
عدت الشهور وسنة ورا سنة.. ونور بدأت تكبر. المتابعة الطبية كانت شاقة، وكان فيه أيام صعبة وبكاء وعلاج طبيعي، بس كل ما كان اليأس يدخل قلبنا، كنا بنفتكر الليلة دي.. الليلة اللي يوسف قرر فيها يبنى حيطة حماية لأخته.
وفي يوم، نور كانت كملت سنتين، كنا قاعدين في الصالة بنحاول نخليها تقف على حيلها. كريم كان ماسك إيدها وهي خايفة ومش راضية تحط رجلها على الأرض.
يوسف قعد على الأرض قدامها على بعد خطوات، وفتح إيديه الاتنين وقال لها بنفس النبرة الهادية اللي سمعتها منه بالليل من سنتين: “تعالي يا نور.. ماتخافيش، أنا هنا.. مش هسيبك تقعي.”
نور بصت له، ولأول مرة تسيب إيد كريم، وتاخد خطوة.. وبعدها خطوة تانية، لحد ما اترمت في حضن أخوها.
وقتها بس عرفت إن السر اللي عرفه يوسف ليلة المستشفى ما كانش محاولة لحمايتها بس.. ده كان أول حجر في سور حب مالوش نهاية، حب كان أقوى من أي تشخيص دكاترة أو كلام على ورق.
تمر السنين، ونور كبرت وبقت في سنة أولى ابتدائي.
كانت المتابعة الطبية والعلاج الطبيعي جزء من روتين حياتنا اليومية، وعلى قد ما الفحوصات كانت بتقول إن حركتها هتفضل أبطأ شوية من باقي الأطفال في سنها، على قد ما كانت ضحكتها بتملا البيت دفء وأمل.
في صباح يوم أول يوم مدرسي لنور، البيت كان عبارة عن طوارئ جميلة. كريم بيحضر الشنتة، وأنا بحاول أظبط لها شعرها، ونور واقفة قدام المراية بلبس المدرسة الجديد، عينيها بتلمع بفرحة خايف يتخللها قلق.
يوسف كان في أولى إعدادي، طول شوية وصوته بدأ يتغير، بس عينيه لنور هي هي نفس النظرة من أول يوم شافها فيه في المستشفى. دخل الأوضة وهو بيلبس شنطته، وقرب منها، ووطى لمستواها وقال بصوت هادي: “إيه الحلاوة دي كلها؟ إيه ده، دي أحلى طالبة في المدرسة النهاردة!”
ابتسمت نور بس كسوفها غلبها وقالت بصوت واطي: “يوسف.. أنا خايفة. البنات في الفصل لو شافوني وأنا بمشي بالراحة هيضحكوا عليا؟”
يوسف بص لها بثقة وبدون أي تردد، حط إيده على كتفها الصغير وقال: “اللي يقرب منك أو يضايقك بكلمة، بس قوليلي.. وأنا في بريك المدرسة هكون واقف عند باب فصلك. وبعدين أنتِ مش بطيئة، أنتِ بتمشي بروقان، والملكات دايماً بيمشوا بروقان!”
ضحكت نور بصوت عالي، والخوف اللي في عينيها أختفى في ثواني.
وصلنا المدرسة، ومسكت نور إيد يوسف وهي داخلة من الباب الكبيرة. كريم وأنا كنا واقفين برة بنتفرج عليهم والدموع في عينينا. شفنا يوسف وهو موصلها لحد باب فصلها، بيشاور لها وبيطمنها قبل ما يروح لمبنى الإعدادي.
الواقع ما كانش وردي طول الوقت، طبعاً كان فيه أيام نور ترجع فيها متضايقة أو تعبانة من التمارين، وأيام كريم وأنا بنحس بالضغط والتعب.. بس في كل مرة كان البيت بيعدي الأزمة، مش بقوة العلاج ولا بنصائح الدكاترة بس، لكن بالرباط الغريب اللي بين يوسف ونور.
في ليلة من ليالي الشتا، وأنا معدية من جنب أوضة نور، سمعت صوت دندنة خفيفة جاي من جوة.
وقفت عند الباب بالراحة وبصيت من الفتحة الصغير. نور كانت قاعدة على المكتب بتحل واجبها، ويوسف قاعد جنبها بيساعدها، وكان بيغني لها نفس الأغنية الصغير اللي كان بيغنيها لها وهو عنده سبع سنين وهي رضيعة في السرير.
نور بصت له وقالت: “يوسف.. هو أنت ليه دايماً جنبي؟”
يوسف ابتسم ورتب على شعرها وقال: “عشان أنا أخوكي الكبير يا نور.. وعشان أنا وعدتك من زمان، وأنا مش بخلف وعدي أبداً.”
ابتسمت في الضلمة وأنا واقفة عند الباب، وحمدت ربنا على الليلة اللي صحيت فيها الساعة اتنين بعد نص الليل وسمعته بيهمس لها.. الليلة اللي افتكرتها بداية كابوس، وكانت في الحقيقة بداية أجمّل قصة حب وسند بين أخ وأخته.
مرّت الأيام والجري بين المدارس، وجلسات العلاج الطبيعي، والمستشفيات، لحد ما الجهود والدموع اللي أتسالت على مدار سنين بدأت تجيب ثمرتها.
نور مابقتش بس البنت الصغنونة اللي بتتحدّى التعب، دي بقت الصبية المبتسمة اللي بتبهر كل اللي حواليها بإرادتها. ورغم إن خطوتها كانت لسه فيها ثقل بسيط، إلا إن ثقتها بنفسها كانت بتغطي على أي حاجة.
وفي يوم حفلة تخرج يوسف من كلية الطب…




