
قربت من طيارة ميج-29 ثانية كانت تحت الصيانة، شمرت أكمام بدلة الطيران بتاعتي، ومديت إيدي وأخدت مفتاح صيانة كاليبر 14 من العسكري الشاب اللي كان واقف خايف يغلط.
بصيت للولد الصغير وقلت له بهدوء:
“خايف ليه يا ابني؟ المسامير دي مش بعبع.. المسمار ده لو اتربط بعزم مظبوط، الطيار فوق بيبقى عارف إن وراه رجالة بتصون روحه. امسك المفتاح كده، وزاوية ربطك تكون عمودية.. جرب تاني.”
الولد إيده كانت بترتعش في الأول، لكن لما شافني واقفة جنبه وبوجهه بلغة المهندس والطيار اللي قضى تمنتاشر سنة في الكابينة وعارف كل تفصيلة صغيرة جوه الطيارة، عينيه لمعت بالثقة وربط المسمار صح.
عبد الرحمن قرب مني وهو بيمسح العرق من جبهته بظهر إيده، وابتسم ابتسامة حقيقية لأول مرة من يوم ما دخلت القاعدة:
“سيادة العقيد.. الشحنة الجديدة من قطع الغيار الأصلية وصلت البوابة الغربية دلوقتي تحت حراسة مشددة زي ما سيادتك أمرتي.”
هزيت راسي بثبات وقلت:
“ممتاز يا عبد الرحمن.. تتفرغ الشحنة فوراً تحت إشراف لجنة ثلاثية، وكل قطعة تخش المخزن يتكتب عليها رقم سيريال موثق. مش عايزة مسمار واحد يدخل الهانجر ده من غير شهادة جودة.”
وفي اللحظة دي، دخل الضابط المسؤول عن حراسة السجن العسكري جوه القاعدة، وقرب مني وضرب تعظيم سلام وقال بصوت خفيض:
“يا فندم.. المتهم كريم البدري طالِب يقابل سيادتك.. بيقول إن عنده معلومات مهمة عن الأسماء الشريكة في الشحنات الفاسدة بره القاعدة، ومستعد يقر بكل حاجة بشرط تخفيف العقوبة.”
بصيت له بنظرة حادة وباردة، وقلت بنبرة قاطعة هزت المكان:
“قول لكريم البدري إن زمن المساومات انتهى. المعلومات اللي عنده النيابة العسكرية هتطلعها منه بالقانون، ومفيش تخفيف عقوبة لمن خان الأمانة وعرّض أرواح طيارين في الجو للخطر. خليه يقعد في زنزانته يفكر في اللحظة اللي مسك فيها شعري وهو فاكر إن الحق بيموت.”
الضابط هز رأسه وانصرف فوراً، وعبد الرحمن بصلي بذهول وإعجاب من الموقف اللي ما فيهوش أي تهاون ولا ضعف.
طلعت بره الهانجر ووقفت على أول المدرج، الريح كانت بتطير طرف الكاب بتاعي، وفي اللحظة دي سمعت صوت زئير محركات طيارتين ميج-29 طالعين في جولة تدريبية مقترحة بعد ما اتراجعوا مسمار مسمار تحت إشرافي المباشر.
الطيارتين طلعوا للسما بانسجام رهيب، وشقوا السحاب بسرعة الصوت، وأنا واقفة أرضي ثابتة، وعيني معلقة في الجو. رفعت إيدي وعدلت ياقة بدلتي، وأنا حاسة بإن حق كل طيار، وكل عسكري، وكل نقطة عرق سالت في القاعدة دي رجع لأصحابه.
القاعدة دي ما بقاش فيها مكان لخاين ولا مستهتر، ومن اللحظة دي، القيادة بقت بالحق.. والكرامة بقت هي الهوا اللي بنتنفسه.
رجعت عيني للممر بعد ما الطيارتين اختفوا في بطن السحاب، ونزلت السلم الحديدي بتاع مبنى القيادة بخطوات ثابته. المكان اللي كان من كام يوم مرتع للإهمال والبلطجة، بقى خلية نحل بتتحرك بساعة إيقاع منضبطة.
بعد نص ساعة، صوت زئير المحركات رجع يرن في السما من جديد. الطيارتين هبطوا على الممر بنعومة ودقة متناهية، والعجل لمس الأصلت بسلام تام من غير شرار ولا دخان طوارئ.
وقفوا في أركان الهانجر، ونزل الطيارين. النقيب حازم صبري قلع الخوذة وهو بيضحك بابتسامة نصر، وقرب مني مع زميله وضربوا تعظيم سلام قوي.
“الطيارات طالعة ونازلة زي الريشة يا فندم! الاستجابة 100% والمكابح بتمسك في ثانية!”
هزيت راسي برضا وقلت:
“هو ده العادي اللي المفروض يكون موجود طول الوقت يا حازم.. مش إنجاز، ده الحد الأدنى من حقكم عليا وعلى القوات المسلحة.”
وفجأة، قرب مني ضابط مكتب الاستخبارات الحربية في القاعدة، وهو ماسك ملف أحمر وعليه ختم “سري للغاية”.
“سيادة العقيد.. التحقيقات الأولية مع حسام مراد وكريم البدري فتحت طاقة جهنم. العقول المدبرة ورا الشحنات المغشوشة مش بس جوه القاعدة.. فيه مقاول مدني كبير في التوريدات العسكرية كان بيمول الشبكة دي، وبدأ يتحرك دلوقتي عن طريق اتصالاته عشان يلم الموضوع قبل ما يوصل للقيادة العامة.”
ابتسمت ابتسامة باردة فيها كمية تحدي تجمد الدم في العروق.
“فاكرين إن الفلوس والنفوذ تقدر تشتري رتبة أو تغطي على خيانة؟”
سحبت الملف من إيده، وفتحته وأنا ماشية ناحية مكتبي. الأسماء كانت قدامي، والمبالغ المعروضة كأجهزة رشوة كانت مهولة. المقاول كان فاكر إن القائد الجديد “ست” وممكن يتضغط عليها أو يشتري سكوتها بعرض مالي ضخم يتسرب تحت الترابيزة.
أول ما قعدت على كرسي القيادة، التليفون الداخلي رن. كان الاتصال من حرس البوابة الرئيسية.
“يا فندم.. فيه شخص مدني بره بيعرف نفسه إنه المهندس توفيق الزيني، رئيس شركة التوريدات الفنية.. وطالب مقابلة سيادتك فوراً لأمر عاجل يخص انتظام العمل في القاعدة.”
بصيت لعبد الرحمن فهمي اللي كان واقف قدامي، وابتسمت.
“خليه يدخل.. بس ما يجيبش معاه أي شنط أو أجهزة. عايزه يفتكر إنه داخل قاعدة جوية حرة، مش محل قطاع خاص.”
بعد خمس دقائق، دخل توفيق الزيني. راجل في الخمسينات، لابس بدلة غالية ورشاش ريحة فخمة، وشه مليان ثقة مدعومة بنفوذ سنين. حاول يتصنع الهدوء وهو بيبصلي على الكرسي العريض، ورفع حاجب باستخفاف خفي وهو بيعدل زرار الجاكيت.
“مساء الخير يا سيادة العقيد مريم.. ألف مبروك القيادة الجديدة، وإن كنت أتمنى نتعرف في ظروف أهدى من سوء التفاهم اللي حصل النهاردة مع حسام وكريم.”
ما ردتش عليه فوراً. سبته واقف دقيقة كاملة تحت ثقل الصمت، وعيني ثابتة في عينيه من غير ما أرمش.
لما بدأ يتوتر ويتنقل من رجل لرجل، قلت بنبرة هادية أصعب من الرعد:
“أتفضل اقعد يا بشمهندس توفيق.. عشان الكلام اللي هتقوله دلوقتي هيتكتب في المحضر الرسمي اللي هيترفق بقضية الخيانة العظمى.”
وشه اتغير، والنبرة المتعالية اختفت في ثانية.
“خيانة إيه يا فندم؟ ده مجرد خطأ فني في التوريد وبيحصل في أكبر الشركات.. وأنا جاي بنفسي عشان أصفي الحسابات وأعوض القاعدة عن أي تلفيات، ونعمل اتفاق جديد يرضي جميع الأطراف.. يرضي سيادتك شخصياً.”
مد إيده بجواب مقفول وحطه على المكتب.
بصيت للجواب، وبعدين رفعت عيني فيه، وقمت وقفت ببطء. الطول، والهيبة، والنظرة الثابتة خلوه يرجع خطوة لورا رغماً عنه.
“أنت فاكر إنك بتتعامل مع حسام مراد؟ فاكر إن الرتبة دي جبهالي حد مجاملة؟ أنا قعدت تمنتاشر سنة في الكابينة، شفت الموت بعيني، ودفنت زمايل ليّا ماتوا بكرامة عشان البلد دي تعيش.. جاي أنت ببدلتك الفخمة والجواب ده، فاكر إنك تقدر تشتري نقطة دم واحدة من دم طيارينّا؟”
سحبت الجواب بأطراف صوابعي ورميته في صندوق الزبالة جنب المكتب من غير ما أفتحه.
“العبد اللي بيبيع ضميره برخيص زي كريم وحسام مكانهم السجن.. أما اللي بيشتري نفوذ على حساب أرواح الشرفاء، فمكانه المشنقة.”
شاورت لضباط المخابرات الحربية اللي كانوا واقفين ورا الستارة.
“المتهم توفيق الزيني مقبوض عليه بتهمة تقديم رشوة لقيادة عسكرية والمشاركة في الخيانة العظمى.. خذوه من هنا.”
الراجل اتقطعت أنفاسه، وبدأ يصرخ وهو بيتجر لبره والكلبشات بتمسك إيديه بنفس الصوت الحديدي البارد:
“أنتي مش عارفة أنا مين! أنتي بتهدي القاعدة على راسك يا مريم!”
وقفت عند الشباك، وبصيت عليه وهو بيتسحب لسيارة الترحيلات العسكرية وسط ذهول كل حراس البوابة.
عبد الرحمن فهمي قرب مني وهو بيضرب الأرض ببيادته، وصوته فيه نبرة فخر هزت جدران المكتب:
“الله أكبر يا سيادة العقيد.. القاعدة دي طول عمرها كانت مستنية قائد زي سيادتك.”
التفت له وبصيت لمدرج الطيران اللي بقى بتشع منه الهيبة والنظافة، وقلت وأنا بعدل ياقة البدلة:
“القاعدة دي ملك الشرفاء يا عبد الرحمن.. ومن النهاردة، مفيش رأس خائنة هتترفع هنا تاني.”
تمت
حكايات انجى الخطيب


