقفلته عليا، وسحبت نفس طويل وأنا حاسس بقلبي هيقفز من صدري.
طلعت اللاب توب بتاعي من الشنطة اللي كانت على الكرسي اللي جنب السواق. إيدي كانت بترتعش وأنا بفتحه وبشغل الشاشة. الضوء الأبيض طلع في ظلام العربية، ورجلي كانت بتترعش من كثر التوتر.
حطيت الفلاشة في مدخل الـ USB.

سمعت صوت النغمة الشهيرة اللي بتعلن إن الجهاز قرا الفلاشة. ظهر فولدر واحد ملوش اسم، مجرد تاريخ ووقت: «14_11_2026_21:45».
ضغطت مرتين بالماوس، والملف اتفتح.
كان فيديو مدته تقريبًا ثلاث دقائق. شاشة اللاب توب كانت

بتعرض تصوير متأرجح ومكتوم من موبايل، باين إنه كان متاخد بذكاء ومستخبي في جيب مقفول نص قفلة، مع توجيه الكاميرا ناحية باب مفتوح في معمل الكيمياء.
الصوت كان واضح رغم وش المطر بره…
كان فيه صوت اتنين بتتكلموا بنبرة حادة وطيّئة.
«إنت متأكد إن العينات دي محدش هيعرف طريقها؟ التقرير لو اتسلم للعميد بكره الصبح، كلنا هنروح في داهية!»

الصوت التاني كان ناعم، بس مليان ثقة وقذارة:
«ما تقلقش يا دكتور… كل حاجة متظبطة. العينات اتغيرت، والورق اتقطع. ومفيش مخلوق يقدر يثبت إن الشحنة دي كانت بتتصنع جوه المعامل دي.»
وفجأة… الصوت اتقطع لما سمعوا حركة بره. الكاميرا اهتزت بشدة، وكان باين إن ملك كانت بتحاول تتراجع لورا في

الممر الضيق، بس شنطتها خبطت في ترابيزة صاج.
الصوت الناعم اتغير في ثانية لبحّة غاضبة:
«مين هناك؟!»
اللي جه بعد كده كان كابوس…
صوت خطوات سريعة بتجري، صرخة ملك المكتومة وهي بتقول: «سيبوني! مالكوش دعوة بيا!»، وبعدها شاشة الموبايل وقعت على الأرض وشها للسقف.

ظهر في الكاميرا وش راجل في التلاتينات، وشه وسيم بس عيونه مشوهة بالشر، ومعاه اتنين من الأمن الإداري بتاع الجامعة… نفس الزي اللي شفته على الراجل اللي كان في أوضة ملك من شوية!
الراجل أبو وش وسيم هو اللي مسك فك ملك بإيده بغشم وهز راسها:
«إنتِ شفتِ إيه يا ملك؟ بتصوري مين يا شاطرة؟»
ملك حاولت تفلت وصرخت: «بابا مش هيسيبكم!»
في اللحظة دي، الراجل رفع رجله وداس بكعب جزمته بقوة مرعبة على وشها وهي مرمية على الأرض… صوت الكسر كان مسموع في الفيديو لدرجة خليتني أصرخ في العربية وأغطي وشي بإيدي وأنا بدمع بغزارة.
الدموع كانت بتغطي عينيا، والغل بيحرق عروقي… الراجل ده كان «أحمد زاهر»، معيد في كلية العلوم وابن نائب رئيس الجامعة!

وقبل ما ألحق أستوعب اللي شفته، سمعت خبطة حادة ومباغتة على زجاج العربية من بره.
اتلفت برعب…
كان الرائد طارق واقف بره العربية، لابس بالطو المطر، وبيدق بالدبلة اللي في إيده على الزجاج وعينيه بتلمع تحت ضوء كشافات الباركينج!

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى