
سارة بدأت تتنفس بصعوبة وبصتلي وهي بتبكي دموع تماسيح: «ياسين.. صدقني! أمك هي اللي بتتبلى عليا! هي بتكرهني ومن زمان عايزه تخرب بيتنا! انت هتصدقها وتكدب مراتك؟!»
طلّعت موبايلي من جيبي، وشغّلت تسجيل صوتي واضح جداً.. صوت سارة وهي بتتكلم في المطبخ بالليل مع الدكتور مدحت بتقوله: «الواد ياسين رجع من الخدمة، لازم تخلص التقرير بسرعة وتخليه يوقع على الوصاية بكرة، قبل ما يكتشف إن الحسابات اتصفرت وإن أمه مكنتش بتاخد دواء الزهايمر، ده كانت بتاخد مهدئات أعصاب ثقيلة بتدمر التركيز!»
الصوت كان مالك المكان. سارة حطت إيديها على بقها وانهارت على الأرض وهي بتعيط بحرقة، والدكتور جرى ناحية الباب عشان يهرب، لكن أول ما فتح الباب، وجد قدامه اثنين من رجال الشرطة وبصحبتهم ضابط المباحث اللي كنت بلّغته الصبح بدري وقدمتله كشوف الحسابات وسجلات الكاميرات الممسوحة اللي استرجعتها من السحابة.
الضابط دخل وبص للدكتور وسارة وقال بصرامة: «دكتور مدحت، مدام سارة.. اتفضلوا معانا على القسم بتهمة التزوير، والنصب، والإيذاء العمدي، والشروع في الاستيلاء على أموال غير مستحقة.»
الشرطة أخدت سارة والدكتور، وسارة كانت بتبصلي بنظرة ترجي وأنا واقف مكاني زي الصخرة، مفيش في وشي أي تعبير غير القرف. أول ما الباب اتقفل والبيت هدي تماماً، المكان بقى فاضي وساكت.
بصيت لأمي، لقيتها واقفة بتتأمل الفراغ اللي سابته سارة، وبعدين التفتت ليا. وجها المجهد كان باين عليه تعب السنين والأسى، لكن عينيها كانت مليانة حب ورضا. قربت منها، مسكت إيديها اللي فيها العلامات الزرقا، وبستهم واحدة واحدة وبكيت لأول مرة من يوم ما رجعت.
أمي حطت إيدها على رأسي، ومسحت شعري بالحنية اللي حرمت نفسي منها طول فترة خدمتي، وقالتلي بصوت دافي وراسي: «خلاص يا ياسين.. الكابوس خلص يا ابني. روح ولّع على البراد.. واعملنا فنجانين القهوة بتوعنا، وعليها بشر الليمون اللي بتحبه.»
ابتسمت من بين دموعي وهزيت رأسي، وطلعت على المطبخ فوراً. شغّلت النار على البراد، وجبت الليمونة وبشرت قشرها بهدوء، والبيت كله كان راجع له نَفَسه الطبيعي بعد كابوس طويل كان كاتم على نفسنا.
عملت الفنجانين ورحت قعدت جنب أمي على الكنبة في الصالون. مسكت الكوباية بإيديها المجهدة، وشربت أول بق وغمضت عينيها براحة وقالت: «الله يا ياسين.. بقالي شهور مشاميتش ريحة القهوة دي، كانت تحطلي في كل حاجة طعم ممرر عشان أدوخ وأنام.»
مسكت إيدها وقلت لها: «حقك عليا يا أمي.. أنا السبب، سبتك مع واحدة مكنتش أتصور إن جوه قلبها كل العلّة والسواد ده.»
ردت عليا بحكمة: «ما تقولش كده يا ابني، العسكري في خدمته مبيبقاش فاكر إن الحرب ممكن تجيله جوه بيته.. المهم إنك جيت، وإنك شغّلت عقلك وما خلتش غضبك يعميك.»
عد ساعتين، التليفون رن. كان ضابط المباحث بيطلبني أروح القسم علشان أقدم أقوالي الرسمية وأسلم أصل التوكيل، ومذكرات أمي، والشريحة اللي عليها تسجيل المطبخ وسجلات الكاميرات السحابية.
نزلت القسم، ولقيت سارة قاعدة على الكرسي في المكتب، الميك أب بتاعها سايح، ووشها شايل الخزي كله. أول ما شافتني قامت وقفت وحاولت تقرب مني وهي بتبكي: «ياسين! عشان خاطري سامحني! أنا اتضحك عليا، الدكتور مدحت هو اللي أوزني وهو اللي قاللي هنعمل كده ونقسم الفلوس! والله أنا بحبك ومش عايزة أخرب بيتي!»
بصيت لها ببرود تام، وقلت للضابط بصوت ثابت: «حضرتك يا فندم، أنا بقدم بلاغ رسمي بتهمة الشروع في إيذاء أمي وإعطائها أدوية بدون استشارة طبية، والتزوير في أوراق رسمية، واستغلال غيابي للسيطرة على أملاك العيلة.. ومش هتنازل عن أي حق من حقوقنا لحد آخر يوم في عمري.»
سارة صرخت لما سمعت الكلام ده، والعساكر مسكوها ورجعوها مكانها، والضابط هز رأسه وقاللي: «متخافش يا أستاذ ياسين، القضايا دي فيها أدلة قطعية والنيابة هترحلهم للحبس الاحتياطي الصبح، الدكتور اعترافه جاب رجلها ورجل الموظف اللي في البنك كمان.»
رجعت البيت وأنا حاسس إن جبل انزاح من على صدري. مشيت في الشارع اللي كبرت فيه، وأول ما وصلت قدام العمارة، لقيت الجيران واقفيين، ومنهم أم نجلاء اللي كانت سارة بتتكلم معاها الصبح. قربت مني وقالت بخجل: «يا ياسين يا ابني.. إحنا آسفين، سارة كانت مبهدلة صورة الحجة قدامنا وكلنا صدقنا إن عندها خرف.. ربنا يرجعلكم حقكم ويشفيها.»
رديت عليها بهدوء: «أمي بخير يا أم نجلاء.. أمي أوعى وأعقل من أي حد، بس الناس اللي بيعملوا الخير ساعات بيتخدعوا في أقرب الناس ليهم.»
طلعت الشقة، لقيت أمي واقفة في المطبخ، بتطلع صينية الكيكة من الفرن، وريحة الليمون والفانيليا مالية المكان كله. بصتلي وابتسمت ابتسامة صافية، ابتسامة الأم اللي رجع لها بيتها وابنها وأمانها.
قعدنا سوا نأكل ونفتكر الأيام الحلوة، وعرفت ساعتها إن الخدمة العسكرية مش بس بتعلمك إزاي تدافع عن وطنك بأسلحة وتكتيكات.. الخدمة حمتني وخليتني أقدر أحمي البيت اللي رباني، وأرجع الحق لأصحابه قبل ما فوات الأوان يضيّع كل حاجة.
مرت الأسابيع بسرعة، والقضايا أخدت مجراها الطبيعي في المحكمة. الأدلة اللي جمعتها من التحويلات البنكية، وتسجيلات السحابة الالكترونية، ومذكرات أمي بخط إيدها، وشهادة الدكاترة في الطب الشرعي اللي أثبتوا وجود نسب عالية من المهدئات في جسم أمي… كل ده خلى القاضي يصدُر حكمه السريع: سجن سارة والدكتور مدحت والموظف الخاين بتهم التزوير والشروع في الإيذاء والتلاعب بالحسابات.
في اليوم اللي الحكم صدر فيه، كنت واقف قدام المحكمة وبصيت للسما. حسيت بنظافة وجع شديد في صدري، زي اللي بيشيل رصاصة كانت مدفونة جواه.




