منوعات

ابني اللي عنده ٨ سنين حكايات انجى الخطيب

ابني عنده 8 سنين خبط بالغلط في واحد من أشهر لاعبي الـMMA في منطقتنا، ونقطة بيبسي وقعت على الكوتشي الغالي اللي كان لابسه. بدل ما الراجل يقبل اعتذاري وينهي الموضوع، بص لصاحبه اللي كان بيصور بالموبايل، وزقني جامد في صدري قدام الناس، وقال بصوت عالي وهو بيضحك: “النهارده هعلّم الراجل العجوز ده الأدب قدام الكل.”

بس هو ماكانش يعرف إن نظام القتال الدفاعي اللي كان بيتفاخر بيهب قدام الناس، أنا كنت واحد من اللي ساهموا في تصميمه للجهات العسكرية من أكتر من عشر سنين.

“الكوتشي ده تمنه خمسة وعشرين ألف جنيه… هات الفلوس دلوقتي.”

الشاب الضخم اللي كان واقف قدامي ماكانش بيتفاوض معايا، ولا حتى كان مهتم فعلًا بسعر الكوتشي. الراجل كان بيعمل شو.

من أول ما لمح صاحبه ماسك الموبايل وبيصور، فهم إن الموقف ممكن يتحول لفيديو ينتشر على السوشيال ميديا. وبسبب خبطة بسيطة في مهرجان صيفي، قرر يحوّلني أنا وابني لفرجة قدام الناس.

ابني “آدم”، اللي عنده تمن سنين، كان واقف بيتفرج على ألعاب الأطفال وأكشاك الجوائز، ولما اتحرك خطوة لورا خبط من غير قصد في الراجل. الكوباية اللي كانت في إيده مالت، ونقطة غازية وقعت على فردة الكوتشي بتاعه.

أنا على طول مسكت إيد ابني، وخليته يعتذر، وقلت للراجل بهدوء:

“حقك عليا يا أستاذ، الولد ماخدش باله. وأنا مستعد أجيبلك مشروب جديد أو أشوف موضوع الكوتشي لو اتبهدل.”

كنت بتكلمه بهدوء، من غير ما أعلي صوتي، ومن غير ما أعمل مشكلة.

لكن “كريم” كان لاعب MMA معروف في المنطقة، ولسه عنده سلسلة انتصارات خلت الناس حواليه تتعامل معاه كأنه بطل ماحدش يقدر يقف قدامه.

ابتسم ابتسامة مستفزة وقال:

“مشروب إيه؟ إنت فاكر إنك وقعتلي ميه على كوتشي من بتوع المحلات العادية؟ ده تمنه خمسة وعشرين ألف!”

بصيت للكوتشي وبعدين له، وقلت:

“لو فيه ضرر فعلي أنا أتحمل حقه، إنما مش معنى إنك بتزعق إنّي هطلعلك خمسة وعشرين ألف جنيه.”

صاحبته كانت واقفة على بعد كام خطوة، ماسكة موبايلها وبتتابع البث اللي صاحبه بدأه من غير ما أحس.

قربت منه وقالت له بصوت واطي:

“الناس بتدخل اللايف يا كريم… العدد بيزيد.”

أول ما سمع الجملة دي، ملامحه اتغيرت.

بص وراه ناحية الناس، وبعدين بصلي من فوق لتحت.

عربيتي القديمة كانت راكنة ورايا، موديل قديم بقالها سنين معايا. بنطلوني الجينز كان باهت من كتر الغسيل، والتيشيرت عادي جدًا، وشكلي كله كان شكل أب مصري عادي خارج مع ابنه يقضي كام ساعة في مهرجان صيفي.

هو شافني بالشكل ده، وافتكر إنه لقى فريسة سهلة يطلع عليها تريند.

قرب مني وقال بسخرية:

“إنت شكلك مش هتقدر تدفع تمنه أصلًا.”

ما رديتش.

فبص لابني وقال:

“ولا إيه يا بطل؟ هتخلي أبوك يتعلم الأدب قدامك؟”

حسيت وقتها إن حاجة جوايا اتغيرت.

نبضي، اللي كان هادي، بدأ يتنظم بطريقة غريبة ومألوفة جدًا بالنسبة لي.

الصوت العالي حواليّا اختفى للحظات.

ضحكات الناس، صوت الألعاب، صوت البياعين، الأغاني اللي طالعة من السماعات… كل ده بقى بعيد.

فضلت بس واقف أبص له.
#انجي_الخطيب
أنا “حسام”، أب أعزب، ومن سبع سنين وأنا عايش حياة هادية جدًا.

بشتغل مدير مخزن في شركة توزيع في القاهرة، وبرجع البيت أعمل لابني سندوتشاته، أراجع معاه واجبه، وأوصله المدرسة، وأحاول أعيش بعيد عن أي مشاكل.

آدم نفسه مايعرفش عني غير إني أبوه اللي بيشتغل كتير وبيحب الهدوء.

لكن محدش في المنطقة دي يعرف إن حياتي الحالية ماكانتش أول حياة ليا.

قبل ما أبقى حسام الموظف والأب الهادي، قضيت سنين طويلة في خدمة عسكرية شديدة الخصوصية، واتدربت على أنظمة قتال ودفاع متقدمة، وشاركت من أكتر من عشر سنين في تطوير نظام دفاعي كان بيتدرّس لعناصر مختارة.

كنت فاكر إن الجزء ده من حياتي انتهى.

وكنت أتمنى يفضل للأبد.

مديت إيدي ومسكت إيد آدم.

وقلت له بهدوء:

“يلا يا حبيبي.”

وبدأت أمشي.

كنت بدي لكريم فرصة أخيرة.

فرصة إنه ياخد الفلوس اللي يستحقها لو فعلًا فيه ضرر، أو يضحك على نفسه ويخلص الموضوع.

لكن كريم ماكانش عايز الموضوع يخلص.

سمعت صوت خطواته ورايا.

وفجأة اندفع ناحيتي وزقني بكل قوته في نص ضهري.

جسمي اتحرك لقدام بسبب قوة الزقة.

أي شخص عادي كان ممكن يقع على الأرض.

لكن اللي حصل بعد كده ماكانش مجرد رد فعل طبيعي.

في جزء من الثانية، وزعت وزني تلقائيًا، ثبت رجلي، واستعدت توازني قبل ما جسمي يكمل اندفاعه.

لفيت بجسمي.

وفي لحظة واحدة بقيت واقف بين كريم وبين ابني.

آدم كان ورايا مباشرة.

ما وقعتش.

ما مدتش إيديا بعشوائية.

ما اتوترتش.

بس رجعت لوضعي الطبيعي… الوضع اللي اتدربت عليه سنين طويلة.

كريم سكت للحظة.

وبعدين ضحك وهو بيرفع إيديه في وضع القتال.

الناس حواليه بدأت تتحمس.

واحد من أصحابه قرب بالموبايل أكتر.

كريم قال بصوت عالي:

“شايفين؟ ده اسمه دفاع صح! إحنا في الجيم بتاعنا عندنا نظام اسمه خط الصفر، وأي حد قدامنا بيتعلم يعني إيه قتال.”

ضحك كام واحد من الموجودين.

هو كان مستمتع باللحظة.

كان فاكر إنه قدام راجل في منتصف العمر، مابيعرفش يقف حتى في خناقة.

بدأ يستعرض وقفته وحركاته قدام الكاميرا، وفضل يتكلم عن نظام “خط الصفر” الدفاعي اللي بيدربوا عليه في الجيم.

لكن كريم كان مشغول جدًا بالفرجة والتصوير…

لدرجة إنه ماخدش باله من الحقيقة اللي كانت واقفة قدامه.

النظام اللي كان بيتباهى بيه…

أنا كنت واحد من الناس اللي ساهموا في تصميمه.

من أكتر من عشر سنين.

بصيت له بهدوء.

وبعدين بصيت لصاحبه اللي ماسك الموبايل.

وقلت جملة واحدة:

“اقفل الكاميرا.”

ضحك كريم.

وقال:

“ليه؟ خايف الناس تشوف اللي هيحصل؟”

بصيت له للمرة الأخيرة، وبعدها رجعت مسكت إيد آدم.

وقلت:

“أنا مش خايف منك.”

سكت لحظة، وبصيت في عينه مباشرة.

“أنا بس كنت بحاول أحميك من نفسك.”

وساعتها… ابتسامته اختفت.

لأن لأول مرة، بدأ يفهم إن الراجل اللي قدامه ماكانش هو الشخص الضعيف اللي كان متخيله.
#انجي_الخطيب
الصمت اللي خيم على المكان كان أتقل من الضوضاء اللي كانت محوطانا من شوية. كريم خد خطوة لورا من غير ما يحس، عينيه اتسعت شوية وهو بيحاول يقرأ نظرتي، بس كبريائه قدام الكاميرا والجمهور اللي اتجمع بسرعة منعه إنه يتراجع. حس بالتهديد، والتهديد بالنسبة لواحد متعود يفرض قوته معناه حاجة واحدة بس: الهجوم.
“أنت بتهددني يا روح أمك؟”
قالها بصوت عالي عشان يداري الشك اللي دخل قلبه، وفي أقل من ثانية، اتحرك.
كريم كان سريع بالنسبة لجسمه الضخم. ضرب الشمال كانت تمويهية، ووراها على طول اليمين النازلة بقوة، حركة كلاسيكية متوقعة من أي لاعب MMA في مستواه. في عالم الرياضة، الحركة دي بتجيب القاضية، بس في عالم “خط الصفر”… الحركة دي كانت مجرد قراءة مفتوحة لأي مدرب.
ما تحركتش خطوة زيادة. ما دخلتش في اشتباك عشوائي.
إيدي الشمال خدت إيد آدم ورا ضهري بتلقائية وسلاسة، وإيدي اليمين اتحركت في زاوية عمودية أسرع من المسار اللي هو رسمه. قبل ما ضربته اليمين توصل لوشي، كفي ضرب في مفصل كوعه من الداخل، يغير اتجاه الحركة تماماً ويفقد توازنه، وفي نفس الجزء من الثانية، قدمي الشمال دخلت ورا رجله، وكفي التاني اتثبت على نقطة معينة في رقبة كريم من الجنب.
ما استعملتش قوة غاشمة. استعملت وزنه هو ضد نفسه.
صوت “ترقع” خفيف طلع من مفصله، وجسم الضخم اللي وزنه معدي مية كيلو طار في الهوا كأنه لعبة حشو، وارتطم بالأرض بصفعة مرعبة هزت البلاط تحت رجلينا.
الناس اللي كانت بتصيح سكتت في ثانية واحدة. المهرجان كله كأنه اتعمله “ميوت”.
كريم كان على الأرض، بيحاول يتنفس، عينيه في السقف مش فاهم الموقف ولا فاهم جسمه اتنقل من وضع الوقوف للوضع ده إزاي وفي أقل من ثانية. صاحبه اللي ماسك الموبايل إيده كانت بترعش، والكاميرا نزلت لتحت بالتدريج وهو مصدوم.
كريم حاول يقوم بسرعة عشان ينقذ كرامته، الادرينالين دفعه وقام وهو بيتنفذ بصعوبة، وشه محمر من الإهانة، وصرخ وهو بيهجم بعشوائية ويثبت إيديه حولين رقبتي عشان : “والله ما سيبك يا ابن الـ…”
قبل ما إيديه تلمس جلدي، عملت الحركة الأساسية الثالثة في بروتوكول خط الصفر. كسر التماس.
إيديا دخلت من بين إيديه، قطعت مسار الخنق، وصوابعي اتثبتت في نقطة العصب تحت فكه بصغطة حاسمة. جسمه كله اتعصر من الوجع، ونزلت بيه على ركبه قدام الناس. بقيت واقف فوقيه، وهو على ركبتيه، إيدي ماسكة مقبض فكه بتقنية ما بتسيبش علامة بس بتشل حركة الخصم تماماً.
قربت من ودنه وشوشته بصوت واطي ومستقر، صوت ما يسمعوش غيره: “نظام خط الصفر اللي بتتفاخر بيه… بند رقم أربعة بيحذر من الهجوم المباشر على هدف ثابت من غير تقييم المدى. مش ده اللي علموهولك في الجيم؟”
عينين كريم وسعت من الرعب. الجملة دي ما يعرفهاش غير الكوادر اللي مدربة على الإشهار المباشر للأنظمة العسكرية المتقدمة. الكلمة دي أثبتتله في ثانية إن الشخص اللي واقف قدامه مش مجرد راجل كبير في السن بيعرف يدافع عن نفسه… ده المهندس اللي بنى اللي هو بيحاول يستخدمه.
“أنت… أنت مين؟” كريم قالها بصوت متقطع، مكتوم من الوجع والخوف.
سيبت رقبة كريم بالتدريج، ورجعت خطوة لورا بتوازن تام، مسحت إيدي في بعض بهدوء، وبصيت للشاب اللي بيصور. الشاب أول ما جت عيني في عينه، طفى البث المباشر فوراً ونزل الموبايل جيب بنطلونه ورجليه بتخبط في بعض.
“الكوتشي بتاعك ما جاش عليه حاجة تستاهل،” قلتها بصوت هادي، واثق، ومسموع لكل اللي واقفين حوالينا. “بس لو حاسس إنك ليك عندي حاجة… أنا موجود هنا في المهرجان لحد الساعة عشرة.”
كريم يادوب قادر يتنفس وهو قاعد على ركبه، بيصلي إنه ما يكونش ، وكل غروره وطغوت مساحة الميديا اختفوا في لحظة. البنت صاحبتهم كانت واقفة متنحة ومبرقة، مش قادرة تطلع كلمة واحدة.
نزلت على ركبتي قدام آدم، اللي كان واقف ماسك في تيشيرتي وعينيه واسعة من الذهول. مسحت على شعره، وابتسمت له بنفس الابتسامة الهادية بتاعة كل يوم، الابتسامة اللي بيشوفها لما بعمل له السندوتشات الصبح.
“جرى حاجة يا بطل؟” قلت له بصوت دافي.
آدم بصلي، وبعدين بص لكريم اللي بيحاول يقوم بالعافية بمساعدة صاحبه، ورجع بصلي تاني وقال بصوت واطي وهو مش مصدق: “بابا… هو أنت سوبر هيرو؟”
ضحكت ضحكة خفيفة، وأنا بمسك إيده الصغيرة وبقومه معايا: “لا يا حبيبي… باباك بس كان بيسوق زوزو زمان.”
أخدت آدم من إيده ومشينا وسط الزحمة اللي فتحت لنا طريق كامل في صمت تام، كأننا ماشيين بين صفين حراسة. محدش اتجرأ يقرب، ومحدش اتجرأ يتكلم. رجعت لرباطة جأشي ولحياتي العادية، وفي سري كنت بدعي ربنا إن الفيديو اللي اتصور ده ما يوصلش لأي حد من زمايلي القدام… لأن لو حد شاف التكنيك ده، هيعرف على طول إن حسام لسه عايش، ولسه فاكر كل حاجة.
ركبنا العربية. آدم قعد جنبي في الكرسي القداماني، كان ساكت تماماً وعينيه مش مفارقة وشي. دركسيون العربية الفيات القديمة كان دافي تحت إيدي، ودوارة الموتور طلعت صوتها المألوف اللي بيرجعني كل يوم للواقع اللي اخترته.
سُقت بهدوء، خرجت من زحمة المهرجان ودخلت في شوارع المقطم الهادية.
آدم فضّل ساكت لحد ما عدّينا أول إشارة، وبعدين لف جسمه كله ناحيتي وقال بصوت حائر بين الانبهار والخوف:
“بابا… أنت عملت فيه كده إزاي؟ ده كان أكبر منك مرتين! والولد التاني كان بيقول إنهم بيلعبوا قتال…”
ابتسمت من غير ما أبص له، وعيني على الطريق:
“الحجم مش كل حاجة يا آدم. اللي بيعتمد على عضلاته بس، أي حد فاهم الحركة بيعرف يستغل وزن العضلات دي ضده.”
“يعني أنت بتلعب ؟”
“كنت… زمان. قبل ما تتولد بكثير.”
سكت آدم شوية، يقلب الكلام في دماغه. كان طفل ذكي، وأنا عارف إن المشهد اللي شافه مش هيتمسح من ذاكرته بسهولة. راجل ضخم بيزق أبوه، وفي ثواني معدودة الراجل ده كان بيتوسل على ركبه.
وصلنا البيت. دخلنا الشقة الدفا بتاعة كل يوم. ريحة الخشب القديم والورد المجفف اللي مراتي الله يرحمها كانت بتحبه. فتحت النور، وآدم قلع جزمتو ودخل على أوضته من غير ما يطلب السندوتشات اللي متعود ياكلها قبل النوم.
دخلت وراه، لقيته قاعد على السرير بيبص لسقف الأوضة.
قعدت جنبه على طرف السرير، وحطيت إيدي على كتفه:
“آدم… اللي حصل النهاردة ده، مش حاجة بنفتخر بيها. القوة مش عشان نعمل بيها شو، ولا عشان نضايق الناس. القوة حُطت عشان نحمي بيها الضعيف، وعشان نوقف اللي فاكر إن محدش يقدر عليه.”
بصلي بعينيه الواسعة وقال:
“بس هو كان عايز يضربك يا بابا! وكان عايز ياخد منك فلوس مش بتاعتك!”
“عشان كده أنا دافعت عن نفسي وعنّك. بس خدت بالك إني ما ضربتوش ببوكس واحد؟ ما كسرتلوش حاجة؟ أنا بس عرفته حجمه الحقيقي.”
بهتت ابتسامته شوية وسأل بسؤال نزل على قلبي زي المية الساقعة:
“هو أنت كنت بتشتغل إيه زمان يا بابا؟ أنت مش مدير مخزن؟”
تنهدت بالطول. مسكت إيده الصغيره بين كفوفي اللي فيها ندبات قديمة مش بيلاحظها غير اللي يدقق. ندبة من شظية في تدريب ميداني، وندبة تانية من دفاعي في عملية مش مدونة في أي سجل علني.
“أنا دلوقتي مدير مخزن، وباباك. وده كل اللي محتاج تعرفه دلوقتي. لما تكبر… هحكيلك كل حاجة.”
باس راسي ونام. غطيته وخرجت من الأوضة، وقفلت الباب بالراحة.
دخلت الصالة، وقعدت على الكنبة في الضلمة. موبايلي القديم كان محطوط على الترابيزة. فتحت الشاشة.
حسيت بنغزة في قلبي.
أنا عارف كويس إن الفيديو اللي صاحبه كان بيبثه مباشر، حتى لو اتقفل في النص، السيرفرات سيفته. وفي عالم السوشيال ميديا، فيديو لـ “كريم بطل الـ MMA” وهو بيترمى زي الشوال على إيد راجل عجوز بقميص باهت… هيطير زي النار في الهشيم.
فتحت شبكة الإنترنت على الموبايل. دخلت على فيسبوك وتيك توك.
ما خدش الموضوع ساعتين.
الفيديو كان جايب مئات الآلاف من المشاهدات. الكومنتات كلها بتتكلم عن “الراجل المجهول”، “الخفي”، وناس بتعمل كاتش-فريم للتقنية اللي استخدمتها وبتقارنها بأنظمة الدفاع العسكري.
وفجأة… الموبايل رن.
رقم غير معروف. رقم من تمانية أرقام، مش مسجل على شبكات المحمول العادية. رقم مشفر.
قلبي دق بسرعة مألوفة… نفس الدقة اللي كنت بحس بيها قبل أي إبرار جوي أو عملية خلف خطوط العدو.
شيلت التليفون، وحطيته على ودني من غير ما أتكلم.
صوت عميق، رازين، بقالي سبع سنين ماسمعتوش، جه من الناحية التانية:
“مساء الخير يا حسام… التكنيك ده، كسر التماس من الزاوية الحادة… ماحدش بيفكر يعمل بالطريقة دي غيرك. فاكر إنك لما تستخبى في شركة توزيع هندور عليك صعب؟”
سكت للحظة، وحسيت بالماضي كله بيهجم على الأوضة الهادية.
قلت بصوت واطي ومستقر:
“يا فندم… أنا اعتزلت. أنا مربي ولد صغير دلوقتي.”
جاي الرد بضحكة خفيفة مكتومة:
“اللي صمم ‘خط الصفر’ مابيعتزلش يا حسام… خصوصاً إن الملفات اللي سبتها وراك من سبع سنين… اتفتحت تاني النهاردة. محتاجينك يا بطل.”

سكت لثواني. الصوت في التليفون كان جاد، ومافيهوش أي مساحة للهزار.
“ملفات إيه اللي اتفتحت يا فندم؟ أنا سلمت كل حاجة قبل ما أمشي، وتعهدي بالتكتم مفيش حرف منه اتقصر فيه.”
رد اللواء “جمال” بصوت أتقل:
“مش ده المكان ولا الوقت اللي نتكلم فيه عن تفاصيل يا حسام. الفيديو مغرق الدنيا، وفي ظرف ساعتين تلاتة، أجهزة غيرنا هتوصل لهوية ‘الراجل العجوز’ اللي نزل بطل الـ MMA على ركبه. أنت عارف كويس التكنيك ده مسجل باسم مين في السجلات المغلقة.”
غمضت عيني وسندت راسي لورا على الكنبة. الماضي اللي هربت منه سبع سنين، وبنيت فوقيه حياة هادية وبسيطة عشان خاطر آدم، كان بيخبط على بابي بكل قوته.
“المطلوب مني إيه دلوقتي؟” سألت بهدوء.
“عربية سودة هيونداي راكنة تحت بيتك من عشر دقايق. انزل، فيه حد هيستناك. ولازم نتحرك قبل ما الصحافة أو أي طرف تاني يوصل لعنوانك.”
“وابني؟” صوتي نبرته اتغيرت، وبقت فيها حزم مش بحبه.
“ابنك في أمان. فيه عربية تانية فيها حراسة هتفضل تحت العمارة، وأخت مراتك الله يرحمها على بعد عشر دقايق من هنا، كلمها تجيلو. قدامك ربع ساعة يا حسام.”
الخط اتأفل.
قمت من على الكنبة، ودخلت أوضة آدم بالراحه. كان نايم بعمق، ملاك صغير ملوش أي ذنب في المعارك القديمة اللي أبوه خاضها. بستم على راسه، وغطيته كويس. اتصلت بـ “مريم” أخت مراتي، وقلت لها بصوت هادي إن جالي شغل طارئ في الشركة ولازم أنزل فوراً، وطلبت منها تيجي تقعد مع آدم لحد الصبح.
غيرت التيشيرت الباهت، لبست جاكيت أسود تقيل، وطلعت من الشقة.
نزلت السلم بهدوء، وأنا بحس بالجو حواليا بيتغير. الشارع المعتاد، الصوت الهادي بتاع منطقة المقطم بالليل… كل حاجة بقت بالنسبة لي مجرد زوايا رؤية ومكامن خطر. حس الأمان القديم رجع يشتغل تلقائياً.
أول ما فتحت باب العمارة، لقيت العربية الهيونداي السودة راكنة في الضلمة. الباب الوراني اتفتح من غير ما حد ينزل منها.
قربت، وركبت.
أول ما قفلت الباب، العربية اتحركت بسرعة وفي صمت.
في الكرسي القداماني، كان قاعد راجل في أواخر التلاتينات، لابس بدلة سمارت كاجوال، ولما لف وشه عشان يبصلي، ابتسم ابتسامة باهتة:
“عاش من شافك يا كابتن حسام… أو أقول يا مدير المخزن؟”
كان “طارق”، واحد من أذكى الضباط اللي اتدربوا تحت إيدي في برنامج “خط الصفر”.
“انجز يا طارق،” قلتها برزانة. “إيه الملفات اللي اتفتحت؟ وليه اللواء جمال بيطلبني بنفسه بعد السنين دي كلها؟”
طارق ابتسامته اختفت، ومسك تابلت كان في إيده وفتحه، ووجه الشاشة ناحيتي.
على الشاشة، كان فيه لفيديو عالي الدقة، مصور من زاوية عين طائر لعملية اقتحام لتنظيم مسلّح في منطقة حدودية… التكنيك المتبع في والتصفية السريعة كان صورة طبق الأصل من بروتوكول “خط الصفر”، بس بأسلوب أشرس وأعنف بكثير.
“الفيديو ده اتسرب على الإنترنت المظلم (Dark Web) من أسبوع،” طارق قال وهو بيبصلي بتركيز. “التنظيم اللي استخدم البروتوكول ده، مسح كتيبة كاملة في أقل من أربع دقايق. النظام ده محدش يعرف كوده ولا تفاصيل تطبيقه غير ستة أفراد في مصر كلها… أربعة منهم اتوفوا في عمليات، واللواء جمال… وأنت.”
بصيت للشاشة، النبض في رقبتي بدأ يعلى. التكنيك اللي شفته في الفيديو ماكانش مجرد تقليد… ده كان نسختي أنا بالظبط، بالثغرات اللي أنا بس كنت عارفها.
“يعني فيه خيط اتسرب من عندي؟” سألت.
“أو…” طارق سكت لحظة قبل ما يكمل ببطء: “…حد من اللي صمموا النظام معاك زمان، ماماتش زي ما كنا فاكرين.”

العربية كملت طريقها في شوارع القاهرة الفاضية، والسكوت جوه العربية كان أشبه بالهدوء اللي بيسبق العاصفة. كلام طارق نزل عليا زي الصاعقة. “أحمد”… زميلي ورفيق سلاحي اللي دفنته بـ إيدي من تمان سنين في سينا بعد عملية معقدة… هل معقول يكون لسه عايش؟
“أحمد مات يا طارق، أنا اللي سحبت جثته بنفسي تحت النار،” قلتها بصوت ناشف وواثق، بس من جوايا كان فيه شك صغير بدأ ينخر في دماغي.
“الجثة كانت متفحمة يا حسام، والتحليل الـ DNA وقتها اتعمل في ظروف ميدانية معقدة… أنت أدرى باللي كان بيحصل ساعتها،” طارق رد بهدوء وهو بيقفل التابلت.
العربية انحرفت ودخلت من بوابة مقر عسكري نائي في أطراف المقطم، مكان مش متسجل على أي خريطة. الأبواب الحديدية اتفتحت الإلكترونياً، ونزلنا تحت الأرض في الجراج المصفح.
نزلت من العربية، وخطواتي على الخرسانة المسلحة كانت ليها رنة مألوفة… رنة المكان اللي قضيت فيه أحسن وأصعب سنين عمري.
طلعنا بالمصعد للدور التالت تحت الأرض. أبواب المصعد اتفتحت على غرفة عمليات مكشوفة، شاشات عملاقة معلقة على الحيطان بتعرض تحليلات ورسومات بيانية، ووسط القاعة، كان واقف اللواء “جمال” بضهره، ساند إيديه على الترابيزة الرئيسية.
شعر جنبيه بقى أبيض خالص، بس وقفته كانت لسه بنفس الشموخ.
أول ما سمع صوت خطواتنا، لف وشه. بصلي من فوق لتحت، ونظرة حادة من عينيه اخترقتني، وبعدين ملامحه هديت شوية.
“كبرت يا حسام… وبقيت بتمشي بقميص باهت بتشتري لعبة لابنك من المهرجان،” قالها بصوت بحوح ودافي.
“الحياة دي هي اللي اختارتها يا فندم… وهي اللي حميتني كل السنين دي،” رديت وأنا بواجه عينيه بثبات.
اللواء جمال أشر بـ إيده لطارق وللضباط اللي في الأوضة عشان يخرجوا. الأبواب الزجاجية اتفلت، وبقينا لوحدنا.
مشي ناحية الترابيزة، وفتح ملف ورقي أسود قديم، عليه ختم “سرّي للغاية”.
“الفيديو بتاعك مع الواد بطل الـ MMA ماكانش المشكلة الوحيدة يا حسام،” جمال قال وهو بيمدلي صور متطباعة من الشاشة. “المشكلة إن الشخص اللي بيقود التنظيم ده في سينا، بيستخدم كود تدريب اسمه ‘الظل الأول’. وده الكود اللي أنت وأحمد بس كنتوا بتستخدموه في الأوراق الخاصة بينكم أثناء تصميم خط الصفر.”
سحبت الصور وبصيت فيها. ضربات احترافية، استغلال للزوايا ، وتصفية خاطفة. نفس أسلوبي… نفس بصمتي.
“لو هو عايش… يبقى خان،” قلتها ونبرة صوتي اتغيرت للجمود اللي كنت بتعامل بيه زمان في أرض المعركة.
“أو بيتحدّاك،” جمال كمل بصرامة. “العملية الأخيرة للتنظيم ده خدت خط متقدم جداً، والجمعة الجاية عندهم هدف حيوي في المقطم… على بعد كيلومترات قليلة من بيتك ومن المدرسة بتاعة آدم.”
جسمي اتشنج. أيا كان اللي بيحرك الخيوط دي، فهو قرب من خطي الأحمر الوحيد في الدنيا دي.
“آدم…” همست بيها.
“ابنك خط أحمر عندنا قبل ما يكون عندك يا حسام،” اللواء جمال قرب مني وحط إيده على كتفي. “أنا مش طالب منك ترجع الخدمة… أنا طالب منك تصطاد الذئب اللي أنت درّبته، عشان تحمي ابنك، وعشان تقفل الملف ده للأبد.”
بصيت على الصور تاني. شريط خاطف من الذكريات عدى قدام عيني: التدريبات الشاقة تحت المطر، الدّم، القسم العسكري، وآدم وهو بيضحك لما بعمل له السندوتشات الصبح.
سحبت نفس طويل، ورجعت كتفي لورا. الهدوء بتاع مدير المخزن اختفى تماماً، والوحش اللي حبسته جوه من سبع سنين بدأ يفك سلاسله.
“محتاج …” ببرود خالي من أي مشاعر. “ومحتاج خريطة التمركزات للعملية بتاعة الجمعة.”
اللواء جمال ابتسم ابتسامة خفيفة، ونزل راسه بإيماءة تفهم: “جاهز في رقم 4… أهلاً بيك مجدداً في ‘خط الصفر’ يا حسام.”

دخلت الأوضة رقم 4. ريحة زيت والحديد البارد ردت فييا الروح بطريقة تخوّف. على الترابيزة الخرسانية كانت محطوطة العُدة: طبنجة 9 ملم معدلة بكاتم صوت،  بنصل مطفي، وتكتيكال فيست أسود ملوش أي علامات تجارية أو شارات رسمية.
مسكت . إيدي خدت وضعها التلقائي، فكيتها في أربع ثواني، راجعت الششخانات، وركبتها تاني في ثانية. الإحساس بالحديد كان مألوف، بس المرة دي ماكانش عندي ولا نقطة تردُد. زمان كنت عشان الأوامر… النهاردة عشان آدم.
طارق دخل الأوضة وفي إيده جهاز تابلت متصل بالشبكة الداخلية.
“الهدف متحرك يا حسام،” طارق قال وهو بيعرض خريطة ثلاثية الأبعاد لمنطقة هضبة المقطم. “التنظيم ناوي يضرب موكب تحركات شخصية دبلوماسية رفيعة المستوى الصبح بدري، عند المنحنى الجبلي اللي قريب من مدرسة ابنك.”
بصيت على الخريطة. المكان ده أنا حافظه زي ظهر إيدي. فيه زاوية ميتة بين سور المدرسة القديم والمنحدر الجبلي، لو أي حد استغلها، يقدر يسيطر على الطريق كله في أقل من دقيقة.
“مين اللي بيلعب الدور الميداني؟” سألت وأنا بربط في الجراب الجانبي للفيست.
“شخص بيلقب نفسه بـ ‘المايسترو’… وهو اللي هيشرف على التنفيذ بنفسه من القمة الجبلية المشرفة على النقطة الميتة. لو هو أحمد فعلًا، فهو اختار النقطة دي بالذات عشان عارف إنك الوحيد اللي هتفهم إنها مصيدة.”
“دي مش مصيدة يا طارق… دي دعوة،” قلتها وأنا بلبس الجاكيت الأسود التقيل فوق الفيست عشان أداري .
طلعت من الأوضة، واللواء جمال كان واقف مستنيني في الممر. ما اتكلمش. بس بص في عيني وهز رأسه هزة واحدة، كأنه بيسلمني الأمانة اللي بيننا.

الساعة كانت أربعة الفجر. الشابورة الساقعة كانت مغطية شوارع المقطم.
نزلت من مقر التدريب بمفردي على رجلي، ورفضت أي حراسة أو عربية تتدخل. في نوعية المعارك دي، أي حركة زيادة بتكشف المستور. اتسحبت بين الأزقة والحواري اللي بتمشي محاذية ، زي الضل، من غير ما أعمل أي صوت.
وصلت للنقطة المطلوبة قبل الميعاد بساعة.
المكان كان ساكت، بس السكوت ده كان مسموم. تسلقت المبنى الخرساني المهجور اللي بيطل على زاوية المدرسة. عيني كانت بتقرأ كل شبر: آثار أقدام طرية على التراب، سلك مقطوع من سور المبنى… فيه حد كان هنا من وقت قريب.
دخلت من باب السطح المفتوح، وتحت ضوء القمر الخافت، لمحت خيال راجل واقف بضهره عند السور، لابس بالتو أسود، وماسك في إيده مناظير تقويم زوايا.
ما سحبتش . مشيت بخطوات منتظمة وثابتة لحد ما بقيت على بعد تلات خطوات منه.
الراجل ما اتلفش، بس قال بصوت مبحوح، فيه نبرة سخرية مريرة:
“تأخرت يا حسام… تسع دقائق كاملة. زمان كنت أسرع من كده.”
الصوت ده… النبرة دي…
وقف قلبي للحظة.
الراجل لف وشه بالبطيء. نصف وشه اليمين كان متغطي بنشعة قديمة غائرة، وعينه الشمال كانت مطفية، بس ابتسامته الشيطانية كانت هي هي.
“أحمد…” اسم زميلي طلع من حنجرتي تقيل زي الحجر.
“كنت فاكر إني دُفنت في الرمال يا صاحبي؟” أحمد قال وهو بياخد خطوة ناحيتي. “أنت هربت ورحت تعيش دور الأب المثالي اللي بيعمل سندوتشات لابنه، وأنا سبتوني وراكم وأتباع للحيط! صممنا ‘خط الصفر’ عشان نكون القوة اللي محدش يقدر ، وفي الآخر بعتونا في أول صفقة!”

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى