
بعت جواب لقيادتي في الجيش وطلبت نقل لنفس المحافظة اللي فيها بيتنا عشان أكون قريب من أمي، وبفضل ملفي الناصع وتقديرهم لظروفي العائلية، اتوافق على الطلب ورجعت أخدم في نقطة قريبة جداً.
البيت رجع فيه الروح تاني. الشباك اللي كان مقفول في الدور التاني بوابته اتفتحت على آخرها والشمس قربت تحضن الصالة كل يوم الصبح. أمي رجعت لضحكتها، وصحتها ردت لها تدريجياً بعد ما جسمها اتنقى من السموم اللي كانت بتدخلها.
في يوم، وأنا راجع من شغلي بالليل، لقيت أمي قاعدة على كرسيتها الخشب في البلكونة، حاطة صينية القهوة المعتادة وفوقها حتتين كيكة بلمسة الليمون. قعدت تحت رجليها ومسكت إيدها. بصتلي وقالت بصوت هادي كأنه طالع من أعمق مكان في قلبها: «عارف يا ياسين… أنا في الأيام الضلمة دي، لما كنت محبوسة في الأوضة ومش قادرة أتحرك، مكنتش بخاف من الموت ولا من اللي كانت بتعمله سارة.»
رفعت عيني وبصيت لها: «أومال كنتِ بتخافي من إيه يا أمي؟»
ابتسمت وطبطبت على كتفي وهي بتقول: «كنت بخاف إنك لما ترجع، متشوفش الحقيقة… كنت بخاف غشاوة الحب تخليك تفتكر إني كبرت وخرفت، وتعيش بقية حياتك مخدوع في اللي جنبك. بس ربك لما بيحب عبد، بينور له بصيرته قبل عينيه.»
بست إيدها وقلت لها: «ربنا ما يحرمنا من نور بصيرتك يا أمي. طول ما انتِ بخير، الدنيا كلها بخير.»
مسكت فنجان القهوة السخن، وشربت منه وأنا حاسس لأول مرة من سنين بطعم الأمان الحقيقي… الأمان اللي مفيش فيه أقنعة، ولا كدب، ولا تحوير. أمان البيت اللي أصحابه بيحموه بقلوبهم وعقولهم سوا.
بعد سنة كاملة من الأحداث دي، كانت الحياة مشيت في مجراها الهادي. البيت اللي كان في يوم من الأيام مسرح لجريمة مكتملة الأركان، بقى هو المكان اللي بلقى فيه راحتي بعد كل يوم خدمة طويل.
في يوم جمعة، كنت قاعد في الصالة بمسح بيجامات الخدمة وبجهز حاجتي للأسبوع الجديد. أمي كانت قاعدة جنبي بتنقّي الرز، وراديو القرآن الكريم شغال بصوت خفيض في الخلفية.
التليفون رن.. كان رقم غريب. رديت: «السلام عليكم.»
جالي صوت ست كبار في السن، صوتها فيه كسرة وخوف: «أستاذ ياسين؟ أنا أم سارة.. والدة سارة.»
سكّت لحظة، وبصيت لأمي اللي لمحت تغيُر وشي فسكتت وبصتلي باهتمام. قلت بهدوء ثابت: «أيوة يا فندم، أهلاً بحضرتك. خير؟»
الست بدأت تعيط بصوت مكتوم: «أنا عارفة إن ماليش عين أكلمك ولا أطلب منك حاجة بعد اللي بنتي عملته فيكم.. بس سارة في السجن حالتها الصعبة أوي يا ابني.. جالها انهيار عصبي ومش بتاكل ومحجوزة في مستشفى السجن.. هي بعتتلي مع المحامي ترجي كبير عشان أستعطفك وتيجوا تزوروها.. هي عايزة تطلب السماح من أمك قبل ما تضيع خالص.»
غمضت عيني، والذكريات رجعت في دماغي زي الشريط.. شكل أمي وهي قاعدة في الضلمة، العلامات الزرقا اللي في إيديها، الكوباية البلاستيك، ونبرة الصوت المزيفة اللي سارة كانت بتتكلم بيها قدام الجيران.
قلت لها بصوت خالٍ من أي عاطفة: «يا أم سارة، القانون أخد مجراه، والحكم صدر بناءً على أفعال بنتك.. أمي صامت وتعبت وشافت الموت بعينيها بسببها، ومفيش أي داعي لنبش اللي فات تاني.»
لكن أمي حطت إيدها على دراعي، وهزت رأسها ببطء، وغمزتلي بعينيها كأنها بتقوللي «سيبها تتكلم».
أمي أخدت مني التليفون، وحطته على ودنها وقالت بصوت هادي وراسي: «أهلاً يا أم سارة.. أنا حاسة بيكِ كأم، عارفة إن قلبك محروق على بنتك، وده حقك.. بس بنتك مكنتش بتأذيني أنا بس، دي كانت بتدمر ابني وبيته وصحته النفسية. لو عايزه نصيحتي، سيبها تقعد مع نفسها في المكان ده.. يمكن السجن ينضف قلبها من السواد اللي كان فيه، ويخليها تعرف إن ربنا حكيم وعادل.. أما عن السماح، فربنا هو اللي بيسامح، أنا وهي بيننا ربنا يوم القيامة.»
قفلت أمي السكة بهدوء، وحطت التليفون على السفرة. بصيت لها باستغراب وقلت: «مكنتش فاكر إنك هتردي عليها أصلاً يا أمي.»
ابتسمت أمي ابتسامة كلها رضا وقوة، وقالتلي: «الضعيف بس يا ياسين هو اللي بيفضل يهرب من أشباح ماضيه أو ينتقم بلسانه.. إحنا ربنا نصرنا وأخد لنا حقنا لحد عندنا، والست دي بنتها خدت جزائها بالقانون.. دورنا إحنا بقى إننا نعيش ونفرح باللي باقي من عمرنا من غير ما نسيب غل ولا كره يدنس بيتنا تاني.»
قمت من مكاني، بوست رأسها وإيدها، وحسيت إن الدرس اللي أمي علمهولي في اليوم ده كان أعظم من كل دروس الخدمة والجيش.. الدرس إن القوة المش حقيقية هي اللي بتيجي بالعنف، لكن القوة الحقيقية هي القادرة تحمي الحق وتسامح من موضع اقتدار، ومن غير ما تضعف.
رجعت لكرسيّ، كملت شغلي وأنا ببتسم، وريحة القهوة ببشر الليمون بدأت تفوح تاني في أركان البيت.
ومع غروب شمس يوم الجمعة، وقفت في البلكونة أباوع على الشارع الهادي. كانت الدفعة الجديدة من نوبة خدمتي هتبدأ الصبح، بس المرة دي كنت طالع وأنا بالي مرتاح كلياً، مش شايل هم البيت ولا حاطط إيدي على قلبي من اللي ممكن يحصل بغيابي.
أمي طلعت وقفت جنبي، رفعت راسها للهوا النظيف، وبصتلي بعيون فيها كل أمان الدنيا وقالت: «تعرف يا ياسين؟ البيت ده ياما عدي عليه أيام كئيبة وطويلة، بس العمر مابيبدأش حقيقي إلا لما الإنسان يعرف مين اللي يصونه ومين اللي يبيعه. انت رجعتلي روحي، وربنا ردلي حق العمر كله فيك.»




