روايات وقصص

الفستان

ا فستان في الشارع، أنا ماشية من هنا!”

جيت ألف عشان أخرج، سمعت صوت حركة خفيفة جاية من الممر الضلمة اللي في أخر الشقة.. صوت جزمة جلد بتخبط على البلاط بالراحة، حشرجة خطوة متأنية واثقة.

الست العجوزة اتنفضت من مكانها، وشها اتحول لصفار الموت، ومسكت في ذراعي بأصابع زي الحديد: “الباب مقفول يا بنتي.. هو جه.”

التفتت برعب ناحية الممر. النور الضعيف اللي يدوب داخل من الشبابيك المتربة كان مبين خيال راجل طاويل، واقف في الضلمة، لابس بدلة سودا شيك جداً، وفي إيده الشنطة البلاستيك الخاصة بالمحل الكبير اللي في الزمالك.. شنطة قماش حمرا كبيرة، وباين منها طرف الفستان الأحمر الغامق.

خرج من الضلمة بخطوات هادية، ملامحه كانت حادة، وسيمة ببرود يخوف، وعينيه مثبتة عليّ أنا.. مش على الست العجوزة اللي كرمشت في نفسها ورايا.

ابتسم ابتسامة هادية جداً، وصوته نزل في الصالون زي السقيع: “كنت عارف إنك هتستعجلي وتيجي يا ندى.. قصدي يا مريم.”

جسمي كله اتجمد، معرفتش أنطق ولا كلمة. كمل خطواته لحد ما بقى بيني وبينه متر واحد، حط الشنطة على الترابيزة القديمة، وطلع منها الفستان الأحمر.. القماش كان بيلمع تحت النور الضعيف زي ما يكون حَيّ، وريحة عطر تقيلة ومألوفة فاحت في المكان فجأة.. نفس الريحة اللي كنت بشمها كل ما أقرب من فاترينة الزمالك.

“سنتين وأنا بتابعك كل خميس..” قالها وهو بيمسح طرف الفستان بآطراف صوابعه بحنان مرعب.. “كنتي بتبصي عليه بطريقة مختلفة عن كل الستات.. كنتي بتبصي له وكأنك حاسة إنه ملكك.. والفستان مابيبقاش ملك حد، غير لما يلبسه.”

قرب مني خطوة، وأنا رجعت بضهري لحد ما خبطت في الحيطة: “أنا.. أنا هصرخ.. هلم عليك الشارع!”

ضحك بصوت واطي، ضحكة صافية خالية من أي توتر: “الشارع ده مهجور من سنين يا مريم.. والعمارة دي مافيهاش غيرنا.. إنتِ جيتي بنفسك، ورجليكي هي اللي جابتك للسر.”

فتح الفستان قدامي، ورفع عينيه ليا، ونظرتهم كانت مليانة جنون مش طبيعي: “جربيه.. مقاسك بالضبط.. أنا فصلت التعديلات الأخيرة عليه على مقاس خطواتك وإنتِ واقفة قدام الفاترينة.. جربيه عشان الفستان يلقى صاحبته.. ونكمل القصة.”

ريحة العطر التقيلة كانت بتخنقني، ونظرة عينيه كانت زي الحبل الملفوف حوالين رقبتي. رجعت بضهري أكتر للحيطة، صوابعي عمالة تفرك في الخشب المأكول ورايا تدور على أي حاجة أدافع بيها عن نفسي.

الست العجوزة ورايا كانت بتترعش وصوت شهقاتها المكتومة هو الصوت الوحيد في الشقة، وفجأة صرخت بعلو صوتها: “سيبها يا حسام! حرام عليك.. كفاية لحد كده! ندى راحت فين؟ عملت إيه في بنتي؟!”

حسام حوّل نظره ليها لثانية واحدة بس.. ثانية واحدة عادية جداً، لكن ملهاش غير معنى واحد: الراجل ده معندوش أي ذرة رحمة. وفي نفس اللحظة اللي تلفّت فيها ناحيتها، إيدي لمست حاجة ثقيلة على الترابيزة اللي جنبي.. فازة نحاس قديمة ومتربة.

من غير ما أفكر ولا أتردد ثانية، مسكت الفازة بآقصى قوة عندي وخبطته بيها على دماغه.

الصوت كان مكتوم، حسام اترطش لورا، إيده سابت الفستان والشنطة وقعت على الأرض، ودم نازل مسح مسافة صغيرة على جبهته. بصلي بذهول، وفي عينيه لمعة جنون مرعبة، وقبل ما يستوعب، صرخت في الست العجوزة: “اجري يا خالة!”

جريت ناحية الباب، مسكت الأكرة وهزيتها بجنون.. الباب كان مقفول بالمفتاح من برة!

سمعت صوت خطوات حسام القتالة وهي بتقرب مني بالراحة، كان بيمسح الدم من على وش وهو بيضحك ضحكة مقطوعة: “فاكرة إنك هتعرفي تخرجي؟ الفستان ده اتعمل عشانك يا مريم.. ومفيش خروج من هنا غير بيه.”

التفت ورايا برعب، كان فاضل بيني وبينه خطوتين، وفي إيده سكينة صغيرة كان مخبيها في جيب بدلتة. الست العجوزة اندفعت عليه فجأة بكل قواها، مسكت في إيده اللي فيها السكينة وهي بتصرخ: “افتحي الشباك يا مريم! اصرخي للشارع!”

المنظر كان كابوس.. حسام زق الست بقسوة وقعت على الأرض، وفي اللحظة دي أنا اندفعت ناحية الشباك الكبير اللي بيبص على المناور والعمارة اللي جنبنا، فتحت الدلفتين الخشب القدام وهزيت السلك المكسور بصرخة طالعة من أعمق نقطة في قلبي: “الحقوووني! يانهار اسود الحقوني في الدور الرابع!”

الصوت يرن في المنور الضيق، وسمعت صوت بيبان بتتقفل وصوت ناس بتتكلم تحت في الشارع. حسام اتفاجئ بالصرخة، بصلّي بغل، وبص للست اللي كانت ماسكة في رجله ومش راضية تسيبه.

صوت خطوات ثقيلة وبودر بدأ يتسمع على السلم القديم.. بواب العمارة اللي جنبنا وناس من الشارع كانوا طالعين يجروا بعد ما سمعوا الصرخة العالية.

حسام استوعب إن اللعبة انتهت، ساب السكينة تقع من إيده، وبصلي ونظرة عينه فيها حاجة أبرد من الموت.. قرب من الشباك التاني المهجور في أخر الممر، وقبل ما أي حد يكسر باب الشقة ويفتح، رمى نفسه من الشباك للضلمة اللي تحت!

صوت كسر الباب كان زي الانفجار، الناس دخلت الشقة، وأنا وقعت على الأرض جنب الست العجوزة ومش قادرة أتنفس.. عيني كانت رايحة وجاية بين الشباك المفتوح وبين الفستان الأحمر المرمي على الأرض، لونه كان بيلمع تحت نور كشافات الموبايلات.. وكأنه بياكل من الدم اللي نزل عليه من جبهة حسام.

الشرطة جت، والمطافي جات، بس لما نزلوا يدوروا تحت الشباك اللي حسام نط منه.. مالقوش أي جثة، مالقوش غير فردة جزمة ورقعة قماش حمرا مصلوبة على سور الصفيح.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى