
قبل ما أطلع على الكوشة، حفيدي نوح، اللي عنده 3 سنين، مسك إيدي وهمس في ودني: “يا جدو… هي دي اللي أذت ماما وإنت مش موجود.” وبعدين شاور بصباعه الصغير على رانيا، الست اللي كنت هكتب كتابي عليها كمان دقايق. حاولت أتماسك وأهْدّي أعصابي، وقلت لنفسي يمكن الطفل فهم حاجة غلط، يمكن سمع كلمة من حد وركّب عليها حكاية من دماغه.
لكن نظرة عينيه مكنتش نظرة طفل بيهزر.
وطيت قدامه على ركبتي.
ـ في إيه يا بطل؟
نوح بص ناحية باب القاعة، وبعدين شاور على رانيا.
كانت واقفة وسط صاحباتها، لابسة فستانها الأبيض، ووشها هادي جدًا، والمصورة بتظبط لها الطرحة.
من بعيد، مفيش أي حاجة تخلي حد يشك فيها.
أنا بقالي سنتين عارف رانيا.
اتعرفنا بعد وفاة مراتي بخمس سنين، ولما قربنا من بعض، كنت مقتنع إني أخيرًا لقيت إنسانة تقدر تساعدني أبدأ حياتي من جديد.
أما بنتي أميرة، فكانت رافضة الجواز من البداية.
وكنت فاكر إن رفضها سببه إنها متعلقة بأمها، ومش قادرة تتقبل إني أتجوز بعد وفاتها.
رانيا نفسها كانت دايمًا بتقول لي:
“سيبها على راحتها… هي محتاجة وقت.”
وأنا صدقتها.
لحد اللحظة دي.
مسكت إيد نوح وقلت له:
ـ مين اللي أذى ماما؟
رفع إيده وشاور على رانيا تاني.
ـ هي.
اتنفست ببطء.
ـ عملت إيه؟
نوح بص حوالين نفسه كأنه خايف حد يسمعه، وبعدها مد إيده جوه جيب بدلته الصغيرة.
فضل يدور جواه ثواني.
وبعدين طلع فلاشة سوداء صغيرة.
بصيت لها باستغراب.
ـ دي جبتها منين؟
قرب مني أكتر وقال:
ـ ماما قالتلي أخبيها هنا.
قلبي اتقبض.
ـ ماما قالتلك؟
هز راسه.
ـ وقالتلي لو جدو سألني… أديهاله.
مد إيده وحط الفلاشة في كفي.
وقبل ما أسأله أي سؤال تاني، حصلت حاجة خلت القاعة كلها تسكت.
نوح لف جسمه ناحية رانيا، ورفع صوته لأول مرة وقال:
ـ متزعقيش لماما تاني!
الناس كلها بصت علينا.
رانيا اتجمدت مكانها.
وشها اتغير في لحظة.
وبصراحة…
دي كانت أول مرة أشوف الخوف في عينيها.
قربت مني أختي وقالت:
ـ في إيه يا أخويا؟ الولد بيقول إيه؟
مقدرتش أرد.
كنت ماسك الفلاشة في إيدي، وببص لرانيا.
هي كمان كانت باصة للفلاشة.
وساعتها فهمت إن الموضوع مش خيال طفل.
رانيا كانت عارفة الفلاشة دي.
وده كان أخطر شيء ممكن يحصل.
رفعت عيني لها وقلت:
ـ إنتِ تعرفي دي؟
رانيا حاولت تبتسم.
ـ أعرف إيه؟
رفعت الفلاشة قدامها.
وشها شحب.
ـ دي بتاعة مين؟
قالتها وهي بتحاول تثبت صوتها.
ـ أنا اللي بسألك.
سكتت.
واحدة من صاحباتها قربت منها وقالت:
ـ رانيا، إنتِ كويسة؟
رانيا مسكت إيدها وقالت بسرعة:
ـ أنا كويسة.
لكنها مكانتش كويسة.
وأنا كنت حاسس إن الأرض نفسها بتتحرك من تحتي.
قبل الفرح بساعات، بنتي كانت بتكلمني وتقول عندها صداع وممكن تتأخر.
دلوقتي حفيدي بيقول إن رانيا أذتها.
وفلاشة كانت مخبّية عند طفل عنده 3 سنين.
قلت بصوت واضح:
ـ محدش يدخل القاعة.
الكل سكت.
ـ ومحدش يطلع بره.
رانيا قربت مني.
ـ إنت بتعمل إيه يا حاتم؟
دي كانت أول مرة تناديني باسمي بدل “يا حبيبي”.
بصيت لها وقلت:
ـ أنا مش هكتب كتابي النهارده.
سادت القاعة حالة من الصمت.
واحدة من قرايبها قالت:
ـ ليه يا حاتم؟ حصل إيه؟
رديت:
ـ لسه مش عارف.
وبصيت لرانيا.
ـ بس هعرف.
رانيا بدأت تتوتر.
ـ إنت مصدق كلام طفل عنده 3 سنين؟
قلت:
ـ لا.
وسكت شوية.
ـ أنا مصدق الخوف اللي شفته في عينيكي لما شوفتي الفلاشة.
وشها اتغير.
في اللحظة دي، موبايلي رن.
كانت أميرة.
بصيت على الشاشة.
اسم بنتي.
رديت فورًا.
ـ أميرة؟
لكن مفيش رد.
سمعت صوت نفسها وهي بتتنفس بصعوبة.
ـ بابا…
ـ إنتِ فين؟
ـ متروحش معاها.
جسمي كله اتشد.
ـ معاها مين؟
سكتت.
وبعدين قالت:
ـ رانيا.
بصيت لها من بعيد.
رانيا كانت واقفة مكاني، ومش عارفة تسمع المكالمة.
ـ أميرة، حصل إيه؟
قالت بصوت متقطع:
ـ أنا كنت خايفة أقولك.
ـ من إمتى؟
ـ من شهور.
ـ ليه؟
سكتت شوية.
وبعدين قالت:
ـ عشان كل مرة كنت بحاول أقولك، كانت بتسبقني.
ـ تعمل إيه؟
ـ كانت بتخليك تشوفني أنا الغلطانة.
حسيت بغصة في حلقي.
ـ أميرة، إنتِ فين دلوقتي؟
قالت:
ـ في البيت.
ـ طب تعالي فورًا.
ردت بسرعة:
ـ لأ.
ـ ليه؟
ـ لأن لو رانيا عرفت إني راجعة، هتتصرف.
بصيت لرانيا.
كانت واقفة بعيد، لكنها بتراقبني.
ـ إنتِ عايزة تقوليلي إيه؟
قالت:
ـ افتح الفلاشة.
ـ فيها إيه؟
ـ كل حاجة.
وسكتت.
ـ بابا… افتحها قدام حد تثق فيه.
وبعدين قفلت.
فضلت ماسك الموبايل في إيدي.
والناس حواليّا ساكتين.
نوح قرب مني وشد طرف بدلتي.
ـ جدو…
وطيت له.
ـ نعم يا بطل؟
قال:
ـ ماما قالتلي متخليش طنط رانيا تمشي.
رفعت عيني.
رانيا كانت بالفعل بتتحرك ناحية باب القاعة.
قلت بصوت عالي:
ـ رانيا.
وقفت.
ـ رايحة فين؟
ردت:
ـ محتاجة أتنفس.
قلت:
ـ اتفضلي اقعدي.
ـ حاتم، أنا مش هقبل الأسلوب ده.
ـ وأنا مش هقبل إني أكتب كتابي وأنا مش فاهم بنتي بتقول إيه.
رانيا بصت للناس.
ـ بنتك من البداية مش بتحبني.
ـ ممكن.
ـ وكانت بتحاول تبوظ الجوازة.
ـ ممكن.
ـ ودي حكاية طفل صغير.
ـ وممكن يكون الطفل شاف حاجة إحنا مش شايفينها.
سكتت.
قربت منها خطوة.
ـ هتفضلي هنا لحد ما أعرف الحقيقة.
قالت بانفعال:
ـ وإنت فاكر نفسك بتحتجزني؟
رديت بهدوء:
ـ لأ.
وبصيت للباب.
ـ أنا بس بطلب منك تستني.
في اللحظة دي، ابن أخويا وصل.
كان مهندس كمبيوتر، وكنت بثق فيه.
ناولته الفلاشة.
ـ خد دي.




