
أمي أخدت الفلوس اللي كانت مخصصة لعلاج جوزها المريض بالسرطان، وسابته لوحده في بيت ساقع من غير تدفئة ولا رعاية، وسافرت تستمتع برحلة بحرية فاخرة في البحر المتوسط. لكن قبل ما تمشي، سابتلي جواب صغير مكتوب فيه: “اتصرفي معاه لحد ما نرجع.”
ماكانتش تعرف إن اللي عملته هي وأخويا وأختي هيكشف سر خطير، وإن الراجل اللي رباني من وأنا عندي تمن سنين كان مخبي حاجة محدش في العيلة يعرف عنها.
“إحنا خدنا فلوس العلاج عشان نسافر وننبسط. إنتِ بقى اتصرفي مع عماد لحد ما نرجع. إحنا تعبنا من خدمته.”
كان ده نص الجواب اللي لقيته أول ما رجعت البيت في إسكندرية، بعد تسع شهور كاملة قضيتهم بعيد عن مصر بسبب شغلي كدكتورة جراحة طيران في القوات الجوية.
كنت متخيلة إني هارجع ألاقي أمي مستنياني على الباب، وأخويا وأختي يجروا عليا بالحضن والفرحة. لكن أول ما فتحت باب البيت، حسيت بحاجة غريبة.
البيت كان ساقع بشكل مرعب، والهدوء اللي مالي المكان كان تقيل لدرجة إن قلبي بدأ يدق بسرعة.
“عمي عماد؟”
ناديت عليه مرة واتنين، لكن محدش رد.
جريت على أوضته، وهناك شوفته.
الراجل اللي رباني واعتبرته أبويا من وأنا طفلة، كان متكور تحت بطانية قديمة، جسمه كله بيرتعش من البرد. هدومه كانت متسخة، شفايفه ناشفة ومتشققة من العطش، ووشه اللي كان زمان مليان بالحياة بقى شاحب ونحيف بشكل يخوف.
السرطان اللي في البنكرياس كان وصل لمرحلة متأخرة، وصوته ما بقاش أكتر من همسة ضعيفة.
“سارة… إنتِ رجعتي.”
حسيت إن حاجة جوايا اتكسرت.
كنت عايزة أصرخ وأعرف أمي عملت فيه إيه، لكني بلعت غضبي. شغلت الدفاية، نضفت جسمه، غيرت الملايات، وسقيته مية على رشفات صغيرة، وبعدها اتصلت بفريق الرعاية المنزلية اللي بيتابع حالته.
وأنا بحاول أظبط له المخدة، سألت:
“ماما فين؟”
عماد قفل عينيه وقال بصوت متعب:
“سافرت.”
“سافرت فين؟”
ما ردش.
لكن الجواب اللي كان واقع على الترابيزة جاوبني.
أمي، نجلاء، وأخويا كريم، وأختي منى، أخدوا فلوس صندوق الطوارئ العائلي وسافروا في رحلة بحرية فاخرة في البحر المتوسط.
نفس الحساب اللي كنت بحوش فيه كل شهر من مرتبي، عشان أدفع تمن علاج عماد، وأجيب الأدوية، والأكل، وفواتير البيت، وأجر الممرضة اللي كانت بتيجي له.
فتحت التابلت اللي على الكومودينو، وظهر قدامي إشعار جديد.
كريم كان منزل صورة على السوشيال ميديا وهو واقف على سطح مركب سياحي ضخم، لابس نضارة شمس غالية، وحاطط دراعه حوالين خطيبته.
وكتب:
“نتعب عشان نعيش… ونستمتع بالحياة اللي نستحقها.”
شدّيت على أسناني.
فتحت تطبيق البنك.
الرصيد المتاح: 14 جنيه و12 قرش.
حوالي عشرة آلاف دولار ما يعادل تقريبًا مبلغ كبير من مدخراتنا اختفوا في ست أيام بس.
تذاكر سفر. محلات ملابس غالية. مشروبات فاخرة. جلسات سبا. سحوبات نقدية. وحتى فلوس لعب في كازينو موجود على المركب.
حسيت بدماغي بتغلي.
لكن اللي خلاني أتجمد مكاني كان حاجة تانية.
بصيت ناحية دولاب العرض القديم اللي في الصالة، المكان اللي عماد كان محتفظ فيه بكل متعلقاته العسكرية.
كان فاضي.
“عماد…”
بصيت له باستغراب.
“فين النياشين والحاجات اللي كانت هنا؟”
ضحك ضحكة مرة، وقال:
“أمك باعتهم.”
اتجمدت.
“باعت إيه؟”
“قالت إنهم مجرد حديد قديم، وإنها محتاجة فلوس عشان تصرفها في الرحلة.”
وقفت مش قادرة أستوعب.
كل النياشين، والشهادات، والميداليات، والتذكارات اللي جمعها عماد خلال أكتر من عشرين سنة خدمة في القوات المسلحة… اتباعت.
ذكريات عمر كامل اتحولت لفلوس تصرفها أمي على رحلتها.
كنت عايزة أتصل بيها وأفضل أزعق فيها لحد ما تفهم حجم اللي عملته.
كنت عايزة أقول لها إنها مش بس سرقت فلوس علاجه، دي كمان سرقت آخر حاجة فاضلة من حياته.
لكن بدل ما أعمل كده، فضلت ساكتة.
رجعت أبص له، وفجأة جسمه اتنى لقدام، وطلع منه صوت ألم مكتوم.
“عماد!”
جريت ناحية الكومودينو وأخدت زجاجة المورفين السائل اللي الدكتور سايبهاله وقت الألم الشديد.
لكن قبل ما أديه الجرعة، إيده اتحركت بسرعة رغم ضعفه، ومسك رسغي بقوة غريبة.
“ما تديهوليش.”
بصيت له بصدمة.
“إنت بتتوجع! لازم تاخد الدوا.”
عينه كانت مليانة دموع.
بص للزجاجة في إيدي، وقال بصوت مرتعش:
“ده مبقاش دوا يا سارة.”
الدم تجمد في عروقي.
“يعني إيه الكلام ده؟”
فضل باصص للزجاجة شوية، وبعدها مد إيده التانية ببطء، وطلع خاتم قديم من صباعه.
حطه في كفي.
الخاتم كان تقيل، ومش شبه أي حاجة شفتها قبل كده.
رفع عينه وبصلي، وقال:
“قبل ما أحكيلك… في حاجة أمك عمرها ما تعرفها.”
حسيت إن نفسي اتقطع.
“إيه هي؟”
قرب مني أكتر، وهمس:
“في أمانة… صندوق ائتماني.”
بصيت له بعدم فهم.
“صندوق ائتماني؟”
هز راسه ببطء.
“أيوه.”
سكت لحظات، وكأنه بيجمع آخر ذرة قوة عنده.
وبعدين قال اسم الشخص اللي الصندوق متسجل باسمه.
الاسم اللي خلاني أفتح بوقي من الصدمة.
لأن الشخص ده…
كان آخر واحد في الدنيا ممكن أتخيل إن ليه علاقة بالعيلة.
والسر اللي عماد كان مخبيه طول السنين، كان كفيل يغير حياتنا كلنا للأبد.
“اللواء عبد الرحمن… قائد الجناح الطبي في القوات الجوية، والراجل اللي بوقع تحته كل أوراق شغلي يومياً.”
بقيت باصة له ومش قادرة أستوعب الكلام. النطق طالع بالعافية من زوري: “سيادة اللواء؟! إنت تعرفه منين يا عماد؟ وعلاقتك بيه إيه؟”
غمّض عينيه بتعب، ونزلت نقطة دمعة سخنة من طرف عينه على خده الشاحب. اتنفس بصعوبة وبدأ يتكلم بصوت مقطوع: “أبوكي الحقيقي… الشهيد الرائد أحمد… ما ماتش في حادثة عادية زي ما أمك فهمتك طول السنين اللي فاتت. أبوكي استشهد وأنا جمبه في عملية خاصة.. وقبل ما يلفظ أنفاسه الأخيرة، أمنني عليكي.. وأمن اللواء عبد الرحمن على ثروة عيلته اللي سابها، عشان تتسجل باسمك في صندوق ائتماني مغلق، وما حدش يقدر يلمس جنيه واحد منه غيرك إنتِ، ولما تعدي سن معينة وتثبتي جدارتك… زي ما بقيتي دكتورة وضابطة.”
حسيت إن الأرض بتلف بيا. أمي… أمي اللي أقنعتني طول عمري إن أبويا سابنا من غير مليم، وإن عماد هو الراجل البسيط اللي اتجوزها عشان يستر علينا، كانت عايشة على كذبة هي وأخواتي!
كمل عماد وهو بيشاور بقلة حيلة على إيدي اللي ماسكة زجاجة المورفين: “نجلاء مكنتش طمعانة في أملاكي.. هي كانت فاكرة إن الفلوس اللي بتدخليها الحساب من مرتك هي كل حيلتنا. ولما حست إن المرض بينهي عليا، طمعت حتى في الكام ألف بتوع العلاج… أما كريم…”
صوته اتقطع وهو بيسعل بقوة، سُعال ناشف وموجع. مسكت إيده بسرعة: “ارتاح يا عماد.. بلاش تجهد نفسك.”
ضغط على إيدي بالخاتم اللي حطه في كفي وقال: “كريم ابنك.. كان بيبدل أمبولات المورفين بمية وملح يا سارة… وياخد المورفين الأصلي يبيعه لحسابه. الدوا اللي في إيدك ده مية… كانوا بيسيبوني أصرخ من الوجع، وكانوا مستنيين اليوم اللي هسلم فيه الروح عشان يرتاحوا من خدمتي وياخدوا شقتي.”
الدم تجمد في عروقي. بصيت لزجاجة المورفين. مسكتها وقربتها من النور، وفعلاً… الشمع المصنع على الغطا كان مكسور ومتعاد تقفيله بجلاد شفاف خفيف. غباء دكتورة جراحة تفوت عليها تفصيلة زي دي، بس الصدمة كانت عاطية دماغي مخدر.
الراجل ده اتحرم من العلاج، واتسرقت فلوسه، واتباعت نياشينه العسكرية اللي هي تاريخه، وفوق كل ده… كان بيتسقى مية وملح وهو بينتظر الموت في البرد!
تحول الوجع جوايا في ثانية واحدة لكتلة من الثلج والنار في نفس الوقت. اختفت دموعي، وحسيت بصوت دقات قلبي العالية وهي بتهدى وبتتحول لجمود عسكري صارم.
مسكت الخاتم وقفل عليه صوابعي بقوة. الخاتم كان فيه بروز صغير من الجنب… ختم عسكري خاص، ومعاه شريحة صغيرة جداً مشفرة.


