«لو سمحت…» همست الست بصوت مبحوح، «أنا من امبارح ماكلتش.»
صوتها كان بالكاد مسموع وسط دوشة الشارع. العربيات ماشية بسرعة، والسواقين بيضربوا كلاكسات عند الإشارة، وأصوات الناس متداخلة مع صوت الميكروباصات والأتوبيسات اللي بتقف وتتحرك كل شوية على الرصيف الزحمة.
«حتى لو رغيف عيش بس.»
كانت واقفة جنب صندوق زبالة معدني عند ناصية الشارع، بعيدة شوية عن أبواب المحلات، كأنها عارفة كويس إن أصحاب المحلات ممكن يطردوها لو وقفت قدام مداخلهم. هدومها الرمادي كانت مقطعة من عند الكم، وشعرها البني متشابك ومليان تراب، وعلى كتفها شنطة قماش قديمة، شكلها باين عليه إنها عاشت معاها سنين.
الشنطة نفسها كانت شبه صاحبتها… بالية ومهترئة.
لون القماش كان باهت، والسوستة مكسورة من ناحية، والجيب الأمامي مربوط بخيط رفيع بدل ما يتقفل كويس. كانت ماسكة حزام الشنطة بإيد، كأن كل اللي فاضل لها في الدنيا متحوش جواها.
أما إيدها التانية فكانت ممدودة قدامها وبتترعش.
هي ماطلبتش فلوس.
هي كانت بتطلب أكل.
أغلب الناس كانوا بيعدوا من جنبها من غير حتى ما يبصولها. ناس عينيها في الموبايلات، وناس أول ما يسمعوا صوتها يسرعوا خطواتهم.
راجل لابس بدلة وشايل شنطة شغل غالية غير طريقه قبل ما يوصل لها. وست كانت ماشية مع طفلين شدت ولادها ناحية الناحية التانية من الرصيف من غير ما تشرح لهم السبب.
الست نزلت إيدها ببطء.
واضح إنها اتعودت إن الناس تتجاهلها، لكن حتى لو الواحد اتعود على الوجع، ده مش معناه إنه مبقاش بيوجعه.
كل مرة حد يرفض يساعدها، كان الوجع بيظهر على وشها لثواني، وبعدها ترجع تخبي كل حاجة ورا ملامح هادية ومستسلمة.
«لو سمحت…» حاولت تاني لما شافت مجموعة ناس جاية ناحيتها. «أي حاجة… حتى لقمة.»
المرة دي، تلاتة أشخاص شيك وقفوا قدامها.
الأمل ظهر في عينيها للحظة، قبل ما تعرف هما مين.
كانت أول واحدة ست شابة لابسة نظارة شمس كبيرة، وفوق هدومها بالطو بيج شيك، باين إنه غالي ونضيف بشكل واضح. في إيدها إسورة دهب لمعت مع ضوء الشمس وهي بتعدل النظارة.
جنبها كانت واقفة ست تانية شايلة شنطة غالية، ومعاهم راجل لابس جاكيت شيك وجزمة ملمعة.
لكنهم ماوقفوش عشان يساعدوها.
الست اللي لابسة النظارة بصتلها شوية، وبعدين مالت راسها وقالت بسخرية:
«هو إنتِ بجد؟»
الست الفقيرة نزلت عينيها في الأرض.
الست التانية قربت منها أكتر، وبصت على هدومها المقطعة والشنطة القديمة، وطلعت منها ضحكة قصيرة وهي بتحاول تخبيها بإيدها.
«أنا مش مصدقة اللي شايفاه.»
الراجل عقد إيديه على صدره وقال:
«يعني الدنيا وصلت بيكي لكده؟»
الست الفقيرة بلعت ريقها. واضح إن في حكاية قديمة بينهم، لكنها ماكانتش عايزة تتكلم عنها وسط الناس.
قالت بصوت ضعيف:
«أنا بس عايزة آكل حاجة.»
الست الأولى هزت راسها باستهزاء.
«زمان كنتِ بتعدي من جنب الناس اللي زيينا كأنهم مش موجودين.»
«لو سمحت…» قالت الست الفقيرة. «أنا بس عايزة حتة عيش.»
الراجل ابتسم ابتسامة باردة.
«أهو دلوقتي عرفتي الدنيا على حقيقتها.»
الاتنين الستات ضحكوا بخفة.
الناس كانت بتعدي من حواليهم. كام شخص بصوا للمشهد، لكن محدش حب يدخل نفسه.
الست الفقيرة شدت بإيدها على حزام شنطتها.
ماحاولتش تدافع عن نفسها.
ماقالتش لهم هما كانوا إيه في حياتها قبل كده، ولا فكرت تفضح أي سر بينهم.
كل اللي كان يهمها في اللحظة دي سؤال واحد:
هل هيساعدوها تاكل؟
الست التانية فتحت شنطتها.
للحظة، رجع الأمل لعيني الست الفقيرة.
بصت للشنطة، وبعدها بصت على مخبز قريب، ورا الواجهة الزجاجية بتاعته أرغفة عيش وفطائر وسندوتشات متغلفة.
لكن بدل ما تطلع فلوس أو أكل، الست طلعت مفاتيح عربية.
وقالت:
«يلا بينا، إحنا ضيعنا وقت كفاية.»
الراجل بص للست الفقيرة نظرة أخيرة مليانة احتقار، وبعدها التلاتة لفوا ومشوا.
ضحكتهم فضلت وراهم وهي بتبعد وسط الناس.
الست الفقيرة ماجريتش وراهم.
ماطلبتش منهم حاجة تاني.
وماصرختش فيهم.
بس فضلت واقفة بتبص للأرض.
هوا بارد عدى بين العمارات، وطار كام خصلة من شعرها على وشها. هي حتى ماحاولتش تبعدهم.
فضلت واقفة مكانها لحد ما الزحمة ابتلعت التلاتة واختفوا من قدامها.
وبعد كام دقيقة، وصل كريم ومعاه بنته الصغيرة ليان، عندهم نفس الناصية.
كريم كان راجل في أواخر التلاتينات، أرمل، وعايش لوحده مع بنته بعد وفاة والدتها. كان شايل كيسين بقالة كبار، واحد في كل إيد.
جواهم لبن، كورن فليكس، مكرونة، خضار، علب تونة، وحاجات تانية كان جايبها تكفيهم كام يوم.
ليان كانت ماشية جنبه، شايلة كيس ورق صغير على صدرها. شعرها مربوط ديل حصان، ومرتدية جاكيت بنفسجي، وكل شوية كانت تسرع خطواتها عشان تلحق خطوات أبوها الطويلة.
«بابا.»
كريم كمل مشي.
«بابا.»
المرة دي ليان وقفت مكانها.
كريم لف ناحيتها وعدل كيس البقالة التقيل في إيده.
«في إيه يا حبيبتي؟»
ليان أشارت ناحية الناصية.
كريم بص في الاتجاه اللي بتشاور عليه، وشاف الست واقفة جنب صندوق الزبالة.
كانت رافعة إيدها ناحية واحد معدي، لكنه كمل طريقه من غير حتى مايبصلها.
كريم رجع بص لبنته.
«يلا يا ليان، لازم نروح قبل الآيس كريم مايسيح.»
ليان ما اتحركتش.
وقالت بهدوء:
«هي جعانة يا بابا.»
كريم بص للست تاني.
من شكلها كانت ست تعبانة ومكسورة، لكن ماكانش فيها أي حاجة تخليه يحس إنها خطر.
ومع ذلك، كريم من بعد ما بقى أب لوحده، اتعلم إنه لازم ياخد باله من كل خطوة.
دلوقتي أي قرار مش بيأثر عليه هو بس.
أي قرار ممكن يأثر على ليان.
بص للست تاني.
كانت واقفة على مسافة، كتافها مضمومة لبعض، والشنطة القديمة متعلقة من إيدها.
«يلا يا حبيبتي.»
ليان ما اتحركتش.
كريم تنهد وقرب منها.
الست سمعت خطواتهم، فرفعت راسها ببطء.
عينيها قابلت عيون كريم، وبعدها راحت فورًا ناحية ليان.
بان على وشها إحراج شديد.
«يا أستاذ…» قالت بصوت هادي.
كريم وقف على مسافة محترمة منها.
«أيوه؟»




