ضحكت بصوت خفيف من الشاشة: “سيبك منها يا فريد… سلمى مجرد بيدق غبي في اللعبة. أنت فاكر إنك لما زقيتني من فوق الجبل عشان الخمسين مليون بتوع التأمين، كنت بتعمل أذكى جريمة؟ أنت نسيت إنك من سنتين قتلت شريكك القديم ودققت حفرته بإيدك؟ ونسيت إن الحساب ده هو الحساب اللي كنت بتهرب فيه فلوس العصابة الدولية اللي أنت شغال معاها؟”
فريد رجع لورا لحد ما خبط في الحيطة، العرق نازل على وشه زي المطر: “أنتِ… أنتِ عرفتي الحساب ده منين؟ الأوراق دي كانت في المطبوعات السرية لـ…”
“من اللابتوب بتاعك يا حبيبي…” قاطعت كلامه بصوت حاد، “الرحلة اللي طلعتها معايا سانت كاترين؟ أنت كنت فاكر إنك مستفرد بيا… بس أنا كنت عارفة نيتك قبلها بأسبوع. بدلت كل أوراقك السرية، وحطيت أصل مستندات الجريمة القديمة في إيد النائب العام بنفسي… النهاردة الصبح.”
وفجأة… صوت سرينات البوليس بدأت تظهر من بعيد. أضواء أحمر وأزرق بدأت تضرب في زجاج شباك الفيلا من بره. صوت ميكروفون قوي صدى في الشارع: “فريد التامي! الفيلا محاصرة! اخرج وإيدك فوق راسك!”
فريد بص للشباك بذهول، وبعدين بص للشاشة وهو بيبكي من الرعب والغيظ: “عملتي إيه يا فريدة؟! عملتي إيه?!”
قربت وشي للشاشة، وقولتله بكل ثبات: “البوليس بره مش جاي يقبض عليك عشان قتلتني يا فريد… البوليس جاي يقبض عليك بتهمة الخيانة وغسيل الأموال وقتل شريكك. بس الخبر الحلو؟ إن البوليس مش هو بس اللي واقف بره…”
فريد اتجمد: “يعني إيه؟”
“يعني الناس بتوع العصابة الدولية اللي أنت سرقتهم ولبست التهمة لسالمة… واقفين عند الباب الخلفي للفيلا ومستنيينك تطلع عشان يصفوا حسابهم معاك بالطريقة بتاعتهم. قدامك أختيارين يا فريد… تطلع للبوليس وتلبس البدلة الحمرا… أو تخرج من الباب الخلفي وتقابل صحابك.”
قفلت السكة في وشه… والشاشة اسودت.
فريد وقف في نص الأوضة، بين صريخ سلمى، وسرينات البوليس من قدام، وصوت خطوات تقيلة ومسلحة بتبدأ تكسر الباب الخلفي للفيلا…
سلمى بدأت تصرخ زي المجنونة، مسكت الفازة الكريستال وكسرتها على زجاج المكتب وهي بتبص لفريد برعب وغل: “انت دمرتني! انت ضحكت عليا وقلتلي إن كل حاجة متأمنة! أنا مش هروح السجن معاك يا فريد!”
فريد ما ردش عليها، زقها بكل قوته وقعها على السجادة، وهجم على اللوحة الخشبية اللي ورا المكتب. زقها بجنوب إيديه المرتعشة، ليظهر وراها باب حديدي صغير.. الممر السري اللي بيفوت تحت الفيلا بيوصل لغرفة الصيانة المهجورة اللي ورا السور الخارجي. الممر اللي كان فاكر إن مفيش مخلوق في الدنيا يعرف بوجوده غيره.
صوت تكسير الباب الخلفي للفيلا بقى مرعب، وصوت ضرب نار حي بدأ يرن في الصالة ويهز الحيطان. العصابة دخلت، والبوليس بيقتحم من الباب القدامي.
فريد فتح الباب الحديد، اتسحب جواه، ورزعه في وش سلمى اللي كانت بتزحف وراه وبتبكي عشان ياخدها معاه. قفل المزلاج الداخلي، وسابها للمجهول.
في الظلمة الكاحلة جوه النفق، كان بيلهث وصدره بيعلو ويهبط بصوت طالع زي الفحيح. ريحة التراب والرطوبة كانت بتخنقه، بس غريزة البقاء كانت بتحركه. كان بيجري في الممر المظلم، إيديه بتخبط في الحيطان المبلولة، وعقله شغال زي الموازين: “أنا هطلع من النفق.. معايا جواز سفر مزور في العربية اللي مركونة ورا السور.. هسافر فوراً، والفلوس اللي في الحسابات التانية تكفيني أعيش ملك.. فريدة مش هتكسب.. أنا فريد التامي مش هقع!”
بعد دقائق كانت أطول من السنين، وصل لنهاية النفق.
مسك السلم الحديد المصدّي، طلع عليه بحذر، وزق الغطا الصاج بتاع غرفة الصيانة.
الهوا البارد بتاع الليل خبط في وشه. المكان كان ضلمة كحل، ومفيش غير صوت الريح وهدير سيرينات البوليس البعيدة من الناحية التانية من الفيلا.
فريد اتنفس بعمق، وابتسامة هيستيرية بدأت تترسم على وشه وهو بيمسح العرق من جبهته. حط إيده على السور عشان ينط الشارع…
وفجأة…
نور كشاف أبيض حاد اتفتح في وشه مرة واحدة!
فريد حجب النور بإيده وهو بيبرق بعينيه بذهول وصدمة: “مين هنا?!”
من وسط الظلمة، ورا الكشاف القوي، طلع صوت نفَس هادي… صوت ولاعة بتتفتح، ودخان سجارة بدأ يتصاعد في الهواء.
راجل كان قاعد على كرسي خشب قديم، لابس معطف أسود طويل، وحاطط رجل على رجل بكل برود. الراجل نزل الكشاف ببطء ليتكشف وشه تحت إضاءة الليل الخافته.
فريد ركبه اتخبطت في بعضها، وشفايفه اتجمدت، والدم اتسحب من وشه كأن ملك الموت واقف قدامه.
الراجل اللي واقف قدامه… ما كانش ظابط بوليس، ولا كان من العصابة.
كان شريكه القديم… الراجل اللي فريد قتله بإيده من سنتين ودفنه في الصحرا عشان يستولى على شركته!
الراجل حط السجارة في بقه، ابتسم ابتسامة ميت طالع من القبر، وقال بصوت حاد يبعث القشعريرة:
“تأخرت ليه يا فريد؟.. فريدة بلغتني إنك هتخرج من الباب ده بالضبط من ربع ساعة.. الشاي برِد يا صاحب العمر.”
فريد اتجمد مكانُه، ركبه انحنت وسقط على الأرض الرطبة، عينيه مبرقة وهو بيشاور بإيد بتترعش من الصدمة: “طارق؟! أنت… أنت عايش؟! إزاي؟! أنا دفنتك بإيدي.. أنا صبيت عليك خرسانة في الموقع القديم!”
طارق رمى السجارة على الأرض وداس عليها بجزمته ببطء شديد، وابتسم ابتسامة باهتة مرعبة: “الخرسانة بتداري الجثث يا فريد.. بس مش بتداري الروح لما ترجع تتنفس. أنت دفنت الشكارة اللي كان فيها هدومي ودمي، بس نسيت إن أنا اللي بنيت المكان ده.. وعارف النفق اللي يخرجني قبل ما السقف يتقفل عليا.”
فريد كان بيلهث، صوته طالع مكسور، وصوت الرصاص جوه الفيلا بدأ يهدى مع صريخ سلمى اللي بقا بعيد، وسيرينات البوليس بدأت تقرب أكتر وأكتر. بص لطارق برعب هيستيري: “فريدة… فريدة هي اللي جابتك هنا؟”
طارق قرب منه، وطى لمستواه ومسكه من ياقة بدلته بضغطة صوابع حديدية: “فريدة ما جابتنيش هنا يا فريد.. فريدة هي اللي عالجتني وسفرتني بره مصر من سنتين لما أنت حاولت تخلص مني. فريدة هي اللي كانت بتدير كل خطوة في حياتك من ورا ضهرك، وأنت فاكر نفسك الثعلب اللي بيلعب بالكل.”
فريد صرخ وهو بينفض إيد طارق برعب: “مستحيل! لو هي كانت عارفة كل ده ومخططة له.. ليه طلعت معايا سانت كاترين؟! ليه سابتني أزقها من فوق الجبل؟! دي كانت هتموت هي وابني!!”
طارق ضحك ضحكة مجنونة، ضحكة صداها هز الشارع المهجور: “عشان أنت غبي! أنت فاكر إنك زقيتها بأرادتك؟ فريدة هي اللي جرجرتك للمكان اللي هي عايزاه.. هي اللي اختارت الزاوية والصخرة اللي تقع عليها! السقوط ما كانش جريمة أنت اخترعتها.. السقوط كان الشرط الوحيد اللي يخليك تعلن وفاتها رسمياً، وتنفذ الوصية السريّة اللي سابها أبوك قبل ما يموت!”
فريد عيونه وسعت، والدم اتسحب من وشه تماماً: “وصية؟! وصية إيه؟! أبويا ما سابش وصايا!”
طارق طلع من جيب معطفه جهاز تحكم صغير، وداس على زرار..
فجأة، أضواء عربية فان سوداء زجاجها أسود فاميه كانت مركونة في الظلمة اتفتحت مرة واحدة، ونورها القوي ضرب في وش فريد.
الباب الجانبي للعربية اتفتح ببطء شديد..
طارق بص لفريد ونظرة الضحك اختفت من وشه، وحلت مكانها نظرة كره أبرد من الثلج: “أبوك ساب وصية مقفولة بشرط واحد يا فريد… إنك لو حاولت تقتل مراتك أو ابنك عشان الفلوس، الملكية كلها تتنقل فوراً وللأبد… للشخص اللي طالع من العربية ده.”
فريد بَرّق، وركبُه خبطت في بعضها وهو بيشوف شخص نازل من العربية ببطء، حاطط إيده في جيبه، ولابس خاتم الفضة الشهير اللي فريد حافظه أكتر من اسمه…
فريد صرخ صرخة مرعبة وهو بيرجع لورا على ركبه: “لا… لا مستحيل!! أنت ميت من عشر سنين!! أنت مين؟!”
الرجل اتنقل خطوة كمان تحت النور الكاشف.. جزمته الجلد كانت بتعمل صوت خبطات ثقيلة ورزينة على صخور الشارع الضيق. رفع إيده اللي فيها الخاتم الفضة الفخم، وشال النضارة السودا ببطء شديد.
فريد فتح بؤه على آخره، صوته طلع كأنه حشرجة طالعة من جثة: “أبـويا؟! أنت… أنت مامتّش في حريق المزرعة من عشر سنين؟! إزاي?!”
فؤاد التامي بصل لابنه بنظرة قرف وخيبة أمل، كأنه بيبص لحشرة: “الحريق اللي أنت ولّعت فيه بنفسك يا فريد؟ عشان تجري على المحامي وتطالب بالورث وأنت عندك عشرين سنة؟.. لا يا ابن فؤاد، أنا مامتّش. أنا من اليوم ده اختفيت، وعشت في الضلمة أراقب العقرب اللي أنا ربّيته في بيتي.”
فريد كان بيزحف لورا على الأرض زي المجنون، النفق المظلم وراه والشارع قدامه مقفول، العرق كان بيغرق وشه وبيحرق عينيه: “لا.. مستحيل! أنت.. أنت وفريدة وطارق.. أنتوا كنتوا عارفين؟! أنتوا عملتوا عليا تمثيلية?!”
فؤاد قرب منه ببطء، وعكازه الخشب ضرب الأرض ضربة واحدة هزت الشارع: “فريدة ما كانتش مجرد بنت غلبانة أنت قابلتها في الشغل وحبيت تستغلها يا فريد.. فريدة هي الوريثة الوحيدة لأكبر شريك ليا، الست اللي أنت فاكر إنك زقيتها من فوق جبل سانت كاترين، كانت طالعة الجبل وهي عارفة إنك هتزقها! كانت لابسة صديري حماية خاص تحت هدومها، وكان معاها فريق إنقاذ مأجّره أنا وطارق واقفين تحت الصخرة بفرق أمتار من قبل ما أنت توصل أساساً!”
فريد برّق بعينيه، الصدمة كانت أكبر من قدرة عقله على الاستيعاب. شفايفه بقت بترتعش وهو بيفتكر اللحظة اللي زق فيها فريدة، والابتسامة اللي ابتسمها فوق الجبل.. “أنتوا… أنتوا خليتوني أعمل الجريمة بنفسي?!”
“بالظبط…”
الصوت ده ما كانش صوت فؤاد ولا طارق.
الصوت جيه من سماعة عربية الفان السودا.. صوت النقيب هشام وهو بيخرج من العربية، ومبتسم ابتسامة النصر، وماسك تليفونه على وضع السبيكر.
وصوت فريدة رد عبر المكالمة، صوت أبرد من ثلج سانت كاترين، بس فيه نبرة شفقة حادة: “عشان الجريمة دي يا فريد… هي الحجة القانونية الوحيدة اللي كانت فاضلة عشان تتلغي كل التوكيلات، وتتحول المليارات والخمسين مليون جنيه وكل عقارات عيلة التامي باسم ابني أنا.. الطفل اللي أنت حاولت تقتله وهو في بطني.”
فريد صرخ صرخة هيستيرية هزت المنطقة كلها، وجِه يجري على أبوه عشان يمسك فيه زي الغريق، بس طارق مسكه من ياقته ولوى دراعه ورا ضهره، ورزعه على عربية البوليس اللي كانت لسه واصلة الشارع وبتضرب أضواءها الحمرة والزرقا على وشه.
النقيب هشام قرب منه، وحط الكلبشات الحديدية في إيدين فريد المرتعشة، وطبّق عليها بقوة وهو بيلف وشه للحيطة.
فريد وهو مزقوق على العربية، كان بيعيط ويضحك في نفس اللحظة زي المجنون، باصص لأبوه ولطارق وهشام وهو مش مصدق إن خمسين مليون جنيه وجريمة سانت كاترين… كانت مجرد الفخ الأخير اللي اتنصبله بعناية من عشر سنين!
هشام قرب التليفون من ودن فريد، وفريدة همست بكلماتها الأخيرة قبل ما تقفل السكة للأبد: “الجنازة خلصت يا فريد… جه دورك أنت بقى تنزل القبر.”
العربية بدأت تتحرك ببطء.. فريد كان محبوس في الكنبة الخلفية ورا الشبكة الحديد، الدموع ناشفة على وشه كأنها ملح، وهو باصص من الشباك المظلل على أبوه وطارق وهما واقفين تحت نور الكشاف وبيختفوا تدريجياً في الظلمة.
العربية طلعت على الطريق الرئيسي، بس بعد كام دقيقة.. فريد لاحظ حاجة غريبة جداً.
سيرينات البوليس اللي كانت بتضرب اتطفت مرة واحدة. الأضواء الحمرا والزرقا على سقف العربية اختفت. ومفيش أي عربية بوليس تانية كانت ماشية وراهم أو قدامهم.
فريد مسك الشبكة الحديد بإيديه المرتعشة وصوته طالع مبشوح ومكسور: “هشام بيه.. إحنا رايحين على قسم إيه؟ مديرية أمن القاهرة ولا التجمع؟”
النقيب هشام ما ردش.. كان باصص في الطريق قدامه بكل هدوء ومسجل سيجارة بين صوابعه.
فريد بدأ يتوتر أكتر لما شاف العربية بتنعطف يمين فجأة في طريق صحراوي مظلم، بعيد تماماً عن العمران وعن طريق النيابة المحفوظ.
“هشام! أنت بتلف ليه؟ الطريق ده مش طريق النيابة! أنت رايح فين?!”
هشام رفع إيده ببطء.. شال الكاب العسكري ورماه على الكرسي اللي جنبه. حط إيده على وشه ومسحه ببرود، وبعدين تبسّم ابتسامة في المراية المكسورة.. ابتسامة مفيهاش أي رتبة ولا أي قانون.
“مين قالك إني ظابط يا فريد؟”
فريد اتسمر مكانه، العرق رجع يشر من جبهته بغزارة: “يعني إيه؟ الكلبشات.. اللاسلكي.. البدلة?!”
“كلها مجرد ديكور رخيص يا حبيبي.. زيها زي التابوت المتروس أوزان اللي أنت دفنته، وزي المسرحية اللي أنت شربتها.”
فريد صرخ بصوت هيستيري وهو بيلطم على الشباك: “أمال أنت مين؟! وفريدة… فريدة فين?!”
هشام حط السيجارة في بقه وولعها بالولاعة، ودخانها مالا عربية البوليس المزيفة: “فريدة فاكرة إنها أذكى واحدة في المخرجين.. فاكرة إنها استخدمتني عشان تنتقم منك وتسترد المليارات باسم ابنها.. بس فريدة من كتر الغل والعمى، نسيت تسأل نفسها سؤال بديهي جداً.”
فريد بلع ريقه بعنف وعينيه مبرقة: “سؤال إيه؟”
“منين جيه فريق الإنقاذ بالمروحية الخاصة تحت صخرة سانت كاترين في قلب المطر والثلج ده كله خلال دقايق بس من سقوطها؟ إزاي طيارة إنقاذ توصل للمكان ده بالسرعة دي وفي الجو ده؟”
فريد برّق بعينيه، الشك والمرعب بدأوا ينهشوا عقله: “أنت… أنت مش تبع البوليس.. أنت تبع…”
“المنقذ اللي نزل بالحبل يا فريد.. ما كانش جاي ينقذها منك. ده كان جاي يستلمها هي وابنك… لحساب المنظمة اللي أنت سرقت منها الفلوس من سنتين. فريدة كانت بالنسبة لنا مجرد الطعم اللي هنكسر بيه كبرياءك ونخليك تطلع المستندات والوصية السرية من الخزنة.”
في نفس اللحظة.. في فيلا فخمة ومؤمنة في منطقة معزولة.
فريدة كانت قاعدة على كرسي خشب فخم، شايلة ابنها اللي نايم في حضنها بسلام. كانت باصة للمستندات والتوكيلات اللي في إيدها، وحاسة إن الكابوس اللي عاشته فوق الجبل أخيراً انتهى وأن الحق رجع لصحابه.
وفجأة.. التليفون السري اللي هشام كان مديهولها رن.
فريدة رفعت التليفون لودنها، وقالت بنبرة ارتياح: “هشام؟ طمّني.. فريد اتسلم للنيابة؟”
جيه من الناحية التانية صوت مش صوت هشام خالص.. صوت عميق، هادي، وفيه نبرة فخامة تخوف أبرد من ثلج سانت كاترين:
“مساء الخير يا مدام فريدة… برافو. حقيقي أداء سينمائي هايل. قمتِ بدور الزوجة الضحية اللي رجعت تنتقم على أكمل وجه.”
فريدة اتجمدت مكانها، الدم اتسحب من وشها بالكامل، وقامت وقفت وهي بتضم ابنها لصدورها بكل قوتها: “أنت مين؟! فين هشام؟!”
الراجل ضحك بصوت خفيف يبعث القشعريرة في العظام: “هشام بيعمل واجبه.. وبينقل جوزك للمكان اللي المفروض يتقابل فيه معاكم أنتم الاتنين. أنتِ فاكرة إنك أنتِ اللي أدرتي اللعبة يا فريدة؟ لا يا حبيبتي.. أنتِ بس نفذتي الفصل الأول اللي إحنا كتبناهولك خطوة بخطوة. افتحي الشباك اللي جنبك وبصي تحت.”
فريدة مشيت بإيدين بترتعش ناحية الشباك الكريستال.. وبصت للجنينة اللي تحت الفيلا.
كانت مليانة رجالة بأطقم سودا، ماسكين أجهزة لاسلكي ومحاصرين الفيلا من كل الاتجاهات.. وعلى رقبة كل واحد فيهم، وشم غريب لجمجمة فضية!
الراجل كمل كلامه على التليفون بثبات حاد: “المليارات اللي استرديتيها من فريد.. والوصية اللي خدتيها من أبوه.. كلها أصلًا بتاعتنا إحنا وفريد كان مجرد حرامي غبي شغّال عندنا. ودلوقتي.. جه الوقت اللي نتسلم فيه أملاكنا.. ونقفل الملف ده بالكامل.”
فريدة بصت لابنها، وحست بالفيلا كلها بتهتز تحت رجليها، لما سمعت صوت خطوات تقيلة متعددة بتبدأ تطلع على سلم الفيلا الخارجي…
الخطوات كانت بتهز السلم الخشب، صوت صلب ومحسوب كأنه مارش إعدام.
فريدة اتراجعت للورا لحد ما ضهرها خبط في الحيطة الرخام، ضمّت ابنها لصدورها بضغط هيستيري، وعينيها بتتحرك في الأوضة زي الفريسة المحبوسة في المصيدة.
وفجأة… الباب الاتكسر بنصفين!
رجالة مدججين بالسلاح دخلوا الأوضة في ثواني، انتشروا في الزوايا كأنهم ظلال سودا، ووراهم دخل هشام… وهو بيجر فريد من قفاه.
فريد كان وشه متغرق دم، بدلته مقطعة، ومضروب لحد ما بقى مش قادر يقف على رجليه. هشام رمى فريد على السجادة تحت رجلين فريدة، ورجع لورا ووقف انتباه.
فريد رفع راسه بالعافية، عينه المفتوحة بصعوبة جت في عين فريدة، وصوته طلع مكسور كأنه فحيح أفعى بتموت: “فريدة… الحقيني… دول… دول مش بوليس…”
وقبل ما فريدة فرد على كلامه، دخل الراجل.
راجل في الخمسينات من عمره، شعره أبيض كالثلج، لابس بدلة كلاسيكية أنيقة جداً، وماسك في إيده عصا أبنوس رأسها ذهب على شكل جمجمة. دخوله الأوضة فرض سكون مرعب، حتى صريخ فريد اتخرس تماماً.
وقف في نص الأوضة، بص لفريدة ونظرة عينيه كانت فاضية تماماً من أي رحمة، وقال بصوت هادي ورزين: “مساء الخير يا مدام فريدة… بعتذر عن الأسلوب الهجومي، بس الوقت فلوس… والفلوس اللي إحنا بتتكلم عنها ما بتحبش الانتظار.”
فريدة كانت بتتنفس بصعوبة، صوت جهاز المونيتور بتاع قلبها اللي في دماغها كان بيصرخ: “أنت مين؟ وعايز إيه؟! والقصة دي كلها كانت عشان إيه?!”
الراجل ابتسم ابتسامة باردة، وقعد على الكرسي الجلد اللي قدامها: “أنا اسيمي عزت النمري… رئيس المؤسسة اللي جوزك المغفل حاول يسرقها. وأنتِ سألتي سؤال مهم جداً… القصة دي كلها كانت ليه؟”
لف عصايته الأبنوس وبص لفريد بقمة القرف: “القصة بدأت لما فريد سرق أرقام الحسابات السرية، بس اكتشف إن الحسابات دي مقفولة بشرط حماية بيولوجي وقانوني معقد جداً في سويسرا… الحسابات مش بتتفك غير بصمة DNA لوريث حي من سلالة ‘التامي’ يولد بعد حادثة اعتداء مثبتة رسمياً.”
فريدة عيونها وسعت بالكامل، والدم اتجمد في عروقها وهي بتسمع الكلام.
عزت كمل بكل برود: “أيوه يا فريدة… رحلة سانت كاترين ما كانتش فكرة فريد! إحنا اللي زرعنا الفكرة في عقله الغبي.. إحنا اللي وجهناه يزقك من فوق الجبل.. وإحنا اللي كنا مستنيينك تحت بالمروحية والطاقم الطبي عشان نضمن إنك تعيشي، وتولدي، ويطلع للدنيا الطفل اللي مع المليارات دي!”
فريد صرخ من على الأرض بذهول ورعب: “أنا… أنا كنت مجرد لعبة؟! أنتوا استغلتوني عشان أعمل الجريمة?!”
عزت ما بصلوش حتى، طلع من جيب بدلته جهاز إلكتروني صغير جداً، شكله زي المشرط ومرتبط بشاشة صغيرة، وقام وقف وقرب من فريدة: “ودلوقتي يا مدام فريدة… اللعبة انتهت. محتاجين قطرة دم واحدة من كعب رجل الطفل ده على الماسح الضوئي، عشان التوكيل النهائي للـ 50 مليون جنيه والمليارات المشبوهة يتحول رسمياً لحساب المؤسسة… وبعدها، نوعدك إن موتك أنتِ وجوزك هيكون غير مؤلم إطلاقاً.”
فريدة اتراجعت خطوة، غطت طفلها بجسمها وصصرخت: “على جثتي! مش هخليك تلمس شعرة منه!”
عزت أدى إشارة بعينيه.. اثنين من الرجالة المسلحين هجموا على فريدة، كتفوها من إيديها وقيدوا حركتها تماماً بالرغم من استماتتها وصريخها الهيستيري.
عزت مسك رجل الطفل الصغير ببطء، وجاب سن المشرط، وداس بصلابة على جلده النعم…
نقطة دم حمرا نزلت على الشاشة الرقمية للجهاز.
الجهاز بدأ يمسح بصمة ה-DNA… ضوء ليزر أحمر ضرب في نقطة الدم، وصوت صفارة ميكانيكية بدأ يشتغل: Scanning… Processing DNA…
عزت كان باصص للشاشة بابتسامة نصر، وفريد على الأرض كان بيتنفس برعب مستني نهايته، وفريدة كانت بتصرخ وتبكي.
وفجأة… الجهاز أطلع صوت صفارة حادة ومرعبة!
الشاشة نورت باللون الأحمر القاني، وظهرت عليها كلمة واحدة باللغة الإنجليزية بخط عريض: [ACCESS DENIED – DNA MISMATCH]
سكون خيم على الأوضة.




