
إيد بنتي «ملك» شدت على إيدي برعب أول ما مدرب الكاراتيه المتعجرف شاور عليّا قدام كل اللي في الصالة كان عايز يعمل مني فرجة، ويستخدم أم مصرية عادية اعدة مرهقة ولبسها مجرد تريننج واسع وتيشيرت قديم وملهاش أي علاقة بالقتال كأنها كيس ملاكمة عشان يثبت لنفسه وللناس إنه أقوى واحد في المكان. حاولت أمشي بهدوء وأعدّي الموقف، لكن لما حاصرنا وطلب مني أواجهه، هو بنفسه صحّى جوايا حاجة كنت دافناها بقالها تلاتاشر سنة.
«ارفع رجلك أكتر يا كريم! جدتك كانت هتعملها أحسن منك!»
صوت المدرب «محمود الشناوي» القاسي والسخري كان مالي صالة الألعاب في نادي رياضي كبير في القاهرة، لدرجة إن فكي اتشد غصب عني.
كنت قاعدة على كرسي جنب الحلبة، لابسة تريننج رمادي واسع وتيشيرت قطن قديم، وبراقب المدرب وهو بيهين ولد عنده خمستاشر سنة قدام زمايله.
محمود كان بيمشي وسط البساط الأحمر والأزرق بثقة زيادة عن اللزوم، لابس بدلة الكاراتيه البيضا وحزام أسود، وكأنه صاحب المكان. كان راجل ضخم، طويل وعريض، وعضلاته واضحة من تحت البدلة، والأهم من كل ده إن غروره كان أكبر من جسمه بكتير.
الأم اللي كانت قاعدة جنبي بصتله بتوتر وقالت بصوت واطي:
«الكابتن محمود شديد أوي… بس بصراحة بيجيب نتيجة.»
ما رديتش عليها.
فضلت باصة عليه بس.
أنا عارفة كويس يعني إيه قوة حقيقية.
قبل ما أبقى «نهى»، الأم اللي كل همها توصل بنتها المدرسة وتخلص شغلها وترجع البيت، كنت لاعبة محترفة في رياضات القتال، وشاركت سنين في بطولات قوية جوه مصر وبره مصر.
ست سنين كاملة وأنا بعيش وسط الحلبات والتدريبات والمباريات.
لكن كل ده انتهى من تلاتاشر سنة.
في اليوم اللي فقدت أخويا الصغير «عمر» في حادثة مأساوية.
بعدها، سيبت كل حاجة وقررت أدفن الماضي.
بدلت الحلبات بمدارس بنتي، والشهرة بحياة هادية، والتدريبات الشاقة بقعدة هادية في البيت آخر اليوم.
بنتي ملك، اللي عندها ستاشر سنة، كانت أهم حاجة في حياتي.
ومن فترة، هي بدأت تتدرب في النادي ده عشان تساعد نفسها تتخطى خوفها وقلة ثقتها في نفسها.
كنت مبسوطة إنها بدأت تقف على رجليها من جديد.
لحد ما شفت بعيني إن المدرب اللي المفروض يعلمها الدفاع عن نفسها، كان بيستخدم خوف الطلبة عشان يحس إنه أقوى منهم.
بعد انتهاء التمرين، ملك جريت ناحيتي ووشها منور.
«جاهزة يا ماما؟»
ابتسمت وأنا لمّيت شنطتي من على الكرسي.
«يلا يا حبيبتي، نروح.»
لكن قبل ما نوصل لباب الصالة، صوت محمود العالي وقف كل حاجة.
«استنوا يا جماعة!»
الطلبة وقفوا مكانهم.
الأهالي اللي كانوا بيجمعوا حاجتهم بصوا ناحيته.
محمود لف بعينيه في الصالة، عدى على الرجالة واللاعبين، لحد ما عينه وقعت عليّا.
ابتسامة باردة ظهرت على وشه.
«مين فيكم عايز يتفرج على حاجة مسلية؟»
قلبي انقبض.
ملك وقفت جنبي.
محمود أشار ناحيتي وقال بصوت عالي:
#انجي_الخطيب
«تعالوا نعمل تجربة صغيرة… عشان أوضح لكم ليه الناس العادية مينفعش تستهين بحد متدرب.»
ملك مسكت في كمي بسرعة.
«ماما، يلا نمشي.»
همست لها:
«اهدي يا ملك.»
لكن محمود كان خلاص اتحرك ناحيتنا.
الناس فتحت له الطريق، وهو وقف قدامي مباشرة، مستمتع جدًا بفكرة إنه عامل نفسه مرعب.
بصلي من فوق لتحت وقال:
«إنتِ ماما ملك، صح؟»
رديت بهدوء:
«أيوه.»
ضحك ضحكة ساخرة وبص للناس حواليه.
«أنا بشوفك قاعدة هنا كل أسبوع. أكيد وإنتِ بتتفرجي علينا بتقولي لنفسك: يا ترى أقدر أعمل اللي هما بيعملوه؟»
بصلي تاني وقال:
«إيه رأيك نجرب؟ نعمل نزال ودي هنا… دلوقتي.»
وش ملك شحب.
«كابتن محمود، ماما مش…»
قاطعتها بهدوء وأنا ضغطت على إيديها:
«خلاص يا حبيبتي.»
محمود ابتسم بسخرية.
«متخافيش يا مدام نهى. أنا هراعي سنك، ومش هضرب جامد. بس لازم تعرفي الفرق بين التدريب الحقيقي وبين الرياضة اللي بتعملها الأمهات عشان تحافظ على جسمها.»
الصالة كلها سكتت.
حتى بعض الطلبة بصوا لبعض بإحراج.
كان واضح جدًا إنه مش عايز يواجه حد أقوى منه.
هو اختارني أنا تحديدًا.
أم قاعدة على جنب، شكلها مرهق، لابسة تريننج واسع، ومش باين عليها أي حاجة ممكن تخليه يشك إنها كانت في يوم من الأيام مقاتلة محترفة.
بصيت لبنتي.
كانت مرعوبة.
مش من اللي ممكن يحصل لي…
لكن من الإهانة اللي حصلت قدام زمايلها.
وفجأة، حسيت بحاجة باردة بتنتشر في صدري.
إحساس ما حسيتش بيه من أكتر من عشر سنين.
هدوء غريب.
هدوء كنت فاكرة إني مع الماضي.
الهدوء اللي زمان كانوا بيسموه…
«العاصفة الساكتة».
اللقب اللي أخدته في سنين المنافسات، لما كنت بدخل الحلبة هادية جدًا، وأخرج منها من غير ما حد يقدر يفهم أنا كنت بفكر في إيه.
بصيت لمحمود وقلت للمرة الأخيرة:
«ملهاش لازمة.»
ضحك وفتح دراعاته.
«لأ، ليها لازمة جدًا. اعتبريها حصة مجانية في التواضع.»
بصيت في عينه.
وقلت:
«شرط واحد.»
سكت.
«لما الموضوع يخلص، تعتذر للطلبة عن اللي عملته دلوقتي.»
ثانية صمت…
وبعدين محمود في الضحك.
«أعتذر؟!»
وأشار للأرض.
«ده إنتِ اللي هتعتذري للأرض لما تتبهدلي قدام بنتك!»
من غير ما أقول كلمة، خلعت الجاكيت الرياضي من عليا وحطيته على الكرسي.
دخلت البساط.
في اللحظة دي، محمود كان لسه بيستعرض قدام الطلبة، بيحرك كتافه وبيتنطط على رجليه، ومش واخد باله إن طريقة مشيتي نفسها اتغيرت.
ملك كانت واقفة عند طرف البساط، عينيها متعلقة بيا.
بصيت لها وابتسمت ابتسامة صغيرة.
«متخافيش.»
محمود قرب خطوتين وقال:
«يلا نخلص.»
ما استناش حتى بداية رسمية.
فجأة، نزل بكتفه واندفع ناحيتي بكل قوته، ورفع إيده ووجّه لكمة مستقيمة ناحية وشي.
وفي اللحظة اللي قبضته قربت مني…
جسمي اتحرك لوحده.
كأن السنين اللي فاتت كلها اختفت.
كأن تلاتاشر سنة ما عدوش أصلًا.
وكأن «العاصفة الساكتة»…
كانت مستنية اللحظة دي بس عشان تصحى من جديد.
#انجي_الخطيب



