
الدكتور في الطوارئ رفع أشعة بنتي قدام النور، وبصلي بوش متجمد وهو بيقول إن فكها اتكسر في ست أماكن، في الوقت اللي كانت فيه «ملك» ممددة على السرير على بُعد سنتيمترات مني، مش قادرة تنطق ولا حتى تقولّي مين اللي عمل فيها كده.
لكن أول ما سألته عن كاميرات المراقبة اللي حوالين الجامعة، لقيته فجأة سكت واتردد، ونظراته اتغيرت بطريقة خلت قلبي يقبض.
ساعتها فهمت إن الموضوع مش مجرد اعتداء عشوائي…
في حد عارف بالظبط إيه اللي حصل لبنتي في الليلة دي.
اسمي «حسام عبد الرحمن»، وطول عمري شفت حاجات صعبة واتعرضت لمواقف مفيش حد يتمنى يعدي بيها، لكن ولا حاجة في حياتي كلها كانت ممكن تجهزني للمكالمة اللي وصلتني الساعة 11:47 بالليل، في ليلة خميس والمطر كان نازل بغزارة.
«حضرتك الأستاذ حسام عبد الرحمن؟»
«أيوه… مين؟»
«أنا من مستشفى النيل التخصصي. بنت حضرتك، ملك عبد الرحمن، اتنقلت عندنا قسم الطوارئ.»
إيدي شدت على الموبايل من غير ما أحس.
«حصل لها إيه؟»
الست اللي على التليفون سكتت ثواني.
«يا فندم، لازم تيجي المستشفى فورًا.»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
«أنا بسألك حصل لبنتي إيه؟!»
سكتت تاني، وبعدها قالت بصوت واطي:
«بنت حضرتك اتعرضت لاعتداء.»
ما افتكرتش بعدها أنا سقت إزاي.
المطر كان شديد لدرجة إن المساحات بالكاد كانت بتخليني أشوف الطريق، وكل إشارة حمرا كنت بحس إنها بتضيع مني وقت ممكن ينقذ بنتي.
وطول الطريق، جملة واحدة كانت بتطلع من بوقي من غير ما أحس:
«يا رب… مش بنتي.»
لما وصلت المستشفى ودخلت الأوضة رقم 214، وقفت مكاني للحظات.
أنا تقريبًا ما عرفتش بنتي.
ملك عندها تسعتاشر سنة، طالبة في كلية العلوم، وفي السنة التانية، وكانت هي الحاجة الوحيدة اللي بتخليني أصحى كل يوم وأنا عندي سبب أكمل عشانه.
لكن البنت اللي قدامي دلوقتي كانت مختلفة تمامًا.
نص وشها كان متغطي بالشاش، عينها اليمين متورمة ومقفولة، وإبرة المحلول داخلة في دراعها.
قربت منها وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني.
«ملك…»
صوابعها اتحركت حركة بسيطة.
مسكت إيدها بسرعة.
«حبيبتي… بابا هنا.»
دمعة نزلت بهدوء على خدها المتورم.
الدمعة دي كانت كفاية تشعل جوايا غضب عمري ما حسيت بيه قبل كده.
كنت عايز أعرف مين اللي عمل فيها كده.
ومش بس عايز أعرف…
كنت مستعد أعمل أي حاجة عشان أعرف الحقيقة.
في اللحظة دي، دخل الدكتور ومعاه مجموعة أشعات.
بصيت له وسألته:
«حالها إيه يا دكتور؟»
رفع الأشعات قدام النور، وفضل ساكت كام ثانية وهو بيبص عليها.
وشه كان جاد بشكل خوّفني.
«فيه ست كسور منفصلة.»
بصيت له بعدم تصديق.
«ستة؟»
هز راسه.
«أيوه… فيه كسر قريب من مفصل الفك، وكذا كسر في الجزء السفلي منه.»
فضلت باصص له وأنا مش مستوعب.
«يعني اللي عمل فيها كده ضربها بالقوة دي؟»
الدكتور شد شفايفه وقال:
«الاعتداء كان عنيف جدًا.»
حاولت أتحكم في صوتي.
«بنتي هتخف؟»
«إن شاء الله، بس محتاجة أكتر من تدخل جراحي، وهتحتاج فترة علاج ومتابعة.»
بلعت ريقي بصعوبة وسألته:
«مين اللي عمل فيها كده؟»
الدكتور سكت.
«لسه مش عارفين.»
«يعني إيه مش عارفين؟!»
صوتي بدأ يعلى.
«بنتي كانت في الجامعة! أكيد فيه كاميرات مراقبة! أكيد فيه ناس شافتها!»
الدكتور بص ناحية الباب قبل ما يرجع يبصلي.
«أمن الجامعة بدأ يراجع تسجيلات الكاميرات.»
الجملة كانت عادية…
لكن طريقته وهو قالها ما كانتش عادية خالص.
صوته وطي.
اتردد.
وبقى بيختار كل كلمة قبل ما ينطقها.
بصيت لملك، وبعدين عيني راحت على كيس الأدلة الشفاف الموجود جنب السرير.
جواه كان السويت شيرت الأزرق المفضل بتاعها.
البلوفر اللي كنت جايبهولها هدية في عيد ميلادها.
كان متقطع…
وعليه بقع دم.
حسيت إني مش قادر آخد نفسي.
ضغطت على إيد ملك، وبعدين رفعت عيني للدكتور.
«إيه اللي مش بتقولهولي يا دكتور؟»
الدكتور ما ردش.
فضل ساكت.
وساعتها بالذات، عرفت إن اللي حصل لبنتي أخطر بكتير من مجرد اعتداء حصل في طريق الجامعة.
لأن تردده معناه إن فيه حاجة محدش عايزني أعرفها…
وحاجة واحدة كانت بتدور في دماغي:
مين كان موجود مع بنتي ليلة الحادث؟
وليه حد حاول يمسح الحقيقة؟
والأخطر من كل ده…
ليه الدكتور نفسه خايف يتكلم؟
الدكتور سحب نفس طويل، وبص ناحية باب الأوضة تاني كأنه بيتأكد إن محدش واقف بره، وقرب مني خطوات بسيطة وهو بينزل إيده بالأشعة. النبرة في صوته بقت هامسة لدرجة إنها كانت بتضيع وسط صوت أجهزة القياس المنتظم جنب ملك.
«أستاذ حسام… أنا راجل طبيب، شغلي هنا ينتهي عند علاج بنتك ومحاولة إنقاذ فكها. بس قبل ما حضرتك توصل بنص ساعة، جه هنا مدير أمن الجامعة بنفسه، ومعاه اتنين ببدل كاملة… طلبوا مني أكتب تقرير أولي بيقول إن الإصابات دي نتيجة حادثة عربية وهروب السواق.»
جسمي اتصلب في مكانه.
«حادثة عربية؟! كسر الفك في ست أماكن والتشويه ده يبقى حادثة عربية؟!»




