روايات وقصص

حبسني جوزي يوم فرح اختة

دخلت في المخاض وسط فرح أخت جوزي الفخم في مزرعة العنب، لكن بدل ما يساعدني، جوزي حبسني جوه الحمام عشان ما أفسدش عليها يومها المثالي. اللي ما كانش يعرفه إن مكالمة يائسة واحدة مني مش بس هتنقذ ابني اللي لسه ما اتولدش، لكنها كمان هتدمر عيلة قوية كانت فاكرة نفسها فوق القانون للأبد.

نزلت المية مني تحت نجفة كريستال ضخمة، وفي اللحظة نفسها تقريبًا انفجر أكتر من تلتمية ضيف بالتصفيق، وهم بيتفرجوا على أول رقصة للعروسة، أخت جوزي.

وسط الزحمة والفرحة، حسيت بسائل دافئ بينزل على الأرض الرخامية اللامعة، وبعدها ضربني وجع رهيب خلاني أقبض على كم جوزي.

“محمود…” قلت بصعوبة وأنا بحاول آخد نفسي. “لو سمحت… اتصل بالإسعاف. في حاجة غلط.”

لكنه ما بصليش حتى.

فضلت عينه معلقة بساحة الرقص، حيث كانت أخته سيرين بتلف وسط الأضواء بفستان فرح تمنه أكتر من اللي عائلات كتير ممكن تكسبه في سنين.

قرب مني وهمس من بين أسنانه:

“المصور بيصور. تقدري تستحملي شوية؟”

وجع تاني ضربني لدرجة إن رجلي كادت تخوني.

صرخت:

“البيبي هييجي! أنا لسه في الشهر الثامن… عندي أربعة وتلاتين أسبوع!”

بدل ما يظهر عليه الخوف، بان الضيق على وشه.

مسكني من دراعي وجرني ناحية ممر ضيق مخصص للخدمة، وبعدها فتح باب حمام بعيد عن القاعة.

دخلت وأنا بتخبط في الحيط.

وقبل ما ألحق أمد إيدي له، الباب اتقفل في وشي.

سمعت صوت المفتاح وهو بيلف في القفل.

“محمود!”

خبطت على الباب بكل قوتي.

جالي صوته بارد من الناحية التانية:

“الفرح ده كلفنا كتير عشان يطلع بالشكل ده. أختي تستاهل يوم كامل من غير مشاكل. اقعدي هنا لحد ما الحفلة تخلص.”

وبعدها سمعت خطواته وهي بتبعد.

وقفت لوحدي، وأنا بحاول أقاوم الألم، وفهمت في اللحظة دي حاجة كانت بتوجع أكتر من الانقباضات نفسها.

حماتي كانت دايمًا بتسخر من شغلي الحكومي.

وسيرين كانت بتضحك على هدومي البسيطة وتقول لي:

“إنتِ يا بنتي شكل شغلتك كلها إنك تعدّي حبات العنب.”

ومحمود كان بيضحك معاهم.

وبعد كل مرة كانوا يهينوني فيها، كان ييجي بالليل يعتذر لي على انفراد، وكأن الإهانة بتختفي لمجرد إن مفيش حد شايفه.
لكن محدش فيهم سألني يومًا أنا بشتغل إيه بالضبط.

أنا ما كنتش مجرد محاسبة بتراجع حسابات.
كنت مراجعة جنائية تابعة لإدارة مكافحة جرائم الاحتيال المنظمة في النيابة العامة.

ولمدة تسعة شهور، كنت بتتبع ملايين الجنيهات اللي بتتحرك من وإلى مزرعة عيلة الشناوي.

مقاولين وهميين.

موظفين مش موجودين أصلًا.

شركات وهمية متسجلة بأسماء أقارب ماتوا من سنين.

حسابات مصرفية بتتحول بينها ملايين بشكل منتظم.

سكتُّ لأن محمود كان بيقسم لي إنه ما يعرفش أي حاجة.

لكن من أسبوعين بس، اكتشفت الحقيقة.

كل التحويلات المشبوهة تقريبًا كان عليها توقيعه.

انقباض عنيف خلاني أقع على أرض الحمام.

إيدي كانت بتترعش وأنا بمدها ناحية شنطتي، وطلعت منها تليفون الطوارئ المشفر.

التليفون ده كان فيه رقم واحد بس.

اتصلت.

الرد جه فورًا.

“أيوه يا ندى؟”

كان صوت العقيد داليا، المسؤولة عن ملف التحقيق.

همست وأنا بحاول أتنفس:

“الميه نزلت… أنا محبوسة في حمام العروسة الشرقي.”

صوتها اتغير فورًا.

“مين اللي حبسِك؟”

بصيت للباب وأنا حاطة إيدي على بطني.

“جوزي.”

سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

“محمود الشناوي هو واحد من الأسماء الموجودة في أمر القبض السري.”

اتجمدت مكاني.

وبعد ثواني قالت:

“خليكي واعية يا ندى. الإسعاف والشرطة اتحركوا بالفعل.”

سكتت لحظة، وبعدين أضافت بنبرة حاسمة:

“إحنا داخلين نوقعهم كلهم.”

في الخارج، كانت الفرقة الموسيقية لسه بتعزف.

وكاسات الشمبانيا كانت بتتخبط في بعضها.

والضيوف كانوا بيضحكوا ويصوروا العروسة.

ولا واحد فيهم كان عارف إن عربيات الطوارئ كانت بتقرب بسرعة من بوابة المزرعة.

ولا واحد كان يتخيل إن قبل ما العروسة تقطع تورتة الفرح، المكان كله هيتحول لمسرح جري\مة.

حكايات شروق خالد

ما لحقتش أرد على داليا.

انقباض جديد ضربني بعنف، لدرجة إني حسيت إن ضلوعي هتتكسر.

وقعت على ركبتي وأنا ماسكة بطني وبحاول أقاوم الصرخة.

“آه!”

الموبايل وقع من إيدي، لكن المكالمة فضلت مفتوحة.

سمعت صوت داليا:

“ندى! ردي عليا! إنتِ سامعاني؟”

حاولت أوصل للموبايل، لكن جسمي كله كان بيرتعش.

“أنا… هنا.”

“ماتقفليش الخط. الإسعاف قرب يوصل. خدي نفس ببطء.”

حاولت أعمل اللي قالت عليه، لكن فجأة سمعت أصوات برا الحمام.

“هو إيه الصوت ده؟”

كان صوت حماتي.

وبعدها صوت محمود:

“مفيش حاجة. ندى تعبانة شوية وهتكون كويسة.”

سمعت حماتي وهي بتضحك:

“أنا قلت لك من الأول ما تجيبهاش النهارده. دي طول عمرها بتحب تلفت النظر.”

ضغطت على أسناني عشان ما أصرخش.

بعد لحظات، سمعت صوت سيرين.

“ماما، الناس بدأت تسأل عنها.”

“قولي لهم راحت تغير هدومها.”

“بس هدومها مش مبلولة.”

“اعملي اللي بقولك عليه.”

حسيت وقتها إن قلبي انكسر.

مش بس جوزي هو اللي سابني.

عيلته كلها كانت عارفة.

كلهم اختاروا إن فرح سيرين أهم من حياتي وحياة ابني.

مسكت الموبايل وقربته من ودني.

“داليا…”

“أيوه.”

“هما كلهم برا.”

سكتت ثانيتين.

“اسمعيني كويس. ماتواجهيش حد. ماتقوليش لهم أي حاجة عن التحقيق.”

ضحكت رغم الألم.

“مش محتاجة أقول لهم.”

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى