روايات وقصص

بنت صغيرة عندها ٧ سنين حكايات انجى الخطيب

سحبت سلاحي الميري من الجراب، ومشيت خطوات ثابتة وحذرة وسط الطين. الجندي جوايا صحي بكل شراسة وقوة، بس الأب اللي جوايا كان قلبه بيلعلع ويدق بقوة.

قربت من الباب الخشب، وزقيته بهدوء برجلي.. الصوت كان بيأن تحت أقدامي. المكان كان ريحته رطوبة وعفن، وأصوات أنفاس أطفال صغار نازلين في النوم على الأرض وسط البرد.

في صالة البيت المهدودة، كان فيه راجل ضخم قاعد على كرسي خيزران قديم وبيدخن، وجنبه حصيلة الفلوس اللي بيجمعها من الأطفال.

أول ما شافني وقف بسرعة ويده راحت على جيبه وهو بيزعق: “إنت مين يا جدع إنت؟ وداخل كدا إزاي؟”

ما اديتوش فرصة يكمل الكلمة. بلمحة عين وبخبرة سنين الخدمة الميدانية، سيطرت عليه ورميته على الأرض، وضارب سلاحي الميري بثبات.

“كلمة زيادة.. ابني ياسين فين؟”

الراجل اتخرع ووشه أصفر لما شاف الحزم في عيني، وقال وهو بيلعثم: “في.. في الأوضة الجوانية جوة والله ما عملتله حاجة!”

سبته وفتحت باب الأوضة المكسور برجلي.. الأوضة كانت ضلمة، بس مع ضوء عمود النور اللي برة، شفت جسم صغير ملفوف في بطانية متبهدلة في الزاوية.

“ياسين؟”

الصوت خرج مني مخنوق، مش صوت ظابط ولا لواء، صوت أب مكسور بينادي روحه اللي غايبة عنه بقالها سنة.

الولد تحرك بسرعة، قام وقعد، عينيه لمعت في الضلمة.. نفس العينين الصافية اللي حافظها عن ظهر قلب.

“بابا؟”

جريت عليه وضمنته لصدري بقوة هزت كياني كله. الدموع نزلت مغرقة وشه وشعره، وهو كان ماسك في رقبتي بكل قوته وبيصرخ ويدفن وشه في صدري: “عارف إنك هتيجي يا بابا.. عارف إنك مش هتسيبني!”

شيلته في حضني وما فارقتوش لحظة، وطلعت بيه لبرة. محمود كان جه ورانا ومعاه قوة الشرطة اللي بلغها، والقبض تم على المكان بالكامل.

في العربية، ياسين كان ماسك في إيدي ومبتسم وهو مش مصدق، وملك قاعد جنبنا بتتفرج علينا بابتسامة خجولة ودموع في عينيها.

بصيت لملك، ومديت إيدي الثانية وشديتها لحضني مع ياسين، وقلت بصوت حاسم ودفيء: “من النهاردة يا ملك.. إنتي وياسين إخوات.. وعمر ما حد فيكم هيجوع أو ينام في المطر تاني.”

عدت الأيام بسرعة كأنها حلم. بيتي اللي كان فاضي ومظلم طول السنة اللي فاتت، رجعت فيه الروح من جديد. ضحكة ياسين وهي بتملى الممرات، وصوت ملك وهي بتتحرك بخجل في الأول، لحد ما بدأت تحس إن المكان ده بيتها فعلاً.

أخدت إجازة مفتوحة من الخدمة، وكرست كل وقتي عشان أعوضهم عن كل لحظة خوف ووجع عاشوها. أول حاجة عملتها إني بدأت إجراءات كفالة ملك رسمياً، وبقت بنتي قدام القانون والدنيا كلها. ياسين وملك بقوا أقرب لبعض من أي إخوات، هي تهتم بيه وتفكر بوعي الطفلة اللي شافتها القسوة، وهو يعلمها اللعب ويرجع لها طفولتها اللي اتسرقت منها.

وفي يوم دافي من أيام الربيع، كنا قاعدين في جنينة البيت. الشمس كانت طالعة ومغطية المكان بالنور، وياسين وملك بيلعبوا وبيجروا ورا الكورة. كنت قاعد بتابعهم من بعيد وبشرب القهوة، وحاسس بسلام عمري ما حسيت بيه قبل كده.

فجأة ملك سابت الكورة وجت جرت عليا، قعدت جنب الكرسي وبصتلي بعيونها الصافية، وقالت: “عمو سامح؟”

ابتسمت ونزلت لمستواها وشدتها لحضني: “يا عيون عمو سامح.. فيه إيه؟”

طلعت من جيبها منديل ورق قديم، هو نفس المنديل اللي كانت لفالي فيه نص رغيف العيش أول يوم اتلقينا فيه تحت المطر.

مدتلي المنديل وقالت بصوت هادي ومبتسم: “أنا شلت ده عشان يفكرني دايماً إن ربنا بيبعت العوض في أصعب الأوقات.. وإن نص الرغيف ده هو اللي جابلي أحسن بابا في الدنيا.”

دموعي نزلت، بس المرة دي كانت دموع فرح وراحة. ضميت ملك وياسين لصدري بقوة، وعرفت إن الرحلة القاسية دي كلها كانت عشان نتقابل، ونبقى عيلة واحدة متماسكة مش هيقدر أي ظرف يفرقها تاني.

مرت الشهور، وكان لازم أبدأ أخد خطوات حقيقية عشان أرجع لملك حقها في الحياة، حقها اللي اتسرق منها في الشارع. الأوراق الرسمية أخدت وقت ومجهود كبير، بس مع كل ورقة كانت بتخلص وكل ختم كان بتتبصم، كنت بحس إن حتة من الضلمة بتتشال من حياتنا.

اليوم اللي طلعت فيه شهادة الميلاد الجديدة، وجنب اسمها اتكتب اسمي.. “ملك سامح رشدي”، مسكت الورقة وأنا إيدي بتميل من التأثر. ناديت عليها في الصالة، وجت بتجري وهي ماسكة ألوانها: “نعم يا بابا؟”

نزلت لقامتها ومديتلها الورقة وقلتلها: “من النهاردة يا ملك، إنتي رسمي بنتي.. اسمك بقى زي اسم ياسين بالظبط، ومفيش أي قوة في الدنيا تقدر تبعدك عننا تاني.”

البنت بصت في الورقة، رغم إنها ماكانتش بتعرف تقرأ كل الكلام، بس لقطت اسمي مكتوب جنب اسمها. حضنتني بقوة ودموعها بلت كتفي، وقالت بصوت مخنوق: “يعني أنا بقى ليا عيلة بجد؟ مش هبقى لوحدي تاني؟”

“عمرك ما هتكوني لوحدي تاني يا ملك.”

مع بداية السنة الدراسية الجديدة، نزلت معاهم نشتري هدوم المدرسة والشنط. كان منظر ملك وهي بتختار شنطتها وردي عليها رسمة أطفال حاجة تحرك الحجر. كانت بتلمس الشنطة بحذر شديد كأنها خايفة تكون بتحلم والشنطة تختفي من إيدها. وياسين واقف جنبها بيساعدها ويختار معاها الأقلام والكشاكيل ويفهمها دي بتتعمل بإيه.

في أول يوم مدرسة، صحيت من الصبح بدري قبلهم كلهم. حضرت الفطار، ورتبت هدومهم، ووقفت أستناهم ينزلوا. لما طلعوا من أوضهم وهما لابسين زي المدرسة، حسيت بقلبي بيدق بنفس القوة اللي كانت بتديليه في أرض الخدمة، بس المرة دي دقات فرح وشغف بالحياة.

مسكت إيد ملك باليمين وإيد ياسين بالشمال، ومشينا في الشارع. المطر كان بيطش خفيف على وشنا، نفس المطر اللي جمعنا من كام شهر في الشارع الضيق، بس المرة دي ماكانش فيه برد ولا خوف ولا جوع.

وقفت قدام باب المدرسة، ونزلت لمستواهم. مسكت وش ملك بين إيديا وقلتلها: “أنا فخور بيكي يا ملك.. اتعلمي وكبري وافتكري دايماً إنك أقوى طفلة في الدنيا.”

بصتلي وهي بتبتسم ابتسامة صافية طالعة من قلبها، وقالتلي بوعي أكبر من سنها: “عارف يا بابا؟ المطر زمان كان بيخوفني عشان كان معناه إني هبات مبلولة وبردانة.. بس دلوقتي لما بيزل المطر، بفتكر إن ربنا نزل معاه الرحمة والفرج يوم ما قابلتك.”

سابت إيدي وجرت هي وياسين من باب المدرسة وهما بيتلفتوا ويشورولي. وقفت أتابعهم بعيني لحد ما اختفوا وسط الأطفال، وأنا واقف تحت المطر اللي بطل يخوفني، وعرفت إن الحياة مهما قسيت ودخلت في الضلمة، بييجي وقت وربنا بيبعت شعاع نور يغير كل حاجة.. ونوري أنا، كان طفلة صغيرة بتقدم نص رغيف في شارع قاهري بارد.

مرت الأسابيع والشهور كأنها لحظات خطفها الزمان من وسط السنين القاسية. البيت اللي كان في يوم من الأيام مجرد جدران باردة وصمت يخنق، بقى مليان بحركة وضحك ودوشة أطفال، دوشة كانت بالنسبة لي أحلى موسيقى أسمعها في حياتي.

وفي يوم، وأنا قاعد في مكتبي بالبيت براجع بعض الأوراق، رن موبايلي. كانت مدرسة ملك. قلبي انقبض في الأول تلقائياً بحكم الخوف القديم، ردّيت بسرعة: “ألو.. أستاذة فريدة؟ خير؟ ملك فيها حاجة؟”

جالي صوت المدرسة هادي ومبتسم: “لا يا سيادة اللواء، متقلقش خالص.. كل الخير. أنا بس كنت حابة أطلب من حضرتك تشرفنا في المدرسة النهاردة ساعة المعرض الفني السنوي للأطفال.. فيه حاجة متميزة جداً ولازم حضرتك تشوفها بنفسك.”

اتنفست ببراح وقلت لها: “ساعة وأكون عندكم.”

غيرت هدومي ونزلت بسرعة. دخلت المدرسة والبهجة كانت مالية الممرات، لوحات أطفال بالألوان متعلقة في كل مكان، وأولياء الأمور واقفين بيتفرجوا وبيتكلموا. مشيت وسطهم بفتش بعيني على ملك، لحد ما لقيت الأستاذة فريدة واقفة مع مديرة المدرسة قدام لوحة معينة وبيتكلموا بذهول.

أول ما شافتني الأستاذة فريدة، شاورتلي وبسمتها وسعت: “اتفضل يا سيادة اللواء.. اتفضل شوف اللوحة اللي أخدت المركز الأول على مستوى المنطقة كلها.”

قربت بخطوات هادية، وعيني وقعت على اللوحة.

اللوحة كانت مقسومة نصين بعناية شديدة من طفلة عندها سبع سنين. النص الشمال كان مضلم، مطر أسود نازل بغزارة، ورصيف طين، وفي الزاوية رسمة صغيرة لبنت هدومها مبلولة، ماسكة في إيدها نص رغيف عيش ملفوف في منديل ورقي. والنص اليمين كان دافي، شمس طالعة ونور أصفر مالي المكان، نفس البنت لابسة زي المدرسة وماسكة إيد راجل بطول اللوحة لابس جاكيت كحلي وفي الإيد الثانية ولد صغير بيضحك.

وتحت اللوحة، كانت مكتوبة جملة بخط إيدها الصغير والموجوع: “الرغيف اللي قسمته مع غريب تحت المطر.. رجعلي بابا وأخويا وحياة.”

حسيت بغصة في حلقي والدموع اتجمعت في عيني للمرة الألف بسبب البنت دي. مديرة المدرسة قربت مني وقالت بصوت مليان احترام: “ملك لما اتسألت من لجنة التحكيم عن القصة اللي ورا اللوحة، قالت لهم بمنتهى الثبات: بابا علمني إن العطاء مش باللي معاك، العطاء باللي في قلبك.. وهو أداني قلبه وحياته كلها لما كنت مش لاقية مكان أنام فيه.”

في اللحظة دي، حسيت بإيد صغيرة بتشد طرف الجاكيت بتاعي. بصيت تحت، لقيت ملك واقفة جنب ياسين، لابسية زي زي المدرسة ونظيفين، وعينيها بتلمع ببريق نجاح وفخر.

“عجبتك اللوحة يا بابا؟”

نزلت على ركبتي قدامها، وماقدرتش أمنع نفسي من إن أحضنها هي وياسين مع بعض وسط الناس، وقولتلها بصوت مرتعش من التأثر: “اللوحة مش بس عجبتني يا ملك.. اللوحة دي هي أحلى حاجة اتلزمت في حياتي كلها.. إنتي اللي نورتي دنيتنا يا بنتي.”

ياسين ابتسم وشد اللوحة بإيده وقال بضحكة صافية: “وعلى فكرة يا بابا، هي وعدتني إن الجائزة اللي أخدتها—علبة ألوان كبيرة—هنتقاسمها أنا وهي النهاردة ونرسم بيها بيتنا الجديد.”

وقفنا الثلاثة، ومسكت إيديهم الاثنين بين إيديا، ومشينا في ممر المدرسة وسط تصفيق الحاضرين. وأنا طالع لبرة والشمس دافية ومغطية المكان، رفعت رأسي للسما وشكرت ربنا.. شكرته إنه في أشد أوقات المحنة، بيبعت الرحمة في أضعف صورة، وعرفت إن كل وجع عشته في السنة اللي فاتت كان التمن اللي اندفع عشان أكتسب أغلى عيلة في الدنيا.

تمت

حكايات إنجى الخطيب
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى