
نزل العسكري فتح الباب…
ونزلت رجلي ببدلة الطيران الرسمية، النسر الذهبي يلمع على الصدر، ورتبة النسر والجمجمتين بتبرق فوق الكتف: عقيد أركان حرب مريم الشاذلي.
في اللحظة دي، كريم البدري وشه اتخطفت منه الألوان تمامًا. النظرة المتعالية اللي كانت في عينه اتمحت وبقت صدمة شلت حركة لسانه وجسمه. ركبه اترعشت وهو شايف نفس الست اللي مسكها من شعرها، وهانها وزقها، ماشية بكل ثبات وهيبة، والضباط الكبار بيأدوا ليها تعظيم سلام هز أركان القاعدة.
مشيت بخطوات وثيقة بين الصفوف، الصمت كان قاتل ومفيش صوت طالع غير خبط بيادق الحراس. وقفت قدام كريم البدري مباشرة.. المسافة بيني وبينه ما تتعداش شبرين. كان بيعرق عرق بارد نازل على جبهته، وعينه مش قادرة تثبت في عيني.
رفعت إيدي، عدلت ياقة بدلتي العسكرية بكل calma، وبصيت في عينيه وقلت بصوت نزل زي الصاعقة يسمعه كل الموجودين:
“الرقيب أول كريم البدري…”
لسانه اتعقد، وبصعوبة بالغة، وبإيد بترتعش من الرعب، رفع إيده لجبينه عشان يؤدي التحية العسكرية.
كملت ونبرة صوتي حادة زي السيف:
“الفرامل اتركبت صح يا كريم؟ ولا لسه فاكر إن الطيارة دي بتاعتك أنت؟”
كريم شفايفه اتجمدت وما قدرش ينطق حرف واحد. شاورت بإيدي لرجال الشرطة العسكرية اللي كانوا ماشيين ورايا، وطلبت تشغيل الشاشة الرئيسية للمدرج.
في ثواني، اتعرضت مقاطع الفيديو والصور المتسبتة من الكاميرا، ومعاها تسجيلات الصوت الكاملة لخيانة حسام مراد وكريم البدري، والتلاعب بسلامة الطيارات وتقارير الفحص الوهمية.
بصيت للمقدم حسام مراد والرقيب كريم، وقلت بصوت قاطع:
“الشرطة العسكرية.. تجريد المتهمين من رتبهم فورًا، واقتادهم للنيابة العسكرية بتهمة الخيانة العظمى، والتعريض العمد لأرواح طياري القوات الجوية للخطر.”
في لحظات، اتقفلت نفس الكلبشات الباردة في إيدين كريم البدري والمقدم حسام، ونفس الضباط اللي سحبوني من يومين، هم اللي سحبوهم للورا وهم متجردين من كل هيبة، وسط ذهول وصمت القاعدة كلها.
لفيت وشي لباقي الطابور، وبصيت في عيون الضباط والجنود وقالت بصوت هز المدرج:
“القاعدة دي مبنية بعرق ودماء شهدائنا.. ومن النهاردة، مفيش غلطة بتفوت، ومفيش خاين بيستخبى تحت رتبة ولا سلطة. الانضباط هو روح الطيران، وأرواح رجالنا خط أحمر.”
في أقل من ثانية، ضرب مئات الضباط والجنود الأرض ببيادتهم ضربة واحدة زلزلت الأرض، وارتفع صوتهم في الميدان يشق السماء:
“تمام يا فندم!”
نزلت إيدي من التحية العسكرية، وبصيت للجموع المترصوفة قدامي قبل ما ألتفت ببطء وأتجه ناحية مبنى القيادة بخطوات ثقيلة ومحسوبة. الضباط كانوا بيوسعوا لي الطريق بنظرات تجمع بين الذهول والهيبة، لكن مخي ما كانش مشغول بالنصر الخاطف اللي حققته في الميدان، مخي كان شغال في الخطوة الجاية.
دخيلتي لمكتب قائد القاعدة كانت هادية.. المكتب كان كبير، وراه شباك زجاج عريض كاشف مدرج الطيران بالكامل، وعلى المكتب كانت فيه ملفات مترصوصة بعناية مغشوشة، ملفات كاتبها حسام مراد بعناية عشان تغطي على الكوارث اللي بتحصل في الهانجر.
قبل ما أقعد على الكرسي الجلد، شاورت للضابط اللي واقف عند الباب:
“استدعي لي الرقيب أول عبد الرحمن فهمي فورًا.. وبلّغ برج المراقبة يوقف أي إقلاع للطيارات لحد ما نراجع كشوف الصيانة بنفسنا.”
بعد أقل من دقيقتين، خبط الباب ودخل عبد الرحمن. المرة دي مش جايب شاي، دخل وشه مشدود وعينيه مليانة احترام حقيقي. وقف انتباه وضرب تعظيم سلام هز أركان المكتب.
“تمام يا فندم! الرقيب أول عبد الرحمن فهمي تحت أمر سيادتك.”
شاورت له يقرب، وقلت بنبرة هادية لكن حازمة:
“ارتاح يا عبد الرحمن.. من اللحظة دي أنت المسؤول عن إدارة الجودة والصيانة في الهانجر بشكل مؤقت لحد ما نعيد ترتيب الهيكل كله. عايزك تمسكلي ملف ملف.. كل مسمار اتغير، كل سلك اتركب، وكل توقيع اتختم في السنة الأخيرة.”
عبد الرحمن بصلي بجدية وقال:
“جاهز يا فندم.. بس فيه حاجة لازم سيادتك تعرفيها فورًا. الحاجة اللي كريم وموراد كانوا بيتستروا عليها مش مجرد إهمال في التركيب.”
ضيقت عيني وبصيت له:
“امال إيه؟”
قرب خطوة ونبرة صوته توطت:
“قطع غيار مغشوشة يا فندم.. شحنة كاملة من طقم فرامل وحساسات ضغط هيدروليكي جتلنا الشهر اللي فات بعقود رسمية، لكن فحصها الفني أثبت إنها مش مطابقة للمواصفات. حسام مراد مررها ومضى عليها مقابل عمولات، وكريم كان بيمشيها في الطيارات اللي طالعة تدريب عادي عشان محدش يلاحظ.. ولو طيارة وقعت، كان التقرير بيتكتب: خطأ بشري من الطيار.”
دمي غلي في عروقي. الكلام كان أصعب من مجرد استهتار، دي كانت جريمة كاملة مع سبق الإصرار والترصد.
وقبل ما أرد عليه، دوى صوت سرينة الطوارئ جوه مبنى القيادة، واللاسلكي المباشر على مكتبي اتفتح بصوت متوتر من برج المراقبة:
“يا فندم! يا سيادة العقيد! الطيارة ميج-29 رقم 408 طلعت من عشر دقائق في مهمة دورية استطلاع مقترحة من الجدول القديم.. الطيار النقيب حازم صبري، ومكتوب في تقرير الصيانة إنها جاهزة تمامًا!”
قلبي اتنفض في صدري. الطيارة دي كانت واحدة من الطيارات اللي اتراجع عليها تحت إشراف كريم البدري الصبح!
سحبت الكاب بتاعي من على المكتب، وبصيت لعبد الرحمن بسرعة وقلت:
“معايا على برج المراقبة فورًا!”
جرينا في الطرقة بين الضباط اللي كانوا مذهولين من صوت السرينة. طلعت السلم الحديدي لبرج المراقبة في ثواني، ودخلت غرفة التحكم. المكان كان في حالة طوارئ، الشاشات بتبرق بنقاط حمرا، ومسؤول الاتصالات ماسك السماعة وإيده بترتعش.
أخدت منه السماعة بعنف، وقلت بصوت حاد وثابت في المايك:
“الطيار حازم صبري.. أيا كان اللي بتعمله دلوقتي، اسمعني كويس. معاك العقيد مريم الشاذلي قائد القاعدة. الغِ المأمورية فورًا وارجع لمدرج الهبوط!”
صوت حازم جالي عبر اللاسلكي وسط تقطيع خفيف وصوت المحركات العالي:
“سيادة العقيد؟ تمام يا فندم.. ببدأ الالتفاف للرجوع للقاعدة دلوقتي.. بس فيه مشكلة!”
النبرة المتوترة في صوته خلت الغرفة كلها تسكت.
كمل حازم بصوت أسرع:
“مؤشر الهيدروليك نازل للصفر يا فندم! دواسة الفرامل مش مستجيبة، وعندي تسريب زيت سريع في المحرك الأيسر!”
بصيت للشاشة.. الطيارة كانت على ارتفاع خمسة الآف قدم وبتندفع بسرعة عالية ناحية الممر. سلك الفرامل المظبوط غلط اللي شفته الصبح كان مجرد رأس الجبل الجليدي، الحساسات والمكابس المغشوشة كانت بتضرب دلوقتي تحت الضغط الجوي!
سحبت المايك وقربته من شفايفي، وقلت بنبرة هادية جدًا لكن قاطعة، النبرة اللي اتعلمتها في أصعب لحظات الطيران لما تكون بين الحياة والموت:
“حازم.. اسمعني وركز في صوتي بس. انسى المؤشرات اللي قدامك، الحساسات بتدي قرايات غلط. هتنزل هبوط اضطراري من غير فرامل هيدروليك. عايزك تحافظ على اتزان الطيارة، واول ما تلمس الأرض، هتسحب المظلة الاحتياطية في المتر الأول.. فاهم؟”
صوت حازم كان بيرتعش:
“يا فندم.. المظلة ممكن تتنتر مع السرعة دي!”
“مش هتنتر لو هدّيت السرعة بالزاوية اللي هقولك عليها دلوقتي.. اصبر عليا، واضبط زاوية الهجوم على 12 درجة.. وأنا معاك على اللاسلكي لحد ما جزمك تلمس الأرض.”
التفت لعبد الرحمن وقلت بصوت واطي ومحسوم:
“عربيات المطافي والإسعاف على المدرج فورًا.. جهزوا شبكة الكبح في آخر الممر.. الطيارة دي مش هتقع في خدمتي.”
صوت جوه برج المراقبة كان مرعب من شدة السكون، مفيش غير صوت أنفاس الضباط وصوت محرك الميج-29 وهو بيقرب وزئيره بيملا الأفق. عبر الشباك الزجاج الكبير، شفت الطيارة نازلة كأنها سهم ناري، السرعة كانت أعلى من المعدل الطبيعي للهبوط الاضطراري لأن الهيدروليك مش شغال والمكابح الهوائية معطلة.
“حازم.. عيونك على الممر، ارفع سن الطيارة حاجة بسيطة.. مش عايزاك تلمس الأرض بعنف، ارمي جتك بثبات!”
صوتي كان طالع بثبات حديدي من غير ما ينكشف فيه أي تردد، رغم إن قلبي كان بيدق بسرعة العدادات اللي قدامي. حازم كان ابن واحد من زملايا القدامى في السلاح، ومستحيل كنت هسمح إن ولد في عمر الورد يروح بسبب طمع ورشوة كم جشع في القاعدة.
الطيارة لمست أرض الممر.
صوت احتكاك العجل بالأصلت خرج منه صرير مرعب، والدخان الأبيض طالع بكثافة من تحت الهيكل.
“دلوقتي يا حازم! اسحب المظلة.. فورًا!”
في نفس اللحظة، المظلة الاحتياطية اتفتحت ورا الطيارة وزأرت مع الهواء، السرعة بدأت تقل ببطء، لكن الوزن والاندفاع كانوا لسه شداد جداً. الفرامل الشمال اتنطرت منها شرار وشغل الحساس المغشوش خلى العجلة تقفل تماماً وتنفرك، فالطيارة بدأت تنحرف بعنف ناحية طرف الممر.
“ثبت الدواسة اليمين يا حازم! ارفع إيدك عن الفرامل الشمال خالص! اتقيد بالسنتر!”
الطيارة كانت بتقرب بسرعة مرعبة من شبكة الكبح الاضطرارية في آخر المدرج. عربيات المطافي والإسعاف كانت بتجري جنبها وفلاشراتها الحمرة والزرقة بتنور الدخان.
صوت صرير الحديد المخيف ملأ المكان لما خطاف الطيارة شبك في كابل الأمان الأخير. الطيارة اتهزت بعنف، والمظلة اتقطعت، لكن السرعة نزلت للصفر قبل نهاية الممر بتمانين متر بس.
المكان كله جوه البرج انفجر بنهدة راحة طويلة، والضباط اللي حواليا بصوا لبعض بذهول قبل ما يلتفتوا لي ويبصوا لي بهيبة غير طبيعية.
أنزلت المايك بهدوء، وبصيت لعبد الرحمن فهمي اللي كان واقف عرقان وضارب تعظيم سلام.
“انزل طمن على الطيار يا عبد الرحمن.. وجمعلي لجنة التفتيش الفني فورًا في المخازن المركزية.”
بعد نص ساعة، كنت واقفة جوه مخزن قطع الغيار المغلقة. الريحة كانت ميكس بين الزيت المخزون ورطوبة الكراتين. عبد الرحمن كان معاه الفنيين بيفتحوا الصناديق الخشب المترصة، ومع كل صندوق بيتفتح، كانت الحقيقة القذرة بتتضح أكتر.
حسام مراد وكريم البدري ما كانوش شغالين لوحدهم. كان فيه شبكة كاملة بتورد قطع غيار مقلدة ومغشوشة على إنها أصلية، وبياخدوا الفروق المادية في حسابات خارجية.
لما دخلت الشرطة العسكرية بـ “حسام” و”كريم” متكلبشين عشان يقفوا قدامي في المخزن، كريم كان طالع من وشه كل علامات الاستكبار. وشه كان أصفر وزي الميت، وعينه مش قادرة تتلاقى مع عيني.
قربت منه خطوة، وبصيت للكلبشات اللي في إيده، نفس الكلبشات اللي أمر يحطها في إيدي من يومين بس.
“كنت فاكر لما تلبسني الكلبش وتطلعني بره الهانجر، إنك قفلت القضية يا كريم؟”
كريم بلع ريقه بصعوبة وقال بصوت متقطع خايف:
“يا فندم.. والله أنا كنت بنفذ أوامر المقدم حسام.. هو اللي كان بيجبرني أوقع على محاضر الاستلام الفني…”
حسام مراد صرخ فيه بغضب:
“اخرس يا كذاب! أنت اللي كنت بتاخد نسبة عن كل شحنة بتعدي!”
بصيت لهم هما الاثنين بقرف، وقلت بنبرة نزلت عليهم زي المقصلة:
“سكوتكم ولا كلامكم مش هيغير حاجة.. التسجيلات والمستندات اللي وثقتها في أول يوم دخلت فيه القاعدة متخفية، كافية إنها توديكم المحاكمة العسكرية بتهمة الخيانة العظمى والإضرار بالقوات المسلحة. العقوبة مش هتبقى مجرد سجن، دي حياتكم العسكرية والمدنية انتهت للابد.”
شاورت للشرطة العسكرية:
“سقوهم على سجن النيابة فورًا.”
انسحبوا ورا بعض وهما بيتجروا على الأرض، والصمت رجع يخيم على المخزن.
التفت لعبد الرحمن والضباط الشباب اللي كانوا واقفين منتظرين أوامري.
“يا عبد الرحمن.. من بكرة الصبح، القاعدة دي هتتعاد هيكلتها بالكامل. كل طيارة هتنزل الأرض مش هتطلع الجو تاني إلا لما تتراجع مسمار مسمار تحت إشرافك الشخصي. عايز كل راجل في القاعدة دي يفهم إن الانضباط هنا مش شعار، الانضباط هو اللي بيحمي روح أخوك اللي طاير في الجو.”
عبد الرحمن ضرب الأرض ببيادته بثبات، ونظرة الفخر في عينيه كانت بترد لي اعتباري كقائد:
“تمام يا سيادة العقيد! القاعدة دي هتكون القدوة لكل القواعد من النهاردة!”
طلعت بره المخزن، وشفت الشمس وهي بتتسامى فوق المدرج. الهانجر اللي كان ريحته عرق وخوف وإهمال من يومين، بقى دلوقتي ريحته كرامة وانضباط. التفت ببطء، وعدلت الكاب العسكري بتاعي، وأنا عارفة إن المرحلة الجاية مش سهلة، لكن مفيش حاجة تقف قدام حق البلد وأرواح رجالته.
وقفت على أول الممر، والرياح السخنة جاية من ناحية المدرج شايلة معاها ريحة الجاز والمطاط المشتعل، ريحة الحرب والمسؤولية اللي بعشقها. بصيت على الطيارة الميج-29 وهي بتتجر ببطء ناحية صيانة الطوارئ، وجنبها واقف النقيب حازم صبري، إيده بتترعش وهو بيقلع خوذة الطيران، وبيمسح العرق اللي أغرق وشه.
أول ما شافني ماشي ناحيته، عدل بدلته بسرعة وقرب مني بخطوات سريعة، وضرب الأرض ببيادته ورفع إيده بتحية عسكرية كان طالع منها صوت ضربة صدره من كتر الخوف والامتنان.
“سيادة العقيد.. أنا مش عارف أقول لسيادتك إيه.. لولا توجيهاتك على اللاسلكي ورؤيتك الصح، كنت زماني دلوقتي حتة فحم جوه الطيارة.”
بصيت في عينيه بثبات، وحطيت إيدي على كتفه بنبرة أم وقائد في نفس الوقت:
“الطيار الصح هو اللي بيسمع الكلام في ثانية الخطر يا حازم. أنت نفذت الأوامر بحرفية، وحميت طيارتك ونفسك. لكن افتكر دايماً.. القائد المش صاحي بيقتل رجاله وهو قاعد على كرسيه. اللي حصل النهاردة مش هيتكرر تاني في القاعدة دي طول ما أنا عايشة.”
حازم هز رأسه بجدية، وعينيه لمعت بنخوة الضباط اللي كانوا محتاجين قيادة حقيقية تحسسهم بإن أرواحهم ليها قيمة.
سيبته ورجعت على مبنى القيادة، ودخلت غرفة العمليات الرئيسية. كان عبد الرحمن فهمي مستنيني وهناك أربعة من كبار المهندسين والضباط الفنيين واقفين ومستعدين، الوجوه كانت مشدودة والنظرات فيها توجس، خايفين من التغيير الشامل اللي نازل على القاعدة زي الصاعقة.
قعدت على رأس الطاولة العريضة، وشاورت لهم يقعدوا.
“مش عايزاكم تبصوا لي على إني عقيد جديد جاي يدور على أخطاء القدام.. أنا جاية هنا أرجع القاعدة دي لمكانتها. القاعدة دي هي خط الدفاع الأول عن سمانا، وأي تهاون في مسمار واحد معناها خيانة للمهمة كلها.”
عبد الرحمن طلع ملف أسود ثقيل وحطه قدامي على الطاولة:
“يا فندم.. دي كشوفات الأسماء والتوقيعات الخاصة بالثلاث شهور اللي فاتوا. قدرنا نحدد ست فنيين كانوا متورطين مع كريم البدري في تزوير دفاتر الصيانة مقابل مبالغ مالية.”
بصيت في الكشوفات بتركيز، ورسمت خط أحمر تحت كل اسم:
“الستة دول يتحولوا للتحقيق الفوري وينزلوا من الخدمة الفنية من اللحظة دي. ومن بكرة الصبح، نظام التفتيش المزدوج يطبق.. مفيش طيارة تترخص للإقلاع غير لما عبد الرحمن شخصياً يوقع على سلامتها، وتوقيع ثاني من طيار المهمة نفسه بعد الفحص الميداني.”
واحد من الضباط الفنيين الكبار قرب وقال بتوتر:
“بس يا فندم النواقص في قطع الغيار الأصلية كبيرة، ولو وقفنا الشحنات المشكوك فيها، نصف أسطول التدريب هيتقعد على الأرض.”
رديت عليه بابتسامة حادة ونبرة لا تقبل النقاش:
“يقعد على الأرض وهو سليم ومحمي، ولا يطير في الجو ويقع بشرارة! السلامة والكرامة أولاً، والقطع الأصلية هتكون هنا خلال 48 ساعة بعد ما كلمت القيادة العامة وشرحت لهم الوضع بالكامل.”
في اللحظة دي، جرس التليفون المشفر على مكتبي رن بصوت عالي حسم الاجتماع. رفعت السماعة، وجالي صوت رئيس أركان القوات الجوية مباشرة:
“مريم.. بلغتني تقارير التفتيش الأولية والقبض على التشكيل الفاسد.. عاشت إيديكي يا عقيد. البلد محتاجة النوع ده من الحزم.”
وقفت انتباه وأنا ماسكة السماعة:
“تمام يا فندم! القاعدة جاهزة لتنفيذ كل المهام بكفاءة كاملة، والتطوير بدأ فعلياً.”
“أنا واثق فيكي.. ومستني تقريرك النهائي نهاية الأسبوع.”
قفلت السماعة ورفعت راسي، وبصيت للضباط اللي كانوا واقفين يتابعوا المكالمة بصمت ذهول. اتأكدوا في اللحظة دي إن الست اللي كانت متكلبشة من يومين، مش بس مسكت زمام القاعدة، دي غيرت قواعد اللعبة كلها بضربة واحدة.
خرجت من غرفة العمليات وخطواتي بتضرب في طرقات مبنى القيادة، الصمت اللي كان بيسود المكان غير الصمت بتاع زمان؛ ما كانش صمت خوف ولا توتر، كان صمت هيبة وانضباط. كل عسكري بيمر جنبي كان بيقف زي الألف ويضرب تعظيم سلام وعينيه فيها تساؤل واندهاش من القوة اللي اتحركت بيها الست دي عشان تطهر قاعدة جوية كاملة في أقل من 48 ساعة.
نزلت على الهانجر الرئيسي بنفسي. الشمس كانت بدأت تميل ناحية الغرب، وتعدي أشعتها الذهبية من سقف الهانجر الصاج لتنزل على أجساد الطيارات المقاتلة. الريحة لسه ريحة جاز وعرق وظروف عمل شاقة، لكن روح الرجالة كانت اتغيرت تماماً.
وقف عبد الرحمن فهمي وسط مجموعة من صغار الفنيين والمهندسين، ماسك الكشوفات الجديدة وبيشرف بنفسه على فك أطقم الفرامل القديمة المغشوشة. أول ما شافوني، كلهم وقفوا انتباه، لكن شاورت لهم بإيدي كإنبي بقولهم كملوا شغلكم.




