
أختي الصغيرة «سارة» كانت أصغر مني بسنة، ومن وهي طفلة كان واضح إنها مختلفة عن باقي الأطفال لأنها كانت مولودة بمتلازمة داون. في المدرسة، كان فيه أطفال بيبعدوا عنها أو بيتعاملوا معاها بطريقة مختلفة، وكنت دايمًا بحاول أحميها وأخليها تحس إنها زي أي حد تاني.
لكن أكتر شخص عمره ما عاملها إنها مختلفة كان صاحبي المقرّب «أحمد».
كنت دايمًا أقول لسارة وأنا بطبطب عليها: «إنتِ عمرك ما هتبقي لوحدك، طول ما أنا موجودة، وأحمد موجود.»
أحمد كان فعلًا دايمًا جنبها. لما كنا صغيرين، كان بيحرص إنها تشاركنا اللعب، ولو حد في المدرسة حاول يضايقها كان بيقف له. وحتى في رابعة ابتدائي، في مرة كنا قاعدين في فناء المدرسة، قال لها وهو بيضحك: «لما نكبر، أنا هاخدك حفلة المدرسة الكبيرة وهخليكي أجمل واحدة هناك.»
سارة صدقته، وفضلت فاكرة الجملة دي سنين طويلة.
ومع مرور الوقت، كل اللي حوالينا كانوا مقتنعين إن أحمد وأنا في الآخر هنتجوز. كنا أصحاب من وإحنا صغيرين، وأهلنا كانوا بيهزروا معانا دايمًا ويقولوا إننا لبعض.
لكن اللي حصل كان عكس كل توقعاتهم.
لما كبرنا، أحمد اتقدم لسارة.
في الأول، أنا ما صدقتش.
#انجي_الخطيب
وبعدين لما فهمت إنه فعلًا بيحبها وعايز يتجوزها، دخلت أوضتي وعيطت من الفرحة أكتر منها.
صاحبي المقرب بقى أخويا، وأختي اللي ناس كتير كانت بتعاملها على إنها مختلفة، لقت إنسان بيشوفها زي ما هي، وبيحبها من غير شفقة ولا إحساس بالنقص.
اتجوزوا في فرح بسيط وسط العيلة والأصحاب، وسارة كانت أسعد واحدة في الدنيا.
وبعد فترة، في ليلة عائلية كنا كلنا متجمعين فيها، سارة قامت وسط الكلام وحطت إيديها على بطنها وقالت وهي بتضحك:
«أنا وأحمد عندنا مفاجأة!»
كلنا بصينا لها.
وبعدين قالت:
«أنا حامل… في توأم!»
البيت كله اتقلب فرحة.
ماما فضلت تزغرد، وبابا فضل يدعي لهم، وأنا حضنت سارة وفضلت أعيط من كتر الفرحة.
لكن الحمل ما كانش سهل.
الدكاترة كانوا بيتابعوا سارة باستمرار، ومع دخولها الشهر الثامن بدأت تظهر مشاكل خلت الحمل محتاج متابعة دقيقة جدًا.
وفي يوم، وهي في الأسبوع الرابع والثلاثين، حصلت أزمة مفاجئة.
سارة تعبت جدًا، ونقلناها بسرعة للمستشفى.
الدكاترة دخلوا بيها الطوارئ، وبعد دقائق قالوا إن حالتها وحالة الجنينين محتاجين تدخل سريع.
الساعات اللي بعدها كانت من أصعب ساعات حياتنا.
الدكاترة والممرضين كانوا بيجروا رايح جاي، وأجهزة المراقبة شغالة، وكل واحد فينا واقف في الممر مش عارف يعمل إيه.
قال لنا الدكتور إنهم هيعملوا كل اللي يقدروا عليه علشان ينقذوا سارة والتوأم، لكن حالتها كانت حرجة جدًا.
أحمد ما سابش باب أوضتها.
كان واقف جنب السرير، ماسك إيدها، ووشه شاحب من الخوف.
وفجأة، خرج من الأوضة، بص ناحيتي، وبعدين مسك إيدي بقوة وسحبني بعيد عن الناس لآخر الممر.
بصيت له باستغراب وقلت:
«في إيه يا أحمد؟ إنت بتعمل إيه؟»
فضل ساكت ثواني، وكان واضح إنه بيحاول يمنع نفسه من العياط.
وبعدين قال بصوت متقطع:
«قبل ما يدخلوا سارة العمليات… هي خلتني أوعدها بحاجة.»
قلبي بدأ يدق بسرعة.
قلت له:
«وعدتها بإيه؟»
رفع عينه وبص لي مباشرة.
وقال:
«قالت لي لو هي ما فاقتِش بعد العملية… لازم أقولك الحقيقة.»
حسيت إن رجلي مش شايلاني.
قرب مني، ومسك إيديا الاتنين بين إيديه، وقال:
«دلوقتي جه الوقت إنك تفهمي أنا اتجوزت سارة ليه بجد.»
حسيت إن الدنيا وقفت.
بصيت له وأنا مش فاهمة.
«أحمد… إنت بتقول إيه؟»
في اللحظة دي، عقلي راح لأبشع الاحتمالات.
هو اتجوز سارة علشان فلوس؟
علشان ميراث بابا وماما؟
ولا كان فيه سبب تاني أخطر؟
يمكن اتجوز أختي علشان يفضل قريب مني؟
يمكن كل السنين اللي فاتت كانت مجرد تمثيلية؟
أحمد كان باصص في وشي، وكأنه عارف بالظبط أنا بفكر في إيه.
وبعدين قال بصوت هادي بشكل يخوف:
«الحقيقة أسوأ بكتير مما إنتِ متخيلة… اقعدي.»
حسيت إن قلبي وقع في رجلي.
قعدت على الكرسي اللي جنب الحيطة، وهو حط إيده في جيب الجاكيت وطلع ورقة مطوية.
مدها لي.
إيدي كانت بتترعش وأنا بفتحها.
بصيت لأول سطر…
وفي أقل من ثانيتين، شهقت بصوت عالي وصرخت من الصدمة.
لأن أول سطر في الورقة كشف سر ما كنتش أتخيل في حياتي إنه موجود أصلًا…
وساعتها فهمت إن جواز أحمد من سارة ما كانش مجرد قصة حب زي ما كلنا فاكرين.
كان فيه سر كبير مستخبي من سنين…
وسارة نفسها كانت عارفة الحقيقة.
والمصيبة إنها اختارت اللحظة دي بالذات علشان أحمد يقولها لي.
لكن السؤال اللي وقتها كان:
إيه اللي كان مكتوب في الورقة؟ وليه سارة طلبت من أحمد يخبي الحقيقة عني طول السنين دي؟
#انجي_الخطيب



