روايات وقصص

بنت صغيرة عندها ٧ سنين حكايات انجى الخطيب

قالت:

“ملك.”

سألتها:

“ومامتك فين؟”

وشها اتغير فجأة.

وقالت:

“ماما مشيت.”

“مشيت فين؟”

هزت راسها.

“معرفش.”

سألتها:

“وبابا؟”

ردت بعد سكوت:

“معرفوش.”

الكلمتين دخلوا قلبي بشكل غريب.

مديت إيدي وخلعت الجاكيت بتاعي وحطيته على كتفها.

وقلت:

“تعالي معايا. هنروح مكان دافي، وهجيبلك أكل، وبعدين نشوف مامتك وبابا فين.”

لكنها رجعت خطوة لورا بسرعة.

“لأ.”

استغربت.

“ليه؟”

شدت الجاكيت حوالين جسمها وقالت:

“مينفعش أمشي.”

“ليه مينفعش؟”

سكتت وهي بتبص حوالين نفسها.

وبعدين قالت:

“أنا مستنية حد.”

سألتها:

“مستنية مين؟”

بصت ناحية الشارع الزحمة، وبعدها ناحية الناس اللي ماشية تحت المطر.

وفجأة دخلت إيدها تاني تحت البلوفر.

طلعت كيس بلاستيك صغير مربوط بخيط.

مدتهولي.

فتحته، ولقيت جواه صورة قديمة.

أول ما عيني وقعت على الصورة، إيدي بدأت ترتعش.

كان فيه ولد صغير واقف جنب البنت.

الولد كان أنحف من آخر مرة شوفته فيها.

ملامحه اتغيرت شوية.

وشعره كان أطول.

لكن عينيه…

العينين دول عمري ما أنساهم.

كان ابني.

ياسين.

ابني اللي بدور عليه بقالـي سنة.

حسيت نفسي مش قادر آخد نفسي.

بصيت للبنت وقلت:

“ملك… إنتي جبتي الصورة دي منين؟”

ق قالت:

“هو اللي اداهالي.”

قلبي دق بعنف.

بصيت للصورة تاني، وبعدين سألتها:

“هو مين؟”

قالت بمنتهى البساطة:

“الولد اللي في الصورة.”

حسيت إن صوت العربيات والمطر والناس كلها اختفى.

مسكت الصورة بإيدي الاتنين.

وقلت:

“إنتي شوفتيه فين؟”

البنت بصت ورايا كأنها خايفة حد يكون بيراقبنا.

قربت مني، وقالت بصوت واطي جدًا:

“امبارح.”

في اللحظة دي، حسيت الدم اتجمد في عروقي.

ابني اللي كنت فاكره بعيد عني بقاله سنة…

كان هنا.

وكانت البنت دي شافته امبارح.

لكن السؤال اللي خلاني أحس بالخوف أكتر من أي وقت فات…

هو: ياسين كان عايش فين طول السنة دي؟ ومين اللي كان مخبيه عني؟

نزلت على ركبتي في الطين وسط الشارع، المطر نازل فوق رأسي بيختلط بدموعي اللي ماقدرتش أحبسها أكتر من كده. مسكت إيد ملك الصغيرة بين إيديا الاثنين كأني خايف تضيع أو تتأذي، وقربتها مني وصرخت بصوت مكتوم من الصدمة: “شفته فين يا ملك؟ قوليلي بصراحة.. شفته فين وابني شكله عامل إزاي؟”

البنت اتخضت من نبرة صوتي ورجعت خطوة لورا، لكن لما شافت الدموع في عيني سكنت، وبصتلي بعيونها الكبيرة الذكية وقالت: “في البيت القديم المهجور اللي ورا شريط السكة الحديد.. عمو حتاتة جيبه هناك من كام شهر.. هو مش بيخليه يطلع الشارع كتير، بس ياسين شافني امبارح وسرق الصورة دي واداهالي من ورا الشباك الحديد المكسور، وقالي: لو شفتي راجل طويل ولابس جاكيت كحلي وبيعيط، اديله الصورة دي وقوليله ياسين مستنيك.”

الكلام نزل عليا زي الصاعقة. ابني اللي قضيت سنة كاملة فاكر إن أمه خطفته وسافرت بيه، كان مقفول عليه في مكان مهجور على بعد خطوات مني، ومستني فرج ربنا.

ماضيعتش ثانية واحدة. شيلت ملك بين إيديا وركضت بيها ناحية العربية اللي كانت واقفة على أول الشارع. السواق، العريف محمود اللي شغال معايا من سنين، أول ما شافني بالمنظر ده نزل جري وفتح الباب وهو مرعوب.

“يا فندم! خير؟ فيه حاجة حصلت؟”

قلتله بصوت حاسم رجع فيه اللواء سامح اللي مايعرفش الخوف ولا التردد: “دور العربية يا محمود.. افتح التكييف الدافي وهات أي أكل عندك للبنت دي، واطلع بينا على منطقة السكة الحديد القديمة.. ملك هتسوقنا.”

العربية طلعت تقطع المطر والضباب. ملك كانت بتلتهم السندوتش اللي جابهولها محمود بعيون مليانة طيبة وحرمان، وجسمها بدأ يدفى بالجاكيت بتاعي.

قعدت جنبها وسألتها ونبرتي مكسورة: “ومامتك يا ملك؟ أم ياسين فين؟ شفتيها هناك؟”

هزت رأسها بأسى وقالت بصوت واطي: “طنط كانت تعبانة أوي وتعبها زاد من ست أشهر.. عمو حتاتة أخدها المستشفى وما رجعتش.. وياسين قالي إنها راحت عند ربنا.. ومن ساعتها وعمو حتاتة ماسك ياسين وبيخليه يقعد في البيت وبيستغله.”

الحقيقة كانت مريرة وبتوجع القلب.. مراتي ماتت وسابت ابني في جحيم الشارع. طلعت موبايلي بسرعة وفتحت الشبكة، كان ممكن أطلب قوة كاملة تمشط المنطقة، لكن عقلية الظابط جوايا حذرتني؛ المكان ده ضيق وأي حركة شرطة كبار ممكن تخلي الشخص ده يحس بالخطر ويعمل حاجة في الولد.

وصلنا الشارع الضيق ورا السكة الحديد. الدنيا كانت ضلمة كحل، ومفيش غير صوت المطر بيهبد على أسطح الصاج والبيوت الآيلة للسقوط.

ملك شاورت بإيدها الصغيرة من شباك العربية: “هو البيت أبو باب خشب مكسور ده.. اللي نوره مطفي.”

نزلت من العربية وطلبت من محمود يفضل جنب ملك ويقفل الأبواب من جوة، وقلتله بصرامة: “لو أبطأت أكتر من عشر دقائق، اطلب حراسة القطاع فوراً.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى