روايات وقصص

ابني وسرير اختة

يوسف هَز راسه بنفي قاطع، ودمعة نزلت من عينه بلت صباعي، وقال بصوت مكتوم كأنه خايف حد يلقطه: “محدش قاللي يا ماما.. أنا سمعت. يوم ما كنتوا في المستشفى ونور كانت في الحضانة، أنتِ كنتِ بتعيطي جوه، وبابا كان واقف في الممر مع الدكتور اللي ببنطالون أزرق.. أنا كنت مستخبي ورا كراسي الانتظار، سمعت الدكتور وبيقول لبابا إن نور ممكن ما تمشيش على رجليها لما تكبر، وإن قلبها ضعيف وممكن يجرالها حاجة في أي وقت لو زعلت أو خافت.. بابا قعد على الأرض وعيط، وقال للدكتور: أوعى تقول لليلى مراتي، وأوعى يوسف يعرف حاجة عشان ما ينكسرش!”

الكلمات نزلت عليا زي المطرقة، أتقطع نفسي وقدرتي على الكلام اتفلتت مني. الكلام ده حصل فعلاً.. في الممر الضيق جنب أوضة العناية المركزة للحديثين الولادة، أنا وكريم كنا فاكرين إن يوسف مع خالته في الكافتيريا تحت!

يوسف كمل وهو بيشهق، ومسك إيدي وحطها على صدره: “أنا خفت أقولك تزعلي يا ماما.. وخفت أقول لبابا يعرف إني سمعت. ومن يومها وأنا كل يوم بالليل بجي أقعد تحت سريرها عشان أسمع نفسها.. أنا مش بكلمها بكلام يا ماما، أنا ببص في عينها وهي صاحية وبقولها في سري: ماتخافيش، أنا رجلي هتشيلك لما تكبرين، ومش هخلي حد يزعلك أبداً عشان قلبك ما يوجعكيش.. وهي كانت بتبصلي وتسكت، كأنها فاهماني وبتقولي ماشي!”

الغموض اللي كان خنقني يتحول لكسرة قلب ما تتوصفش. الولد السبع سنين شايل هم جبل على كتفه الصغير بقاله أسبوعين، كاتم السر في قلبه، بينام على الأرض الساقعة تحت سرير أخته عشان بس يطمن إن نفسها طالع ونازل، وبيهمس لها بالليل عشان يثبت لها إنه جنبها وما يتخليش عنها.

الباب اتفتح ببطء وصوت كركرة أويمة الباب عملت نغمة خفيفة في الهدوء، كريم كان واقف على الباب، عينيه مغلولة بالنوم بس أول ما شافنا وقافين ونظراتنا، خشب في مكانه.

“ليلى؟ في إيه؟ نور جرى لها حاجة؟” كريم قرب بسرعة وهو بيفرك عينيه.

أنا ما قدرتش أرد، الدموع كانت نازلة على وشي بسكوت تام، يوسف استخبى ورا ضهري وهو حاطط إيده على بوقه. بصيت لكريم وقلت له بصوت مجروح: “ابنك عارف يا كريم.. ابنك شايل السر من يوم المستشفى، نايم تحت السرير بقاله أسبوعين عشان يحمي قلب أخته!”

كريم اتسمر، نظرته اتغيرت من الخوف للذهول، وبص ليوسف اللي طالع من ورا ضهري بخوف. كريم نزل على الأرض، وقعد على كعب رجله وفتح إيديه الاتنين ليوسف. يوسف جري عليه واترمى في حضنه وبدأ يعيط بصوت عالي لأول مرة، يعيط عياط طفل أخيرًا اتفك الخوف من على قلبه.

كريم حضنه بكسرة وطبع بوسة طويلة على راسه وهو بيعيط معاه: “يا حبيبي يا بني.. حقك عليا، حقك عليا يا يوسف.. أنا آسف إني شيلتك الهم ده، أنت راجل البيت يا يوسف.. أنت سند أختك بجد.”

في اللحظة دي، نور أصدرت صوت مناغاة خفيف من السرير، زي ما تكون حاسة بالدفء اللي ملا الأوضة فجأة. بصينا إحنا التلاتة ناحية السرير، يوسف مسح دموعه بأكمام تيشيرته وابتسم من وسط عياطه، وقرب مسك صباع نور الصغير اللي اتلف على صباعه بقوة.

السر اللي كان خنقنا ومخوفنا، بقى هو الحبل اللي ربطنا ببعض أكتر من أي وقت فات.

عدّت الساعات الباقية من الليل وكأنها طالعين منها من حلم أو كابوس طويّل. كريم أصرّ إنه يشيل يوسف وينيمه في وسطنا على السرير الكبير، مسكنا إيده إحنا الاثنين لحد ما نفسه بدأ ينتظم ونام أخيرًا، نوم عميق وصافي من غير ما يصحى ولا يتقلب.

ثاني يوم الصبح، الشمس كانت طالعة ملاية الأوضة نهار، بس البيت كان فيه هدوء من نوع تاني.. هدوء فيه راحة بعد طوفان.

كنت واقفة في المطبخ بعمل الفطار، سمعت خطوات صغيرة جاية من الممر. يوسف كان واقف عند الباب، عينيه منفوخة شوية من عياط امبارح، بس ملامحه كانت هادية كأنه اتولد من جديد.

قربت منه ونزلت لمستواه، ابتسمت له وقلت: “صباح الخير يا بطل.. نمت كويس؟”

يوسف هز راسه وابتسم ابتسامة خفيفة، وبعدين سألني بصوت واطي: “ماما.. هو بابا زعلان مني عشان سمعته في المستشفى؟”

قبل ما أرد، كريم كان جاي من وراه، شاله فجأة على كتفه وضحك: “أنا أزعل منك أنت يا سي يوسف؟ ده أنت طلعت أجدع راجل في العيلة دي كلها! بس نتفق اتفاف.. مفيش نوم تاني على الأرض تحت السرير، اتعلمنا الصراحة ولا لأ؟”

يوسف ضحك بصوته كله وهز راسه: “اتعلمنا.. خلاص مش هنام تحت السرير.”

من اليوم ده، كل حاجة في البيت اتغيرت. الغموض والخوف اللي كانوا كاتمين على نفسنا اختفوا. كريم وأنا بدأنا نتعامل مع مرض نور بوعي وواقعية أكتر، وبدل ما نخبي ونخاف، بقينا نتحرك في اتجاه العلاج والمتابعة بقلب جامد.

أما يوسف.. فبقى هو الدكتور والصديق والحارس لنور، بس علني وقدام كل الناس. بقى يقعد جنب سريرها بالنهار، يمسك إيدها الصغيرة ويحكي لها عن المدرسة وعن ألعابه، وهي كانت تبتسم له وتناغيه كأنها فعلاً بتفهم كل كلمة بيقولها.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى