روايات وقصص

ابويا رماني لاخطر راجل عشان يسدد ديونة

خايف من حاجة أنا عارفاها وممكن أقولها.

رفعت عيني وبصيت لياسين المنشاوي مباشرة.

ولأول مرة في حياتي، قلت الجملة اللي أهلي قضوا سنين وهم بيخوفوني منها: “أبويا كان بيأذيني طول الوقت.”

ياسين ماتفوهش بكلمة.

لكن كل الرجالة اللي وراه اتحركوا في نفس اللحظة.

أبويا رجع لورا وهو بيقول بسرعة: “ياسين… هي بتكدب!”

ياسين بهدوء خلع الجاكت بتاعه.

وقرّب مني وحطه على كتافي.

وبعدين لف ناحية أبويا وأخويا.

في اللحظة دي، الراجل اللي دخل المخزن علشان ياخد حقه منهم اختفى.

والراجل اللي ظهر مكانه… كان أخطر بكتير.

واللي حصل بعد كده كان كفيل يغيّر حياة نور كلها.

#انجي_الخطيب

النظرة اللي كانت في عين ياسين في اللحظة دي مكنتش نظرة راجل زعلان على فلوسه، دي كانت نظرة حوت بيستعد يبلع كل حاجة قدامه بدم بارد. خطى خطوتين ناحية أبويا، وصوت جزمته وهو بيمشي على الأرض الخرسانية المبلولة كان طالع زي دقات ساعة الموت. المطر بره كان بيزيد وصوته على الصاج بقى يرعب، بس الهدوء الجواني جوه المخزن كان أرعب بمراحل.

أبويا بدأ يرجع لورا لحد ما ظهره خبط في رف حديد، وكريم أخويا كان واقف جنبه وشه اتقلب أزرق، ركبه كانت بتخبط في بعضها ومش قادر يثبت.

ياسين وقف قدام أبويا بالضبط، بينه وبينه شبر واحد، ووطى صوته لدرجة الهمس بس كان مسموع لكل المخزن: “أنا طوال عمري في السوق ده شفت حرامية، وشفت نصابين، وشفت ناس بتبيع أقرب ماليهم علشان القرش… بس عمر ما عدى عليا راجل يبيع بنته ويستغلها، فوق كل ده يمد إيده عليها.”

أبويا حاول يجمع بقايا شجاعته وبلع ريقه بصعوبة: “يا ياسين بيه… دي متخلفة ومريضة نفسي، والله العظيم بتتبلى عليا! الفلوس معاها هي، اسألها عن الأرقام هي اللي ماسكة السيستم!”

ياسين ماردش عليه.. رفع إيده ببطء شديد، وحط كفه على رقبة أبويا من ورا، وضغط ضغطة خفيفة خليت أبويا يتنفس بالعافية. بص له في عينه وقاله بنفس النبرة الهادية اللي تجيب جلطة: “الـ ١٤٥ مليون اللي إنت سرقتهم؟ دول هيرجعوا… قرش ينطح قرش. بس حساب نور؟ ده مالوش ثمن عندي. إنت فاكر إنك لما تسلمهالي ضمان هفهم إنها المتهمة؟ إنت جبتها هنا علشان كنت فاكرني هخلصك منها وهقتلها أو هرميها في الشمس وأنسى الحقيقة… صح؟”

كريم أخويا اتكلم بصوت مهزوز وبيحاول يصرخ: “إنت مش فاهم حاجة! دي بتدمر العيلة! دي—”

قبل ما يكمل كلمته، واحد من رجالة ياسين الضخام اللي كانوا واقفين ورا نزل بكف إيده على وش كريم. الصوت كان زي ضربة نار، وكريم وقع على الأرض حاطط إيده على وشه وبيئن ويبكي زي الأطفال.

أنا انتفضت جوه الجاكت بتاع ياسين، وريحة البرفان العود القوية اللي فيه كانت مالية مناخيري ومخلياني حاسة بأمان غريب، أمان عمر البيت اللي اتولدت فيه ما وراهولي.

ياسين مالفتش حتى يبص لكريم وهو بيقع، فضلت عينه في عين أبويا وقال: “حسن… الشركة بتاعتك من اللحظة دي تحت الحراسة. و١١ مورد اللي إنت فتحت حسابات بأسمائهم؟ رجالتي جابوا أوراقهم كلهم من ساعتين. عارف يعني إيه؟ يعني التزوير لابسكم إنت وابنك من ساسكم لراسكم.”

أبويا عينيه اتوسعت من الصدمة، ورجليه مقتش شايلاه، كان هينزل على الأرض لولا مسكة ياسين لرقبته.

ياسين سابه فجأة فجسم أبويا اترمى على الأرض جنب كريم. ياسين طلع منديل قماش أبيض من جيبه، وبدأ يمسح صوابعه بهدوء وكأن إيده اتلوث لما لمس أبويا، وبعدين رمى المنديل فوق أبويا وقال لرجالته: “المزرعة اللي في برج العرب… خدوا الاتنين دول هناك. مش عايز أسمع صوتهم، ولا عايز حد يعرف طريقهم لحد ما المراجعين يخلصوا شغلهم ويحولوا الملف للنيابة بأسماء التزوير والسرقة اللي عملوها. ولو واحد فيهم حاول يرفع عينه… اتصرفوا.”

الرجالة قربوا بسرعة وسحبوا أبويا وأخويا من أيديهم وزقوهم لبره المخزن. أبويا كان بيبصلي بنظرة رجاء خايبة، وكريم كان بيعيط وبيصرخ باسمي: “نور! قولي له حاجة يا نور! قولي له الحقيقة!”

بس أنا ماردتش… غمضت عيني، ولأول مرة في حياتي مكنتش حاسة بذنب.. كان فيه جبل اتزاح من على صدري.

صوت عربيات رجالة ياسين وهي بتقوم بره كان بيقل بالتدريج، لحد ما المطر بس هو اللي يفضل مالي المكان.

رجعت فتحت عيني، لقيت ياسين واقف قدامي. وشه الخطر المرعب ده اتغير تمامًا، بقى فيه هدوء غريب. نزل على ركبته تاني قصادي عشان يبقى في نفس مستوى نظري، وبص لكف إيدي المجروح اللي كان لسه بينزل دم على الأرض الساقعة.

طلّع من جيبه الداخلي شاش وأنبوبة مرهم نضاف، وسألني بصوت حنين جدًا، صدمة تانية بالنسبة لي: “بيوجعك؟”

هزيت رأسي بـ “لأ”، وأنا حاسة إن صوتي ضايع.

أخد إيدي المجروحة بالراحة، بلمسة خفيفة أكنه خايف يكسر حاجة زجاج، وبدأ ينضف الجرح بشويش. الدموع نزلت من عيني من غير صوت.

بصلي وقال بصوت واطي: “اللي فات خلاص خلص يا نور. طول ما إنتِ هنا… محدش في الدنيا كلها هيقدر يلمسك، ولا يرفع صوته عليكِ تاني.”

مسكت أطراف الجاكت بتاعه وقربته مني وأنا بترعش، وقلت بصوت مكسور: “أنا معملتش حاجة غلط…”

ابتسم ابتسامة خفيفة وصادقة لأول مرة، وقال وهو بيلف الشاش على إيدي: “عارف… وعشان كده إنتِ من النهاردة مش الضمانة، إنتِ صاحبة المكان.”

الكلام طالع من بقه وزي ما يكون بيمسح بيه سنين طويلة من القهر والخوف. عينيه مكنتش بتفارق عيني، ويديه كانت بتمسك كف إيدي بمنتهى الحرص وكأنه خايف الجرح يفتح تاني، أو خايف أنا اللي أتكسر.

السكوت رجع ساد المخزن، بس المرة دي مكنش سكوت يخوف.. كان سكوت عامل زي الاستراحة بعد حرب طاحنة. صوت المطر بره كان لسه بيخبط على الصاج، بس بقى نغمة هادية بتغسل كل القسوة اللي شهدها المكان ده من دقائق.

وقف ياسين وبصلي، ومد إيده ليا: “تقدرى تقومي؟”

بصيت لإيده المبسوطة قدامي. طول عمري كانت الإيدين اللي بتتمد لي يا إما عشان تتسرع في وشي بضربة، يا إما عشان تشاور عليا بالتهمة. دي كانت أول إيد بتتمد عشان تقومني.

حطيت إيدي السليمة في إيده.. كانت دافية وجامدة. رفعت نفسي بالعافية، ورجليا الصغيرين الحافيين لمسوا الأرض الساقعة، بس الجاكت بتاعه اللي كان ملفوف حوليا كان مخليني مش حاسة بالبرد.

مشى جنبي ببطء عشان يربط خطوته بخطوتي المهزوزة. طلعنا من المخزن، والسيارة السودا الضخمة بتاعته كانت واقفة بره والباب مفتوح. السواق نزل بسرعة وفتح الباب الخلفي ورجع لورا بحزام من الاحترام والرهبة.

ركبت، وهو ركب جنبي وسد الباب. أول ما الباب اتقفل، التكييف الدافئ وصوت المطر الخفيف على الزجاج عزلو الأحداث كأنها كابوس وانتهى.

السيارة تحركت ببطء في الطرق المبلولة على أطراف إسكندرية. أنا كنت باصة من الشباك، بشوف أضواء الشوارع الضبابية وهي بتجري. أفكاري كانت زحمة بشكل مش طبيعي.. أبويا، كريم، الفواتير، الـ ١٤٥ مليون، وحياتي اللي اتقلبت في رأسها على عقب في أقل من ساعة.

ياسين كان ساكت، سايبني أستوعب. بس فجأة سمعت صوت حركة خفيفة، لقيته بيناولني أزازة مية وعلبة صغيرة فيها قطعة شيكولاتة.

بصيت له باستغراب.

قال وهو بيصلح كُم قميصه بهدوء: “سكرك واطي ووشك أصفر. كلي دي وما تتكلميش خالص لحد ما نوصل.”

أخدت منه الحفنة بالراحة. صوابعي كانت لسه بتترعش. أكلت حتة الشيكولاتة وأنا باصة لبره، والدموع اللي كنت حابساها طول الطريق بدأت تنزل ببطء ومن غير صوت. مكنتش دموع وجع.. كانت دموع استيعاب إن الكابوس خلاص، وأن السجن اللي كنت عايشة فيه تحت مسمى “عيلة” اتهدم بالكامل.

بعد حوالي ساعة، العربية دخلت من بوابات حديد ضخمة، ومشيت في طريق مفروش بالحصى بين شجر كتير، لحد ما وقفت قدام قصر قديم وراقي في منطقة كينج مريوط.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى