
دخلت القاعدة الجوية الجديدة متخفية، لابسة بدلة طيران من غير أي رتبة أو اسم أو علامة تدل على هويتي… لكن أول ما وصلت، الرقيب أول كريم البدري مسكني من شعري، وفضل يهيني قدام رجاله، وبعدها أمر الشرطة العسكرية إنها تكلبشني وتطلعني بره.
كان فاكر إنه بيخرس واحدة مالهاش لازمة.
لكن بعد يومين بس، كان واقف زي التمثال، بيأدي التحية العسكرية لنفس الست اللي أهانها قدام الكل… وهي بتتقدم قدام الصف باعتبارها العقيد الجديد المسؤول عن القاعدة كلها.
كان الهانجر ريحته مليانة سولار طيارات، وحديد محروق، وعرق رجالة اشتغلوا طول الليل. أصوات المحركات والأدوات كانت عالية لدرجة إن الواحد كان لازم يزعق عشان يتسمع.
كنت واقفة قدام طيارة مقاتلة من طراز ميج-29، بفحص الجزء السفلي منها وبسلط الكشاف على مجموعة أسلاك الفرامل.
فجأة صوت خشن شق دوشة المكان.
“إبعدي إيدك عن الطيارة يا ست هبلة!”
ما اتحركتش.
فضلت ماسكة الكشاف في إيدي، وعيني ثابتة على سلك الأمان الرئيسي بتاع الفرامل.
السلك كان راكب بالعكس.
غلطة صغيرة في شكلها، لكن ممكن تتسبب في كارثة حقيقية وقت الهبوط… كارثة يموت فيها طيار وممكن تتحول لمجزرة.
اسمي العقيد مريم الشاذلي.
بعد تمنتاشر سنة قضيتهم في الطيران والمهام العسكرية الصعبة، إصابة أجبرتني أسيب الكابينة، لكن عمري ما سبت خدمتي ولا طموحي.
كنت لسه ببدأ مرحلة جديدة في مسيرتي العسكرية، وكنت متكلفة بقيادة القاعدة الجوية دي.
لكن قبل ما أستلم رسمي، قررت أشوف المكان بنفسي.
من غير رتبة على كتفي.
من غير اسم مكتوب على صدري.
ومن غير ما حد يعرف أنا مين.
كنت عايزة أعرف الحقيقة قبل ما الناس تبدأ تتصرف قدامي بشكل مختلف لمجرد إني القائد الجديد.
صوت جزم تقيلة خبط على السلم الحديد اللي ورايا.
“إنتي طرشة؟”
استدرت ببطء.
إيد كبيرة قبضت فجأة على كتفي المصاب ولفتني بعنف.
قدامي كان واقف الرقيب أول كريم البدري، وشه مليان ثقة وغرور واحد متعود إن محدش يراجعه في مكانه.
بصلي من فوق لتحت، وقال باحتقار:
“دي منطقة ممنوع الدخول فيها يا مدنية. مين سمحلك تلمسي الطيارة بتاعتي؟”
بصيت من وراه ناحية الطيارة.
وقلت بهدوء:
“الطيارة دي مينفعش تطلع الخدمة بالحالة دي. مين اللي راجع تركيب أسلاك الفرامل؟”
لأول مرة، تعبير وشه اتغير.
سكت.
لأنه عارف.
كان عارف بالضبط أنا بتكلم عن إيه.
تقارير الجودة والصيانة فيها توقيعات مش واضحة، وفيه طيارات اتعدت في الفحص رغم وجود أخطاء خطيرة.
واللي قدامي ماكانش مجرد إهمال عادي.
كان فيه ناس بتعدي حاجات ممكن تودي بحياة طيارين.
وأنا، من أول يوم دخلت فيه القاعدة، لقيت دليل مادي بإيدي.
كريم قرب مني خطوة.
وبعدين مد إيده فجأة، مسكني من ورا شعري وشد راسي لورا بعنف.
الرجالة اللي حواليه انفجروا في الضحك.
قال وهو بيهمس في ودني:
“دي طيارتي أنا اللي بقرر تطلع ولا لأ. مش إنتي اللي جاية تعملي فيها خبيرة. اخرجي من هنا دلوقتي، وإلا هطلعك متكلبشة.”
زقني ناحية الطيارة.
جسمي كله شد من الغضب.
كتفي المصاب وجعني، لكني ما بينتش أي حاجة.
عدلت ياقة البدلة بتاعتي، وبصيت في عينه مباشرة.
وقلت بهدوء شديد:
“تمام… اتسجل عندي.”
وبعدين رفعت الكاميرا الصغيرة اللي كانت في إيدي.
كليك.
صورة وش كريم البدري.
كليك.
صورة سلك الفرامل المركب غلط.
كليك.
صورة توقيع الصيانة المشكوك فيه.
الضحك اختفى فجأة.
المكان كله سكت.
الرقيب أول عبد الرحمن فهمي، اللي كان واقف بعيد بيتابع اللي بيحصل، بدأ يبصلي بطريقة مختلفة.
كان راجل قضى أكتر من خمسة وعشرين سنة وسط الطيارات العسكرية، وشاف رجالة كتير بتدخل الهانجر وتخرج منه.
وعارف كويس الفرق بين واحدة خايفة وبتتمنى تخلص، وواحدة داخلة وهي عارفة هي بتعمل إيه.
قال لنفسه بصوت واطي:
“دي مش جاية تصلح حاجة عادية…”
كريم اتحرك بسرعة ناحية كبير المهندسين، المقدم حسام مراد، وقال له بصوت متوتر:
“هي بتصور حاجات مش موجودة في التقارير يا فندم… بتوثق التوقيعات الوهمية.”
وبدأ يهمس له بكلام سريع.
كان عايز يخرجني من المكان قبل ما حد يسأل أسئلة أكتر.
وبعد دقائق قليلة، صوت عربيات الشرطة العسكرية دوى جوه القاعدة.
عربيتين دخلوا بسرعة، والرجالة نزلوا منها واتجهوا ناحيتي.
كريم أشار عليا بإيده.
“هي دي! دي كانت بتحاول تعبث في الطيارة وتهدد سلامة التشغيل!”
بصيت له.
وبعدين بصيت للضباط اللي قربوا مني.
ما قاومتش.
نزلت الكشاف من إيدي بهدوء، والضابط المسؤول مد إيده عشان ياخد الكاميرا.
كريم كان واقف وراهم مبتسم ابتسامة انتصار.
كان فاكر إنه خلص مني.
فاكر إن واحدة من غير رتبة، ومن غير اسم معروف، سهل جدًا تتسحب من مكان زي ده وتتدفن الحقيقة معاها.
لكن اللي ماكانش يعرفه إن كل كلمة قالها، وكل تهديد وجههولي، وكل كذبة حاول يثبتها… كانت بتتحول في اللحظة دي لدليل ضده.
الضابط خد الكاميرا من إيدي.
وبعدين مسك معصمي.
صوت الكلبش وهو بيتقفل حوالين إيدي كان واضح وسط الصمت.
كليك.
كريم ابتسم أكتر.
أما أنا، فبصيت له للمرة الأخيرة.
لأني كنت عارفة حاجة هو مايعرفهاش.
بعد يومين بالضبط…
نفس الراجل اللي كان ماسك شعري قدام رجاله، هيقف في طابور عسكري طويل، لابس بدلته المكوية، وظهره مستقيم، وعينه قدامه.
وهيؤدي التحية العسكرية.
للعقيد مريم الشاذلي.
الست اللي كان فاكرها واحدة مالهاش قيمة.
لكن قبل ما اليوم ده يوصل…
كان لازم أعرف مين اللي بيحاول يدفن أسرار القاعدة دي.
وليه كريم البدري كان مستعد يعمل أي حاجة عشان يمنعني من الوصول للحقيقة.
عربيات الشرطة العسكرية اتحركت بيا وسط غبار القاعدة، والكلبشات كانت باردة ومقفولة بعنف على معصمي. الضابط اللي قاعد جنبي كان بيبصلي بنظرة شك واستغراب من هدوئي المريب؛ ما صرختش، ما قاومتش، وما قلتش “أنا مين”. القوة الحقيقية مش إنك تزعق وتثبت وجودك في لحظة غضب، القوة إنك تسيب عدوك يندفع للهاوية وهو كامل الثقة إنه كسب المعركة.
في مكتب الاحتجاز المؤقت، كان كريم البدري فاكر إنه ردم على القصة كلها. خد الكاميرا وسلّمها للمقدم حسام مراد، وكانوا متأكدين إن الكاميرا هتتمسح، والتقرير هيتكتب فيه إن “مواطنة مدنية مجهولة حاولت العبث بطائرة مقاتلة”. لكن اللي ما يعملوش حسابه إن الكاميرا دي ما كانتش بتسجل على كارت ذاكرة عادي، دي كانت مربوطة بشبكة المراقبة المشفرة التابعة للقيادة العامة رأسًا، وكل لقطة، وكل صوت، كان بيتوثق لحظة بلحظة في السيرفر المركزي.
بعد ساعتين، دخل عليا مكتب الاحتجاز الرقيب أول عبد الرحمن فهمي. كان ماسك في إيده كوباية شاي وصينية صفيح. بصل للضابط المسؤول وطلب منه يسيبنا لوحدنا. قعد قدامي على الكرسي الخشب، حط الكوباية بشويش، وبصلي بنظرة محملة بخبرة خمسة وعشرين سنة خدمة وقال بصوت واطي:
“اللي زيك مش شكل حد جاي يخرب ولا يعمل سبوبة يا أستاذة.. اللي في عينك دي مش نظرة واحدة خايفة من الكلبش، دي نظرة قائد بيفحص ميدان معركة.”
ابتسمت ابتسامة خفيفة وقلت له بنبرة هادية وثابتة:
“سجل كل حاجة شفتها النهاردة يا عبد الرحمن، وخلي عينك على طيارة الميج-29 لحد الصبح.. المفسد لما بيطمن، بيكشف كل ورقه وهو فاكر إن محدش شايفه.”
عبد الرحمن سكت، وسحب نفس طويل وضرب تعظيم سلام خفيف وهو طالع، لأنه فهم إن القاعدة دي على وشك زلزال يغير كل حاجة.
بعد 48 ساعة بالتمام والكمال…
كانت الشمس طالعة ساطعة فوق مدرج الطيران الرئيسي. القاعدة كلها واقفة في طابور العرض العام، المئات من الضباط، وصف الضباط، والجنود، واقفين زوايا قائمة بالبدل الرسمية المكوية، والبيادق بتبرق تحت الشمس.
كريم البدري كان واقف في الصف الأول لرجال الصيانة، صدره مشدود، ووشه مليان غرور وثقة. كان شايف إنه أثبت قوته، وإن الهانجر بقى ملكه تمامًا بعد ما أبعد المخاطر. جنبه المقدم حسام مراد بيعدل كابه وعينه متوترة، لكنه بيحاول يبان هادي ومسيطر.
فجأة، دوى صوت اللاسلكي في كل أنحاء القاعدة بصوت جاف وجهوري:
“انتباه! وصول سيارة السيد قائد القاعدة الجوية الجديد!”
المكان كله سكت، والصمت بقى أتقل من صوت محركات الطيارات. عربيتين حراسة سودا دخلوا المدرج ببطء وهيبة، ووراهم العربية الرئاسية. وقفت العربية عند منصة القيادة، ونزل منها حرس الشرف بخطوة عسكرية منتظمة عشان يفتحوا الباب.




