روايات وقصص

الفستان

عدت شهور على الليلة دي، وسيبت الزمالك وسيبت شغلي وعزلت في مكان تاني خالص.. بس لحد النهاردة، كل يوم خميس، بمسك موبايلي وبافتح السوشيال ميديا، وأول حاجة بتطلعلي في الإعلانات.. صورة نفس الفستان الأحمر، معروض للبيع في محل جديد.. ومكتوب تحته: “لأصحاب الذوق الخرافى فقط.”

الإعلان كان على صفحتي الشخصية، كأنه متبعت لي أنا بالذات. الشاشة كانت بتنور بأسود وأحمر، والصورة مرسومة بدقة تخوف.. الفستان متعلّق في نص الصالة، ولونه الأحمر الغامق كان أتقل وألغز من المرة اللي فاتت.

إيدي كانت بتترعش وأنا بدوس على موقع المحل الجديد. العنوان كان في حي هادي وقريب من بيتي الجديد.. مكان عمري ما فكرت أعدي منه.

قفلت الموبايل ورميته على السرير، وحاولت أقنع نفسي إن دي مجرد “كوكيز” وإعلانات موجهة بسبب تدويري القديم، بس قلبي كان حاسس بحاجة تانية خالص.. حاجة بتجرني للمكان ده زي المغناطيس.

يوم الخميس اللي بعده، الساعة كانت داخلة على تمانية بالليل. لقيت نفسي بغير هدومي وبنزل من البيت من غير ما أفكر، خطواتي كانت سريعة وموجهة للعنوان المكتوب في الإعلان. لما وصلت، الشارع كان فاضي تقريباً، والمحل كان في عمارة حديثة، فاترينته أحدث وأشيك بكثير من فاترينة الزمالك.

وقفت قدام الفاترينة.. وهو كان هناك. نفس الفستان، بنفس القصة، بنفس اللمعة التي تخطف العين، بس المرة دي كان فيه حاجة مختلفة.. رقعة القماش الصغيرة اللي كانت مقطوعة منه لما حسام نط من الشباك، كانت متخيطة بغرز إيد دقيقة جداً، بلون خيط أسود رفيع.

“عجبك؟”

الصوت جيه من ورايا مباشرة، بس المرة دي ماكانش صوت ست عجوزة ولا صوت حسام.. كان صوت بنت شابة، رقيق وهادي، بس فيه نبرة جمود غريبة.

التفت بسرعة، لقيت بنت في العشرينات، لابسة يونيفرم المحل الشيك، واقفة وابتسامتها هادية جداً.

“أنا.. أنا بس كنت بتفرج،” قلتها بصوت طالع بالعافية.

البنت قربت من الفاترينة، وبصت للفستان بذهول وقالت: “الفستان ده لسه واصل النهاردة الصبح.. المصمم بتاعه جابه بنفسه، وقال إن فيه واحدة معينة هي اللي هتيجي تطلبه.. ووصفلي ملامحك بالظبط.”

الدم هرب من وشي، حست بدوخة شديدة والشارع بدأ يلف بيا.

“المصمم؟ هو شكله إيه؟”

البنت ابتسمت وقالت بوسطية: “راجل وسيم، طويّل، وبدلتة سودا شيك.. بس كان حاطط لزقة طبية صغيرة على جبهته. وقال لي أقولك جملة واحدة بس لو جيتي..”

مسكت في سور الفاترينة بكل قوتي عشان ما أقعش: “قالك إيه؟”

البنت قربت مني ومالت على ودني، وقالت بصوت واطي وبارد: “قالك.. العروسة ما ينفعش تهرب من فستانها مرتين.”

الكلمات نزلت عليا زي الميّة المغلية. اللحظة اتجمدت، وصوت البنت كان لسه بيرن في ودني وهي واثقة ومبتسمة ابتسامة باهتة مش فاهمة هي بتقول إيه، ولا عارفة العذاب اللي أنا عايشة فيه.

رجعت لورا خطوة بخطوة من غير ما أشيل عيني من على الفاترينة، البنت كانت باصالي باستغراب وبتقول: “يا فندم إنتِ كويسة؟ تحبي تدخلي تشربي حاجة جوة المحل؟”

“لا.. لا!”

طلعت الكلمة بصعوبة ومسكت نسيمي بالعافية، لفت ضهري وجريت بأقصى سرعة عندي. كنت بجرى في الشارع الضلمة وصوت جزمتي بتخبط على الأسفلت زي دقات قلبي المرعوبة. حاسة إن فيه خيال طويل بيمشي ورايا، إن فيه حد في الضلمة بيبصلي ومستني اللحظة اللي هقع فيها عشان يمسكني.

وصلت بيتي ودخلت الشقة، قفلت الباب بالترباس والترباسين، ورميت نفسي على الأرض ورا الباب، باخد نفسي بالعافية ودموعي نازلة مغرقة وشي.

“مش هرحمك.. مش هسيبك تتجنني يا مريم.. دي خرافات.. هو حيوان ومريض وهيتجاب!”

مسكت موبايلي بإيد بتترعش ودست على رقم الشرطة، أملي الأخير إن حد يلحقني من الكابوس ده قبل ما يدخل عليا البيت.

“أيوة يا فندم.. النجدة؟ أنا محتاجة مساعدة بسرعة.. الراجل اللي حاول يقتلني في وسط البلد ظهر تاني!”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى