
لمدة تسعة وتمانين يوم، كان أخطر راجل في القاهرة نايم قدامي من غير ما يفتح عينه، والغريب إني كنت الوحيدة في المستشفى اللي بتكلمه كأنه لسه سامعني. وفي ليلة شتا والمطر كان بيخبط بعنف في شبابيك العناية المركزة، وبعد ما خلصت قراءة الكتاب اللي متعودة أقراه جنبه، قربت منه وهمست: «خليك… أوعى تسيبني وتمشي». ساعتها حصلت حاجة خلت كل أجهزة المراقبة في العناية المركزة تتغير في نفس اللحظة.
الساعة كانت تلاتة وسبعتاشر دقيقة الفجر، ومستشفى النور التخصصي في القاهرة كانت أهدى وأبرد من المعتاد. المطر كان بينزل بغزارة، ونقط الميه بتجري على إزاز شبابيك العناية المركزة، وصوت الأجهزة كان ماشي بإيقاع ثابت وسط الهدوء التقيل. النور الأبيض القوي كان مخلي وشوش الدكاترة والممرضين باينة عليها علامات الإرهاق.
الأوضة رقم 412 كان فيها مريض نايم بقاله تقريبًا تلات شهور من غير ما يحرك حتى صباع. الملف الطبي كان مكتوب عليه: «ياسر الشافعي، 34 سنة، إصابة شديدة في المخ، ومضاعفات بعد العملية». بس محدش في المستشفى تقريبًا كان مصدق إن الاسم ده حقيقي.
اسمه الحقيقي كان رامي الشافعي. رجل أعمال مشهور، من أكبر أصحاب شركات النقل والشحن في مصر، وواحد من أغنى رجال الأعمال في القاهرة. صورته كانت بتظهر في الجرائد والمواقع باعتباره رجل أعمال ناجح، بيتبرع للمستشفيات وبيساعد في بناء المدارس. لكن ورا الصورة دي كانت فيه حكايات تانية محدش كان بيتكلم عنها بصوت عالي.
الشرطة كانت بتسأل عنه، وناس من جهات رسمية كانوا بيظهروا حوالين المستشفى من غير ما يقولوا سبب وجودهم. اتنين رجالة لابسين بدل سودا كانوا واقفين قدام أوضته على مدار الساعة، وكأنهم بيحرسوا شخصية أهم من أي مريض عادي. ودكتور مخ وأعصاب مشهور كان بييجي مخصوص من الإسكندرية مرتين في الأسبوع علشان يتابع حالته بنفسه. وحتى مدير المستشفى كان بينزل في نص الليل يتطمن عليه بنفسه.
أما أنا، فبعد المناوبة التانية عشرة ليا معاه، كنت بدأت أفهم إن الموضوع أكبر بكتير من مجرد مريض في غيبوبة. لكن بالنسبة لي، رامي الشافعي ماكانش رجل أعمال مشهور، ولا شخص الشرطة بتدور وراه، ولا الراجل اللي الناس بتخاف حتى تجيب سيرته. بالنسبة لي كان مجرد إنسان نايم على سرير، ما اتكلمش، وما اتحركش، وما فتحش عينه بقاله تسعة وتمانين يوم.
مسكت إيده اللي كانت مليانة آثار جروح قديمة، ومسحتها بفوطة دافية، وبدأت أتكلم معاه زي ما كنت متعودة كل ليلة. وقلت له وأنا بظبط الغطا حواليه: «إنت فاتك حاجات كتير النهارده… الدكتور الجديد كان هيقع من طوله وهو بيحاول يركب القسطرة، وأنا كنت هموت وأضحك عليه.» طبعًا ما ردش.
الممرضات الكبار كانوا شايفين إني بضيع وقتي. واحدة منهم قالتلي قبل كده: «يا بنتي هو مش سامعك، بلاش تتعبي نفسك.» ودكاترة المخ والأعصاب كانوا أكدوا إن مفيش أي دليل إنه قادر يستوعب الكلام اللي حواليه. بس أنا كنت بفضل أكلمه. يمكن علشان أنا نفسي عارفة يعني إيه الواحد يبقى وسط ناس، وبرضه يحس إنه لوحده.
من وأنا صغيرة وأنا بتنقل بين بيوت قرايب ومؤسسات رعاية، واتعلمت إن السكوت ممكن يكون أقسى من أي كلام. ممكن الناس تبطل تكلمك، وبعدها تبطل تسألك عنك، وبعد فترة تحس إن وجودك نفسه بقى مش فارق لحد. وأنا رفضت أخلي ده يحصل معاه.
ظبطت مخدته، وراجعت أنبوبة التغذية، وسويت شعره الأسود اللي كان واقع على جبينه، وبعدها عيني وقعت على الندبة الطويلة اللي كانت ماشية جنب فكه. رغم شهور الغيبوبة، رامي الشافعي كان لسه شكله يخوف. ملامحه كانت قاسية حتى وهو نايم، كأن الصعوبات اللي عاشها طول عمره سابت أثرها على وشه، لدرجة إن النوم نفسه ماقدرش يخلي ملامحه هادية.
مديت إيدي في جيب الاسكراب وطلعت كتاب قديم كنت مخبياه جواه. كان كتاب «فن الحرب». ابتسمت ابتسامة صغيرة وأنا بقعد على الكرسي جنبه وقلت: «إنت شكلك واحد بيحب الخطط والاستراتيجيات… أو يمكن واحد كان المفروض يفهمها من بدري.» فتحت الكتاب وبدأت أقرأ بصوت واطي.
برا، صوت الرعد كان بيهز شبابيك المستشفى، والمطر كان بينزل على القاهرة كأنه مش هيخلص. محدش كان يعرف إني كل ليلة بقعد أقرأ له. ومحدش كان يعرف إني كنت وصلت تقريبًا لنهاية الكتاب، وأنا بقرأه لراجل الدكاترة نفسهم مقتنعين إنه مش سامع أي حاجة.
بعد حوالي عشرين دقيقة، قفلت الكتاب. وقفت وبصيت على الأجهزة. نبضه منتظم. نسبة الأكسجين مستقرة. كل حاجة طبيعية. كان المفروض أخرج من الأوضة وأسيبه يرتاح. لكن بدل ما أخرج، قربت منه. عملت حاجة عمري ما كنت بعملها قدام حد. حطيت كف إيدي بهدوء على جبينه. كان دافي. وهمست: «خليك… مهما كان مستنيك بره… خليك.»
فضل ساكت. ثانية. اتنين. وفجأة… الجهاز أصدر صوت. بيب. وبعدها بيب تاني. لكن المرة التالتة كانت أسرع. بصيت على الشاشة وأنا مش فاهمة. النبض بدأ يعلى. «رامي؟» الرقم على الشاشة ارتفع أكتر. سحبت إيدي بسرعة وبصيت على وشه.
تسعة وتمانين يوم. تسعة وتمانين يوم كاملين، جفونه ما اتحركتش. لكن دلوقتي… اتحركت. حركة بسيطة جدًا. رمشة خفيفة. وبعدين رمشة تانية. نفسي اتقطع. مديت إيدي ناحية زرار استدعاء الدكتور. لكن قبل ما صوابعي تلمسه… إيده اتحركت فجأة. مسك معصمي بقوة. اتجمدت في مكاني.
بصيت له وأنا مش قادرة أصدق اللي بيحصل. جفونه اتفتحت. في الأول عينه كانت تايهة ومش مركزة. وبعدين… ثبت نظره عليا. بصلي كأنه كان عارف أنا مين. كأنه كان شايفني من أول يوم. وبصوت مبحوح وضعيف، كان أول صوت يخرج من بقه بعد تسعة وتمانين يوم في الغيبوبة… ما سألش هو فين. ما سألش مين ضربه. ما سألش هو بقاله قد إيه نايم. هو بصلي وقال: «ما تخليهاش تمشي…» سكت لحظة، وشد إيده حوالين معصمي أكتر. وبصوت متقطع قال: «ما تخليهاش… تخرج من هنا.»




