
تلفوني رن الساعة 5:02 الفجر
رديت، ولقيت “مدحت” جوز بنتي بيكلمني بمنتهى القسوة: «تعالي خدي الزبالة بتاعتك من هنا.»
مسكت رخامة المطبخ بإيدي اللي بتترعش وسألته: «مريم فين يا مدحت؟»
«في موقف ميكروباصات رمسيس. جالت لها حالة هبل من حالاتها، وأنا عندي عزومة مهمة النهاردة لرئيس مجلس إدارة الشركة، ومش هسمح لشوية زبالة يبوظوا اليوم.»
وسمعت صوت أمه “سهير” بتضحك في الخلفية وبتقول: «وقولي لإلهام إن بنتها الفاشلة دي مديونة لي بـ 250 ألف جنيه ثمن السجادة العجمي اللي باظت!»
سناني اتكزت على بعض. مريم بنتي عندها 28 سنة، مهندسة شاطرة، وأهدى إنسانة ممكن تقابلها في حياتك. دي غيرت فردة كاوتش العربية في وسط شتا وتمطيرة بتغرق الشارع وإيديها بتنزل دم ومن غير ما تطلع منها العيبة. فيه حاجة غلط.. حاجة مصيبة حصلت.
«تعالي شيليها من هنا، وما ترجعيهاش تاني،» مدحت قالها وقفل الخط في وشي.
على مدار تلات سنين، سبت بني آدم زي ده يفتكر إني مجرد “الست إلهام”، الأرملة الهادية اللي عايشة على الكوبونات وبتسوق عربية شاهين قديمة وبتكتب لإيد بنتها عيدية في ظرف. عمره ما فكر يسأل عن حياتي قبل ما أطلع معاش، ولا يعرف حاجة عن رتبة “النسر الفضي” وشارة اللواء المستخبية في الصندوق الحديد اللي في دولاب الممر.
نزلت في برودة الفجر، ووصلت الموقف الساعة 5:43.
وهناك شفتها..
مريم كانت متكومة تحت عمود نور مكسور، من غير جاكيت وفي رجلها فردة جزمة واحدة. صوابعها أزرقّت من البرد، ووشها مليان كدمات، بيتفض من الرعشة لدرجة إني بالعافية عرفت بنتي.
#انجي_الخطيب
نزلت على ركبي جنبها: «يا حبيبتي بصيلي.. مين عمل فيكي كده؟»
شبطت بإيديها الضعيفة في بالطويا وقالت بصوت مكسور: «يا أمي.. مدحت وأمه سهير. مدحت جايب واحدة تانية، وأمه طردتني عشان الست الجديدة تقعد مكانتي على السفرة في العزومة.»
دمي اتجمد في عروقي.
همست مريم: «نضفوا كل حاجة وما سابوش أثر.. وقالوا محدش هيصدقك، وقالولي إنك مجرد ست عجوزة مالكيش حيلة.»
وفجأة خيخ وأغمى عليها بين إيديا.
الساعة 5:47 الفجر، طلبت الشرطة والإسعاف.
«عايز عربية إسعاف مجهزة وعربيات نجدة فوراً عند موقف رمسيس. حالة وتأثير برد شديد، البنت غايبة عن الوعي.»
وبعدين اتكلمت بالنبرة اللي ما استخدمتهاش من سنين: «احفظوا تسجيلات الكاميرات في الموقف فوراً، ووثقوا حالتها قبل ما تتنقل لو أمكن. فيه موقع تاني فيه أدلة لازم تتظبط.»
اللي بيصرّف البلاغ تردد لحظة وسألني: «يا فندم.. حضرتك تابعة لجهة إيه؟»
فتحت العلبة الحديد اللي جنبي وبصيت لعلامة النسر.
«أنا اللواء إلهام عبد الرحمن، متقاعدة من المباحث . قضيت عقود في إدارة التحقيقات.»
السكوت عمّ التليفون.. ونبرة الموظف اتغيرت 180 درجة: «تمام يا فندم! تحت أمرك يا سيادة اللواء.»
بصيت لبنتي المغمى عليها.. مدحت وسهير فاكرين إنهم مسحوا الأدلة، وفاكرين إن حبيبته الجديدة هتقعد مرتاحة على السفرة تاكل، وفاكرين إني مجرد ست عجوزة كبرت ومالهاش ضهر.
قُلت للموظف بصوت حاسم: «اسمعني كويس.. متبلغش حد من الدورية في نطاق بيته، عشان نوصل للبيت ده قبل ما أي حد قاعد على سفرته يستوعب إحنا مين وبنعمل إيه.»
#انجي_الخطيب
صوت السارينة الهادي من غير زيطة كان بيهز سكوت الشارع.. عربية الإسعاف وبوكسين نجدة وراها وصلوا الموقف زي ما أطلبت بالظبط. الدكتور نزل يجري، وخلال دقايق مريم كانت على النقالة، متكلفتة بالبطانيات وفي إيدها المحلول. مسكت إيد النقيب اللي كان نازل يترأس القوة، وبصيت له بصلابة هزته: «التقرير الطبي يتوثق فيه كل خربوش وكل كدمة، والبنت تروح مستشفى الشرطة تحت حراسة مشددة.. مفهوم يا ابني؟» التحية العسكرية بهيبة وهو مبهول: «مفهوم يا سيادة اللواء، الأوامر تتنفذ حرفياً.»
ما استنيتش. ركبت الشاهين القديمة، وبقت عربيات النجدة ماشية ورايا في هدوء قاتل لحد ما وصلنا العمارة في التجمع. الساعة كانت بقت ستة وربع الصبح. الشارع كان لسه بيصحى. طلعت على السلم من غير صوت، والقوة ورايا على أهبة الاستعداد.
وقفت قدام الباب. خبطت خبطتين حازمين.. صوت مدحت جه من جوه بزهق وهو بيلبس قميصه: «مين البايخ اللي جاي دلوقتي؟» فتح الباب، وكانت اللحظة اللي الزمن وقف فيها.
شافني واقفة.. الشال الأسود على كتفي، وورايا الضباط والعساكر مالين الطرقة. وشه اتخطف، ورجليه مابقتش شايلاه: «إنتِ.. إنتِ إيه اللي جابك هنا؟ وجايبة مين معاكي؟»
زقيته بكتفي ودخلت خطوتين لجوه. كانت سهير أمه قاعدة على السفرة بتشرب قهوة، وجنبها واحدة تانية لابسة روب ستان بتضحك. القهوة اتدقّت من إيد سهير لما شافت المنظر، ووقفت تصوت: «إيه قلة الأدب دي! إنتِ فاكرة نفسك مين يا ست إنتِ؟ طلبتِ الشرطة عشان بنتك الهبلة؟ اطلعي بره بدل ما أطلبلك الأمن يرميكي في الشارع!»
النقيب دخل ورايا وصرخ فيها جدران الشقة: «اسكتي خالص! أنتِ بتتكلمي مع سيادة اللواء إلهام عبد الرحمن رئيس قطاع التحقيقات السابق!»
الجمود نزل على الأوضة زي الصاعقة. مدحت فك زراير قميصه بإيد بتترعش، بدأ يعرق بغزارة. سهير وقعت على الكرسي وعينيها متبتة فيا بذهول مش قادرة تستوعبه، والبنت الجديدة استخبت ورا الحيطة.
قربت من مدحت خطوتين، وبصيت في عينيه ببرود أبرد من جمد الفجر اللي ساب فيه بنتي: «فاكر لما قلتلي تعالي خدي الزبالة؟ الزبالة دلوقتي هي اللي جاية تنضف البيت ده من أمثالك.»
شاورت للضباط بصوت طالع من قاع الصخر: «المكان ده موقع شروع في وادعاء باطل.. فريق الأدلة يدخل فوراً يرفع البصمات ويمسح نقط اللي حاولتوا تغسلوها، ويتحفظ على السجادة. وكل اللي واقفين دول.. يتركب في إيديهم الكلبشات فوراً وعلى النيابة.»
«يا سيادة اللواء.. والله سوء فهم! مريم هي اللي اتجننت وأمي كانت بتهديها، وهي اللي جرت على السلم وقعت!» مدحت كان بيتكلم بلعثمة، ريقه ناشف ودموعه بدأت تنزل من الخوف القاتل.
سهير بصت لابنها برعب، ونبرتها العالية تحولت لتوسل بصوت مكسور: «يا فندم.. المسألة عائلية وتتحل ودي، مريم زي بنتي والله! إحنا ما نعرفش إنك..»
سكتّها برلعة إيد واحدة. قعدت على طرف السفرة ببرود، وطلعت تليفوني حطيته قدامهم: «المسألة العائلية دي انتهت لما اتصلت بيّ الساعة 5:02 الفجر وقولتلي “تعالي خدي الزبالة”. انتهت لما رميتوها في الشارع وفي عز الثلج ووشها متغرق دم»
النقيب قرب الكلبش الحديد في إيد مدحت اللي كانت بتترعش لدرجة إنه مكنش قادر يقف على رجليه. سهير بدأت تصوت وتولول لما العسكري مسك إيدها يكتفها، والبنت الجديدة كانت بتصرخ ومستخبيّة ورا الستارة، فالنقيب أمر بنقلها فوراً للتحقيق بتهمة التستر والمشاركة.
في اللحظة دي، دخل ظابط الأدلة الجنائية بشنطته وكشّاف الإضاءة الفوق بنفسجية: «يا سيادة اللواء، لقينا آثار مسح من أكرة باب الشقة لحد البسطة، وفيه محاولة غسيل بـ “كلور” عشان يخفوا الأثر. غير إن السجادة العجمي عليها بقع دمصريحة تحت الكنبة.»
بصيت لمدحت اللي وشه بقى لون الحيطة، ورجليه اتسحبت منه ووقع على الأرض: «شروع في ، احتجاز بدون وجه حق، ، وتضليل العدالة.. ده غير تقرير مستشفى الشرطة اللي بيتكتب دلوقتي وعمليات التفريغ لكاميرات الموقف اللي ثبتت إنك أنت اللي رميتها بنفسك من عربيتك.»
تليفوني رن، كان مدير أمن القاهرة بيطمن بنفسه ويأكد إن كل البلاغات اتحولت للنيابة العامة بصفة عاجلة.
ربطت حزام بالطويا وقمت وقفت بثبات. بصيت لمدحت وأمه وهم بيتسحبوا للشارع وسط ذهول الجيران اللي بداوا يخرجوا على الصوت. قربت من مدحت وهمست في أذنه ونبرتي أبرد من الثلج: «كنت فاكر إني مجرد ست عجوزة مالهاش حيلة.. نسيت إن النسر لما بيفرد جناحه، بيكسر معاه أي حد افتكر إن مالناش ضهر.»
نزلت السلم بخطوات متزنة، الشارع كان بدأ ينور بشمس الصبح.. ركبت الشاهين وطلعت على مستشفى الشرطة، وأنا عارفة إن حق مريم راجع بالكامل، والقانون مش هيرحم حد.
وصلت مستشفى الشرطة.. ريحة المطهرات والهواء البارد في الطرقة كانت بيرجعوا لي ذكريات سنين الخدمة. الدكتور الكبير استقبلني عند باب العناية بملف التقرير الطبي: «سيادة اللواء، الحالة استقرت بالكامل. التقرير أثبت وجود كسر في ضلعين، صريحة، وآثار وتجمعات دموية، غير انخفاض حرارة للدرجة الحرج. كل حاجة اتوثقت في حرز رسمي وهو دلوقتي في طريقه لنيابة حوادث شرق.»
دخلت الأوضة بشويش. مريم كانت صاحية، عينيها الدبلانة بتتحرك ببطء لحد ما جات في عينيا. دموعها نزلت على خدها المكسور: «أمي.. مدحت مش هيسيبني.. أمه هتجيب محاميين كبار وهيلبسوني أنا التهمة زي ما هددوني.. مش هنعرف نقف قدامهم.»
قربت منها، باست جبهتها ومسحت دموعها بأطراف صوابعي: «محدش يقدر يلمس شعرة منك تاني يا مريم. مدحت وأمه دلوقتي بياكلوا بعض في التخشيبة، والنيابة صدر قرارها بحبسهم أربع أيام على ذمة التحقيق بتهمة الشروع في والتعدي.. حقك جه وزيادة.»
وفجأة، الباب اتفتح وخبط خفيفة اتسمعت، دخل راجل لابس بدلة شيك وماسك شنطة جلد.. المحامي الشهير بتاع عيلة مدحت. حاول يدخل بنبرة واثقة وابتسامة صفرا وهو بيبص لي: «سيادة اللواء إلهام.. أنا الأستاذ فريد محامي مدحت بيه. أظن إحنا عقلاء وممكن نوصل لحل ودي يضمن حقوق الطرفين بدل الشوشرة والمحاكم، ومدحت مستعد يكتب الشقة باسم الدكتورة ويعوضها بمبلغ كبـ…»
قمت وقفت، وبصيت له بنظرة قطعت كلامه في نص حنكه: «أنت جاي جوة حرم مستشفى الشرطة تعرض تسوية في قضية شروع في تل وتضليل عدالة؟ لو ما اختفيتش من قدامي خلال خمس ثواني، هرفع تليفوني لوكيل النيابة اللي بره وأضمك للقضية بتهمة محاولة التأثير على المجني عليها والتغطية على .»
المحامي ريقه ناشف، وشه اتخطف وهو بيبص لظابط الحراسة اللي وقف وراه على الباب. أخد بعضه وانسحب بسرعة من غير ما ينطق كلمة.
مريم بصت لي بذهول وفخر، وشبكت صوابعها في إيدي: «أنا طول عمري فاكراكي مجرد ست هادية وطيبة وعايشة في حالها..»
ابتسمت لها وأنا بطبطب عليها بخفة: «الأم الطيبة هادية يا مريم.. بس لما حد يجي على ضناها، بتتحول للواغضب ما ب يرحمش.»
عدت تلات أيام، والخبر بقى مالك الصحف وصفحات الحوادث.. وفي سرايا النيابة العامة، كنت قاعدة جنب وكيل النيابة الشاب اللي كان بيبص لي باحترام وتقدير كبيرين. الملف قدامه مليان بأدلة ما تخرش المية، من تفريغ كاميرات الموقف، لتقرير الطب الشرعي، لرفع بصمات الشقة وآثار اللي حاولت سهير تمسحها.
الباب اتفتح، ودخل العسكري مجرّجر مدحت وأمه بالكلبشات. مدحت كان هدومه متبهدلة، وشه أصفر زي الليمونة، وذليل لأقصى درجة. سهير اللي كانت بتتباهى بسجادها العجمي وبترمي الناس بكلمة “زبالة”، كانت بتعيط بانهيار وهي ماسكة في الكلبش، شعرها منكوش وعينيها منتفخة من الرعب.
مدحت أول ما شافني، اترص على ركبه قدام الكرسي بتاعي، وصوته كان بيموت من الخوف: «يا سيادة اللواء.. أرجوكي! وحياة مريم عندك سامحيني! أمي هي اللي ضغطت عليا وهي اللي قالتلي نطردها عشان العزومة! أنا اتعميت يا فندم.. أرجوكي تنازلي ومش هتشوفي وشنا تاني، مستعد أدفع أي مبلغ!»
سهير قربت بتترعش، ونبرة الفرعنة اختفت تماماً وحل مكانها التوسل الذليل: «يا إلهام هانم.. أبوس إيديكي، أنا ست كبيرة ومريض ضغط، ما ستحملش ليلة واحدة كمان في التخشيبة! اعتبريها طيش شباب ونزوة.. اعفي عنا يرحمك ربنا!»
سحبت إيدي بقمة البرود والترفع، وما رديتش عليهم ولا بكلمة. بصيت لوكيل النيابة اللي هز رأسه، ختماً ثقيلاً على الورق بصوت هز الأوضة.
وكيل النيابة بص لهم بنظرة صلبة وقال: «بناءً على التقرير الطبي المفصل، وتفريغ كاميرات الموقف، وتقرير الجنائيات بوجود شواهد قطعية على محاولة طمس .. يُجدد حبس المتهم الأول والمتهمة الثانية 15 يوماً على ذمة التحقيق، وإحالة القضية بشكل عاجل لمحكمة بتهمة الشروع في العمد مقترن بالاحتجاز .»
الصرخة اللي طلعت من سهير أركان المكتب وهي بتقع على الأرض، ومدحت بقى يلطم على وشه وزي العيل الصغير والعساكر بتسحبهم لبره بالقوة.




