
ابعتوا البت الفقيرة البسيطة دي لأدهم بيه، خلوها تعرف حجمها لما يطردها ويرفضها!.. قعدوا يضحكوا ويتطنزوا عليها.. لحد ما الملياردير وقف على حيله وعمل اللي محدش يتوقعه بالمرة! الضحك والمسخرة بدأوا قبل ما مريم توصل لنص القاعة. مئات الأنوار الذهبية كانت بتلمع على الرخام الفخم في فندق النيل هيلتون في قلب القاهرة. الضيوف كانوا لابسين بدل وفساتين بألوفات الملايين، أغلى من كل اللي بتكسبه في سنين حياتها.
مريم، البنت صاحبة الـ 26 سنة، كانت ماشية وسطهم وهي ماسكة صينية بإيدين بترتعش. لابسة فستان بني دبلان، كارديجان بسيط أوي، وجزمة مصلحاها من ليلة إمبارح.
ابعتوا الفقيرة البسيطة دي لأدهم بيه، واحدة من الهوانم قالتها بلؤم؛ عشان تتعلم وتعرف يعني إيه تترفض وتتكسر!
الضحكات العالية انتشرت في القاعة كلها.
مريم حست بنار طالعة في وشها، بس كملت مشي. كانت محتاجة الشغلانة واليومية دي أوي النهاردة بالذات. في بيتها، أخوها الصغير أحمد محتاج علاج للقلب ومش كأنت قادرة تشتري بقيته.
من يوم ما أمها ماتت وأبوها اختفى، مريم بقت هي الأم والأخت والطباخة واللي شايلة البيت كله. بتشتغل الصبح تنضف مكاتب في التجمع، وبالليل تقف على حيلها تخدم في مطعم.
ساعات كتير الثلاجة كانت بتفضي قبل نص الأسبوع، ومريم كانت بتقول لأخوها إنها شبعانة ومش جيعانة عشان يفضل أكل لأحمد وياكل هو.
الفستان البني اللي كانت لابسه ده كان بتاع أمها المرحومة. دبلان وقديم، بس كان الحيلة الوحيدة المناسبة اللي حيلتها عشان تنزل بيها شغلانة جالا الفندق.
وكان عندها ندبة صغيرة على خدها الشمال، معلمة فيها من حادثة وهي صغيرة. وطول عمرها اتعودت توطي راسها لتحت عشان تخبيها من عين الناس.
بس اللي يقرّب من مريم ويكلمها بجد، كان بيشوف روح ثانية خالص. مريم بتفتكر أعياد ميلاد جيرانها، بتودي أكل لست كبيرة غلبانة في العمارة، وبتدعم زمايلها في الشغل.
كانت جاية الفندق كعمالة مؤقتة في الحفل السنوي لمؤسسة الشافعي الخيرية، اللي بتعالج المرضى.
صاحب المؤسسة كان أدهم الشافعي، رجل أعمال عنده 34 سنة، عمل أكبر منصة تكنولوجية في الوطن العربي كله، وأسس الجمعية دي على روح أمه.
مريم مكنش يعرف عنه كتير. بالنسبة لها هو مجرد ضيف غني من اللي بتخدم عليهم وتخيل بالها مادلقتش نقطة عصير على هدومهم.
بس كل حاجة اتقلبت لما نادين، المنسقة بتاعة الحفلة، جابتها عند مدخل الصالة.
نادين كانت طول الليل بتحاول تقرب أدهم من نورهان، بنت واحد من أكبر المستثمرين في الشركة. بس أدهم كان رافض تماماً يتربط بيها أو يتعامل معاها.
نورهان اتغاظت وجابتها في بالها لعبة خبيثة.
طالما مبيفكرش فيا، تعالوا نشوف هيعمل إيه لما نبعت له العاملة دي! نورهان اقترحت كده بغل.
نادين نادت على مريم:
شيلي كاس العصير ده ووديه للتربيزة الرئيسية.
التربيزة دي خلاص اتخدم عليها يا فندم.
متناقشينيش! امشي لأدهم بيه وقولي له إن الضيوف اختاروا إنكِ تقدمي له العصير بنفسكِ.
مريم افتكرتها بتتكبر وبتهزر:
أنا جاية أشتغل هنا، مش جاية أهزر!
لو رفضتِ، مفيش جنيه واحد يومية هتاخديه النهاردة، وهضمن إن مفيش شركة بوفيه ولا حفل يطيق يشغلكِ في مصر كلها!
مريم عصرت إيدها على الصينية بانكسار:
أنا محتاجة الفلوس بجد..
يبقى انزلي واعملي لنا جو نضحك عليه شوية!
وهي ماشية في السكة، الكلام والتلقيح بدأ من كل ناحية:
دي شكلها محيلتهاش حق الجزمة اللي لابساها!
أدهم بيه هيرميها برة القاعة قبل ما تنطق اسم حتى.
شوفوا الندبة اللي في وشها.. مين اللي مدخل دي هنا أصلاً؟
مريم كانت سامعة كل كلمة بتتقال، وحاسة بغصة بتقطع جوة قلبها.
لما قربت من التربيزة الرئيسية بخطوات، وقفت مكانها. إيديها كانت بترتعش لدرجة إن الكاسات كانت بتخبط في بعضها على الصينية.
كان نفسها تجري وتطلع برة، بس افتكرت أحمد أخوها وهو بيقسم الشريط عشان يكفيه أيام زيادة. مكنش ينفع تضيع اليومية دي.
أدهم الشافعي كان قاعد في آخر التربيزة. مكنش بيضحك مع اللي بيضحكوا. كان باصص لها بنظرة محدش قدر يفهمها ولا يفسرها.
مريم وطت راسها في الأرض بانكسار:
أدهم بيه.. هما أمرين أقول لحضرتك…
متكمليش ومش محتاجة تقولي حاجة، أدهم قاطعها بصوت هادي.
أدهم وقف على حيله، قرب منها، وأخد الصينية من إيدها بكل حنية وأدب.
اسمكِ إيه؟
مريم.. مريم الفولي.
يا مريم.. أنا بعتذر لكِ بجد.
رفعت عينها بصدمة وذهول:
حضرتكِ عملت إيه؟
أنا صاحب الحفلة، وأنا اللي سمحت لكِ تدخلي مكان فيه ناس فاكرة إن كسر خاطر البني آدم وإهانته مادة للترفيه!
نورهان طلعت منها ضحكة صفراء ونرفزة:
أدهم بيه! دي كانت مجرد هزار وفرفشة!
أدهم لف وشّه للقاعة كلها وبص لهم بقسوة شديدة:
هزار؟! وإيه بالضبط اللي يضحك في الموضوع؟ فستانها؟ شغلها الشريف؟ ولا إنها محتاجة القرشين اللي أنتوا استغليتوهم عشان تذلوها بيهم؟
الصالة كلها بقت هادية زي المقابر، ومفيش نفس طالع.
أدهم كان شايف مريم من ساعة وهي بتدي وجبتها الخاصة لعم عبده، الراجل العجوز اللي شغال في المطبخ ومكنش أكل طول اليوم. وشافها كمان وهي بتهدي عيل صغير تايه لحد ما وصلته لأمه.
في الوقت اللي فيه ناس واقفة تتصور عشان تتباهى إنها حاضرة جالا خيرية، هي كانت بتساعد من قلبها ومن غير ما تستنى كلمة شكر من حد. أدهم كمل بصوت هز المكان: “البنت دي في ليلة واحدة أظهرت كرامة ورقي أكتر من اللي عند معظمكم في حياته كلها!”
مريم مقدرتش تمسك دموعها.. نزلوا بحرقة. مفيش حد في حياتها كلها دافع عنها بالطريقة دي قبل كده!
نورهان وقفت وشها أصفر من الغل والغيظ:
قبل ما تعملهالي القديسة الشريفة، فتشوا جيوبها الأول!
قصدكِ إيه؟ أدهم سأل بحدة.
نورهان رفعت إيدها:
الانسيال الألماس بتاعي اختفى من أيدي من دقايق! والبنت دي خبطت فيا جنب سفرة العصاير بالضبط!
نادين نادت على الأمن فوراً:
فتشوا المريلة بتاعتها!
مريم رجعت لورا برعب:



