روايات وقصص

الفستان

كل يوم خميس، كنت بروح أقف قدام فاترينة محل فساتين شيك في الزمالك، وأفضل أبص على فستان أحمر كان سعره مليون ومتين ألف جنيه، مبلغ عمري ما كنت أتخيل إني أقدر أدفعه في فستان، حتى لو فضلت أوفر من مرتبي سنين. كان الفستان متعلّق لوحده في نص الفاترينة، لونه أحمر غامق ولمعته بتخطف العين، وكل مرة كنت أعدّي من قدامه كنت بحس إنه بيناديني بطريقة غريبة. الغريب إني ماكنتش بروح المحل عشان أشتريه أصلًا… كنت بروح كل خميس مخصوص عشان أبص عليه.

#انجي_الخطيب

في الأول، الموضوع كان مجرد حلم سخيف بالنسبة لي، حاجة بحب أتفرج عليها وأتخيل نفسي لابساه، وبعدها أمشي وأكمل حياتي عادي. لكن اللي حصل يوم الخميس ده خلاني أندم إني وقفت قدام الفاترينة أصلًا.

وأنا واقفة ببص على الفستان، لقيت ست كبيرة خرجت من المحل، وقفت جنبي من غير ما تبصلي، وقالت بصوت واطي: “إنتِ لسه بتبصي عليه كل خميس؟”

اتجمدت مكاني، وبصيت لها باستغراب. “حضرتك تعرفيني؟”

الست ما ردتش، بس فضلت باصة للفستان، وبعد ثواني قالت: “الفستان ده مش معمول عشان يتباع لأي حد… وإنتِ بالذات لازم تبعدي عنه.”

ضحكت بتوتر وقلت: “ليه؟ هو فيه إيه يعني؟”

الست بصتلي لأول مرة، ونظرتها خلت الدم يهرب من وشي. وقالت: “لأن آخر واحدة لبسته… اختفت.”

وسابتني ومشيت.

وقفت مكاني مش عارفة أعمل إيه، وعيني رجعت للفستان الأحمر. لأول مرة، ماحسيتش إني شايفاه مجرد فستان غالي… حسيت إني شايفة سر مستخبي جواه. والأغرب من كده إن بعد ما الست مشيت، لقيت ورقة صغيرة محطوطة تحت ماسورة الفاترينة، وعليها اسمي كامل.

#انجي_الخطيب

مسكت الورقة بإيد بتترعش، سحبتها بالراحة من تحت الماسورة وأنا بتلفت حواليّا وزحمة الزمالك وصوت العربيات كان زي ما يكون اتبخر فجأة، كل حاجة حواليا هديت إلا صوت ضربات قلبي اللي كانت مسموعة في ودني. فتحت الورقة وأنا مش مصدقة، اسمي الثلاثي مكتوب بخط إيد رفيع وجنبه عنوان في وسط البلد ورقم شقة، وتحتهم سطر واحد بس: “لو عايزة تفهمي السر، تعالي قبل ما السبت يخلص.”

رجلي ماكانتش شايلاني وأنا ماشية رايحة للتاكسي، الفستان كان لسه في عيني، والست العجوزة بنظرتها الباردة كلماتها بتتعاد في دماغي زي التسجيل: “آخر واحدة لبسته… اختفت.” طب عرفت اسمي منين؟ ومين اللي حط الورقة دي؟ هل كانت بتراقبني كل خميس وأنا واقفة زي العبيطة بحلم بفستان مش بتاعي؟

طول الليل ماغمضتليش عين، وكل ما أغمض أشوف الفستان الأحمر بس بدل ما كان بيلمع، كنت بشوفه زي ما يكون دم ينقط على الأرض. أول ما النور طلع يوم الجمعة، لقيت رجلي بتسحبني على العنوان اللي في الورقة، عمارة قديمة من طراز وسط البلد، الأسانسير بتاعها ببيبان حديد مكسورة والشمس مدخلة خيوط نور ضئيلة وسط التراب.

طلعت الشقة في الدور الرابع، وقفت قدام الباب الخشبي العالي، أيدي اترددت ثواني قبل ما تخبط. أول ما خبطت، الباب اتفتح بالراحة من غير صوت، وكأن حد كان واقف وراه مستنيني.

دخلت بخطوات بطيئة، الشقة كانت مليانة مانيكانات متغشية بقماش أبيض، وريحته مغرقة المكان بأمر مكسور بين التراب وعطر الورد المجفف. من جوة من أخر الممر، طلع نفس الصوت الواطي اللي سمعته امبارح: “كنت عارفة إن فضولك هيجيبك… الفضول هو اللي جاب اللي قبلك.”

خرجت الست العجوزة من الأوضة اللي جوة، كانت ماسكة في إيدها ألبوم صور قديم ومتهالك، شاورتلي أقعد على كرسي أنتريه قديم.

“حضرتك مين؟ وعرفتِ اسمي منين؟ وإيه حكاية الفستان ده؟”

قعدت قصادي وفتحت الألبوم، شاورت على صورة أبيض وأسود لبنت جميلة في أواخر العشرينات لابسة نفس الفستان الأحمر. “دي بنتي ندى… الفستان ده تفصيل إيد جوزها المصمم، كان عامله لها مخصوص يوم فرحهم من أربع سنين، بس الليلة دي ماكملتش… ندى اختفت بالليل وهي لابساه من الشقة دي، وماحدش يوصل لها لأثر لحد النهاردة، الشرطة قالت هربت، والناس قالت اتقتلت، بس الحقيقة غير كده خالص.”

قربت الست وشها مني، ونظرتها المرة دي كانت مليانة حزن ورهبة: “الفستان اتباع بعد القضية لما الشقة اتمزكت، وكل ما يروح لست ويترد للمحل، أكتشف إن صاحبته الجديدة اختفت في ظروف غريبة… أنا بقالي سنتين بتبع الفستان في كل فاترينة بيتحط فيها، ولما لقيتك بتيجي كل خميس تبصي عليه بنفس الشغف اللي كان عند بنتي، عرفت إن النوبة عليكي.”

اتنفست بصعوبة وقمت وقفت بسرعة: “ده كلام مش منطقي! دي مجرد مصادفات أو خرافات… إنتِ أكيد مجنونة!”

الست فتحت الصفحة الأخيرة في الألبوم، ووراتني صورة حديثة بالألوان… كانت صورتي أنا، وأنا واقفة قدام الفاترينة الخميس اللي فات، ومكتوب تحت الصورة بخط إيد غير خط الست: “العروسة الجديدة.”

قلبي وقع في رجلي، والست بصلتي وقالت بكسرة: “الورقة اللي كانت تحت الفاترينة مش أنا اللي حطيتها يا بنتي… أنا شفت راجل ببدلة سودا حطها ومشي قبل ما أكلمك بثواني، راجل وشوشته مش باينة بس عينيه… عينين جوز بنتي اللي مات رسمياً من سنتين.”

حسيت إن الهوا انسحب من الأوضة، صدري اتكتم والدموية هربت تمامًا من جسمي. بصيت للصورة تاني، كانت صورتي فعلاً من الخميس اللي فات، الدبابيس المتثبتة بيها الصورة كانت جديدة وتلمع، والكلام المكتوب تحتها بخط يسحب الروح: “العروسة الجديدة”.

“جوز بنتك؟” صوته طلع بالعافية من زوري، طالع متقطع ومبشوح.. “مش حضرتك بتقولي إنه مات من سنتين؟”

الست غمضت عينيها بأسى، ودمعة نازلة بتشق التراب اللي على وشها: “ده اللي المحضر قاله لما لقوا عربيته مقلوبة في الترعة ومولعة.. بس الجثة كانت متفحمة وماحدش قدر يتأكد، والنهارده، لما شفت الراجل ده يحط الورقة تحت الفاترينة وبصلي نفس البصة القديمة.. عرفت إنه حَيّ، وعرفت إنه لسه بيمارس طقسه المريض.”

السابق1 من 6
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى