منوعات

حماتي والجحيم ٢ حكايات مني السيد

الفصل الثالث والأخير
رجاء كانت لسه ماسكة إيدي.
إيدها كانت ساقعة بشكل غريب، رغم إن الجو جوه الشقة كان دافي.
بصيت للظرف البني اللي قدامي.
كان شكله عادي جدًا.
ورق بني.
مقفول بدباسة.
لكن أنا حاسة إن جواه حاجة لو خرجت للنور، هتنسف الأربع سنين اللي عشتهم مع طارق من جذورها.
رفعت عيني لها.
إنتِ بتخوفيني ليه؟
رجاء سحبت إيدها ببطء.
عشان أنا نفسي خاېفة.
شيرين كانت واقفة جنب الحيطة، بټعيط في صمت.
أما طارق…
فكان واقف بعيد.
وشه ما بقاش فيه لون.
قلت
أنا هفتح الظرف.
طارق اتحرك ناحيتي.
مريم، استني.
لفيت له.
استنى إيه؟
خلينا نتكلم الأول.
إنت اتكلمت بما فيه الكفاية.
أنا كنت بحاول أحميكي.
ضحكت.
تحميني؟
رفعت الظرف.
من إيه؟
ما ردش.
من الحقيقة؟
سكت.
قلت
إنت عايزني أفضل عميانة؟
رجاء قالت
افتحيه.
طارق بص لأمه.
ماما…
خلاص يا ابني.
وبعدين بصت لي.
إحنا غلطنا.
الكلمة دي لوحدها كانت أغرب من كل اللي حصل.
رجاء؟
بتقول غلطنا؟
الست اللي عمرها ما قالت آسفة.
الست اللي كانت شايفة نفسها صاحبة البيت.
الست اللي كانت بتعاملني كأني واحدة داخلة تخدم عيلة الشبراوي.
دلوقتي بتقول
إحنا غلطنا.
مديت إيدي.
فتحت الدباسة.
طلعت أول ورقة.
قريتها.
وبعدين حسيت إن وداني بدأت تطن.
الورقة كانت عقد بيع ابتدائي لشقة.
العنوان نفس عنوان الشقة اللي اكتشفتها.
لكن المشتري مش طارق.
ولا رجاء.
ولا شريف.
كان اسم شركة.
شركة عقارات.
وفي آخر الصفحة كان فيه بند غريب.
الشقة متباعة للشركة كضمان لدين.
رفعت عيني.
يعني إيه؟
طارق قال
مريم…
يعني إيه الشقة دي ضمان؟
سكت.
قلبت الصفحة.
الصفحة التانية كانت إقرار مديونية.
والمدين؟
طارق الشبراوي.
المبلغ
مليون وستمائة ألف جنيه.
اتنفست بصعوبة.
إنت عليك مليون وستمائة ألف؟
طارق قال
الموضوع مش كده.
أمال إزاي؟
ده دين شغل.
شغلك؟
آه.
إنت قلتلي إن شغلك كويس.
كان كويس.
إمتى وقع؟
سكت.
رجاء هي اللي ردت
من سنتين.
بصيت لها.
من سنتين؟
هزت راسها.
آه.
ضحكت بمرارة.
يعني نفس وقت الكارت.
ما حدش رد.
نفس الوقت اللي طلبتوا مني أطلع فيه الكارت؟
طارق قال
أنا كنت محتاج سيولة.
فاخدت فلوسي؟
أنا كنت هرجعها.
إمتى؟
لما الشغل يقف على رجله.
ولما الشغل ما وقفش؟
سكت.
استنيتوا إيه؟
ولا كلمة.
قلبت الورق.
لقيت كشف تحويلات.
مبالغ متفرقة.
كل شهر.
وفي الآخر مبلغ كبير.
وقتها فهمت إن جزء من الفلوس كان بيروح لسداد أقساط الدين.
لكن لسه فيه سؤال.
طب ال ألف دول؟
طارق قال
جزء منهم اتصرف على الدين.
وجزء؟
بصت له.
والجزء التاني؟
رجاء ردت
كنا بنعيش.
بصيت لها.
بنعيش؟
آه.
إنتوا كنتوا بتصرفوا من فلوسي عشان تعيشوا وأنا اللي بدفع إيجار البيت والأكل؟
رجاء ما بصتش في عيني.
قلت
وأنا كنت بتقولولي بخيلة.
سكتت.
وكنتوا بتقولولي إن الكنة لازم تخدم.
سكتت.
وكنتوا بتسافروا.
شيرين بدأت ټعيط.
مريم، أنا…
رفعت إيدي.
إنتِ بالذات ماتتكلميش دلوقتي.
سكتت.
رجعت للورق.
فيه ورقة تانية.
توكيل.
توكيل عام.
باسم رجاء.
لإدارة بعض الممتلكات.
وبصيت في آخر الصفحة.
اسمي.
وتوقيع.
نفس التوقيع المزور اللي شفته قبل كده.
قلت
إيه ده؟
طارق قرب.
ده…
إنتوا زورتم توقيعي؟
محدش زور حاجة.
أمال التوقيع ده إيه؟
كنتِ ماضية على ورقة قبل كده.
فين؟
مش فاكر.
صړخت
مش فاكر؟
رجاء قالت
مريم، اسمعينا.
أنا سامعة من أربع سنين!
وبصيت لهم كلهم.
أنا سامعة إهاناتكم.
سامعة طلباتكم.
سامعة إن البيت بيتكم.
سامعة إن فلوسي فلوس طارق.
سامعة إن عليا واجب أخدمكم.
سامعة إن شيرين محتاجة.
سامعة إن رجاء كبيرة.
سامعة كل حاجة.
وبعدين ضړبت الورقة على الترابيزة.
لكن محدش سمعني أنا.
الصمت نزل على المكان.
أنا لأول مرة ماكنتش بعيط.
الغريب إني كنت أهدى منهم كلهم.
قلت
أنا مش هطلب تفسير.
طارق بص لي.
مريم…
أنا هطلب حقائق.
طلعت موبايلي.
فتحت تسجيل صوتي كنت عاملاه من يوم ما رجعوا.
حطيته على الترابيزة.
وقلت
من اللحظة دي، أي كلمة هتتقال هتتقال قدام تسجيل.
طارق اتعصب.
إنتِ بتسجليني؟
أيوه.
إنتِ فقدتي عقلك.
يمكن.
بصيت له.
بس عقلي رجع لما فلوسي اختفت.
رجاء قعدت.
حطت إيديها على وشها.
أنا السبب.
بصيت لها.
في إيه؟
أنا اللي ضغطت على طارق.
ليه؟
عشان كان غرقان.
كان غرقان في إيه؟
رجاء بدأت تتكلم.
ببطء.
طارق دخل شراكة مع اتنين.
مين؟
ناس من معارفه.
وعملوا إيه؟
خسروا.
والمبلغ؟
طارق كان ضامن.
يعني الدين عليه؟
هزت راسها.
آه.
وبعدين؟
حاولنا نغطي.
بفلوسي؟
رجاء سكتت.
بفلوس مريم؟
هزت راسها.
قلت
إنتِ كنتِ عارفة من البداية؟
آه.
وطارق؟
آه.
بصيت لطارق.
يعني لما كنت بقولك إن الكارت اتسحب منه خمسة آلاف…
كنت عارف.
ولما كنت بقولك إن الفلوس ناقصة…
كنت عارف.
ولما كنت بسألك ليه حسابي بينزل…
كنت عارف.
كل مرة كان يهز راسه.
أنا حسيت إن كل إجابة منه بټدفن ذكرى حلوة بينا.
قلت
طب ليه ماقولتليش؟
طارق أخيرًا رفع عينه.
عشان كنت عارف

 

نك هتسيبيني.
ضحكت.
كنت خاېف أسيبك؟
آه.
فقررت تخليني أعيش معاك في كڈبة؟
كنت بحاول أصلح.
إنت ماكنتش بتحاول تصلح.
قربت منه.
إنت كنت بتشتري وقت.
سكت.
وقت لنفسك.
سكت.
على حساب عمري.
ما ردش.
قعدت.
حسيت إن جسمي كله تعب مرة واحدة.
السخونية رجعت.
والدوخة رجعت.
لكن المرة دي ماكنتش مستعدة أضعف.
قلت
عايزة أعرف كل حاجة.
رجاء قالت
كل حاجة؟
كل حاجة.
حتى اللي حصل قبل الجواز؟
طارق رفع رأسه بسرعة.
ماما!
قلت
آه.
رجاء بصت له.
هي لازم تعرف.
طارق قام.
أنا مش هسمح.
بصيت له.
إنت مش هتسمح؟
ضحكت.
إنت لسه فاكر إن ليك حق تمنعني من الحقيقة؟
رجاء قالت
قبل ما تتجوزي طارق، كان فيه موضوع حصل.
قلبي دق.
إيه؟
طارق كان داخل في مشكلة كبيرة.
إيه المشكلة؟
كان عليه قضية شيكات.
شهقت.
إيه؟
طارق قال بسرعة
كانت قضية واتقفلت.
إمتى؟
قبل الجواز.
ليه ماعرفتش؟
عشان كانت هتخلص.
وخلصت؟
سكت.
رجاء قالت
لسه فيها إجراءات.
بصيت لطارق.
يعني اتجوزتني وإنت عليك قضية؟
ماكانش فيها حكم.
بس كان فيه قضية.
آه.
وإنت قلتلي مافيش.
كنت خاېف.
من إيه؟
إنك ترفضي.
سكت.
رجاء كملت
والشقة اللي في التجمع كانت جزء من خطة نخرج بيها من الأزمة.
إزاي؟
نشتري الشقة بمقدم من الفلوس اللي بنقدر نوفرها، وبعد كده نبيعها بسعر أعلى.
بفلوسي.
آه.
وباسمك يا رجاء.
رجاء هزت راسها.
عشان الدائنين مايمسكوش فيها.
بصيت لها.
يعني كنتوا بتحاولوا تحموا أصولكم.
آه.
وتحطوا فلوسي في حاجة محدش يقدر ياخدها.
سكتت.
قلت
طب لو الشقة اتباعت؟
طارق رد
كنت هرجع لك فلوسك.
كنت؟
آه.
من غير ما تقول لي؟
كنت هرجعها.
يعني لو ما اكتشفتش، كنت هتعيش عادي؟
سكت.
كنت هتقول لي يوم من الأيام؟
ولا رد.
قعدت أبص له.
عارف إيه أكتر حاجة وجعتني؟
إيه؟
إني كنت بدافع عنك.
سكت.
قدام صحابي.
قدام أهلي.
حتى قدام نفسي.
كنت كل مرة حد يقول لي طارق مستغل، أقولهم لأ، هو بس ظروفه صعبة.
دموعي نزلت.
لكن مسحتها بسرعة.
طلعوا هما شايفينك صح.
طارق قرب.
مريم.
رجعت خطوة.
ماتلمسنيش.
وقف.
رجاء بدأت ټعيط.
إحنا غلطنا.
قلت
الغلط مرة.
وأشرت للورق.
ده مش غلط.
وبعدين أشرت للموبايل.
ده تخطيط.
سكتت.
ده استغلال.
شيرين قالت بصوت مكسور
أنا ماكنتش أعرف كل ده.
بصيت لها.
إنتِ ماكنتيش تعرفي إيه؟
كنت فاكرة إن الكارت بتاع طارق.
يعني لما كنتِ بتطلبي حاجات ب آلاف و آلاف؟
ماما قالتلي إنه عادي.
ولما حجزتي السفر؟
ماما قالت إن طارق موافق.
ولما اشتريتي هدوم؟
كنت فاكرة…
قاطعتها
كنتِ فاكرة إيه؟
دموعها نزلت.
كنت فاكرة إنك مش فارق معاكي.
ضحكت بحزن.
أنا كنت بشتغل لحد الفجر.
وبنام أربع ساعات.
وبوفر في أكلي.
وبأجل إني أشتري هدوم.
وإنتِ كنتي بتشتري فستان ب آلاف.
سكتت.
قلت
ماكانش لازم تكوني عارفة كل التفاصيل.
كان لازم تعرفي إن الفلوس مش بتاعتك.
شيرين غطت وشها.
رجاء قالت
أنا اللي كنت بقول لها.
بصيت لها.
عارفة.
كنت بخاف عليها.
على بنتك؟
آه.
وأنا؟
سكتت.
إنتِ كنتِ شايفاني إيه؟
رجاء ماقدرتش ترد.
أنا رفعت الظرف.
خلاص.
طارق قال
خلاص إيه؟
أنا ماشية.
اتجمد.
رايحة فين؟
من هنا.
دي شقتنا.
ضحكت.
لأ.
حطيت إيدي على الورق.
دي شقتي.
إنتِ مش هتطلعي.
هطلع.
مريم…
هطلع.
قال بعصبية
إنتِ فاكرة إنك لو مشيتي كل حاجة هتخلص؟
بصيت له.
لأ.
أمال؟
هتبدأ.
سكت.
طلعت موبايل تاني من الدرج.
حطيته على الترابيزة.
ده موبايل قديم.
طارق بص له.
وفيه إيه؟
نسخة من كل المستندات.
سكت.
كشف الحساب.
صور العقود.
رسائل البنك.
المحادثات.
وتسجيلات.
طارق وشه اتغير.
مريم…
ولو حصل لي أي حاجة…
رجاء شهقت.
إنتِ بتقولي إيه؟
أي حاجة.
بصيت لهم.
الملفات دي هتتبعت تلقائيًا لمحامي.
طارق قال
إنتِ عملتي كل ده؟
آه.
إمتى؟
وأنتوا في الجونة.
سكت.
كنت شايفة الخۏف في عينيه.
لكن المرة دي ماحسيتش بالشفقة.
لأن اللي كسرني مش إنه خد فلوسي.
اللي كسرني إنه كان مستعد يكمّل.
رجاء قالت
مريم، إحنا ممكن نرجع لك كل حاجة.
إزاي؟
نبيع العربية.
وأنا مالي؟
ونبيع الدهب.
ماليش دعوة.
وشريف يبيع جزء من نصيبه.
ماليش دعوة.
وإحنا نرجع لك فلوسك.
قلت
أنا مش هطلب فلوسي كلها بكرة.
طارق رفع عينه.
يعني؟
هطلب حاجة أهم.
إيه؟
الحقيقة.
وبعدين؟
بعدها كل واحد يتحمل نتيجة اختياراته.
رجاء قامت.
هتبلغي عننا؟
بصيت لها.
لسه ما قررتش.
طارق قال
مريم.
إيه؟
إنتِ بتحبيني.
الجملة كانت غريبة.
قديمة.
مؤلمة.
قعدت أبص له.
كنت بحبك.
يعني؟
الحب اللي كان عندي ليك ماټ.
وشه انهار.
ماټ؟
آه.
بسبب الفلوس؟
هزيت راسي.
بسبب الكذب.
سكت.
الفلوس بتتعوض.
لكن لما أعرف إن الراجل اللي كنت بنام جنبه كان بيخطط في ضهري…
ما قدرتش أكمل.
رجعت أوضتي.
قفلت الباب.
قعدت على الأرض.
ولأول مرة من أربع سنين…
عيطت.
عيطت على نفسي.
على البنت اللي دخلت الجواز وهي فاكرة إنها لقت راجل هيسندها.
على كل مرة قالت معلش.
على كل مرة رجعت من الشغل وطبخت.
على كل مرة سخنت فيها وفضلت واقفة.
على كل جنيه حوشته.
على كل حلم أجلته.
وعلى

 

كل مرة طارق قال
إحنا أهل.
طلعت من الأوضة بعد ساعة.
ماكانوش موجودين.
الشقة كانت ساكتة.
فتحت باب المطبخ.
لقيت الورق كله على الترابيزة.
وبجانبه ورقة صغيرة.
من شيرين.
فتحتها.
أنا آسفة.
بس.
حطيتها في الدرج.
مش عشان أسامحها.
بس عشان ما أنساش.
تاني يوم الصبح، روحت لدكتورة.
حرارتي كانت لسه مرتفعة.
قالت لي لازم راحة وسوائل وتحاليل لو الحرارة استمرت.
رجعت البيت.
لقيت طارق مستنيني.
قال
أنا روحت المحامي.
وقفت.
محامي مين؟
المحامي اللي كلمك.
وبعدين؟
قال إن العقد مش سليم.
يعني؟
في توقيع مزور.
عارف مين زوره؟
سكت.
طارق؟
مش أنا.
مين؟
قال
شريف.
اتجمدت.
شريف؟
آه.
ليه؟
عشان كان عايز يضمن إن الشقة تفضل بعيدة عن الدائنين.
ورجاء؟
وافقت.
وإنت؟
سكت.
وافقت؟
هز راسه.
آه.
قلت
يعني كل واحد فيكم كان عارف.
آه.
وأنا الوحيدة اللي ماعرفتش.
آه.
ضحكت.
حلو.
قعد.
أنا عايز أصلح.
متأخر.
أنا مستعد أبيع كل حاجة.
مش مشكلتي.
وأرجع لك فلوسك.
مش ده اللي يهمني دلوقتي.
أمال إيه؟
إني مش عايزة أكمل.
وشه اتغير.
تقصدّي إيه؟
عايزة أنفصل.
سكت فترة طويلة.
وبعدين قال
إنتِ هتسيبيني؟
آه.
بعد أربع سنين؟
أربع سنين كفاية.
مريم، إحنا ممكن نبدأ من جديد.
إنت بدأت من ورايا.
أقدر أصلح.
مش كل حاجة تتصلح.
أنا بحبك.
بصيت له.
الحب مش تصريح مفتوح لسړقة الأمان.
دموعه نزلت.
أول مرة أشوف طارق بيعيط.
بس حتى ده ماخلانيش أرجع.
لأني اكتشفت إن في فرق بين إنك تحب الشخص…
وإنك تقدر تثق فيه.
وأنا فقدت الثقة.
بعد أسبوع، رجاء خرجت من الشقة.
شيرين راحت تقعد عند خالتها.
وشريف اختفى تقريبًا.
طارق فضل يحاول.
مكالمات.
رسائل.
وردية.
اعتذارات.
اديني فرصة.
أنا هصلح كل حاجة.
أنا كنت خاېف.
لكن أنا كنت خلاص بدأت إجراءات الانفصال.
مش بسرعة.
ولا بانفعال.
بهدوء.
كل ورقة كنت براجعها.
كل مبلغ.
كل تحويل.
كل توقيع.
المحامي قال لي إن الموضوع أكبر مما كنت متخيلة.
قال إن فيه معاملات مالية محتاجة مراجعة قانونية.
وقال لي
إنتِ محظوظة إنك احتفظتي بالمستندات.
ضحكت.
أنا مش حاسة إني محظوظة.
قال
أحيانًا إنك تكتشفي الحقيقة متأخر أحسن من إنك ما تكتشفيهاش خالص.
الجملة فضلت في دماغي.
بعد حوالي شهر، بدأت أول جلسة.
طارق حضر.
كان شكله مختلف.
أصغر.
أضعف.
من غير الثقة اللي كان داخل بيها البيت كل يوم.
رجاء ماحضرتش.
شيرين حضرت.
وشريف حضر متأخر.
بصيت لهم.
ولا حسيت بكراهية.
الغريب إني ماحستش بأي حاجة.
كأنهم بقوا ناس ما أعرفهمش.
خلال الأسابيع اللي بعدها، اتضح إن جزء من الفلوس بالفعل اتصرف على الديون.
وجزء تاني اتصرف على البيت ومصاريفهم.
وجزء تالت كان داخل في محاولة شراء الشقة وإعادة بيعها.
أما التوقيعات…
فكانت مشكلة لوحدها.
شريف اعترف إنه استخدم صور مستندات قديمة.
طارق اعترف إنه كان عارف.
ورجاء اعترفت إنها وافقت.
ولأول مرة، كل واحد منهم بقى مسؤول عن نفسه.
أنا ما رجعتش أعيش معاهم.
رجعت أعيش في الشقة لوحدي.
نفس الشقة.
نفس المطبخ.
نفس التلاجة.
نفس الرخامة اللي رجاء رمت عليها الترمومتر.
لكن المكان كان مختلف.
لأني أنا كنت مختلفة.
أول حاجة عملتها؟
رميت الترمومتر.
مش عشان الحرارة.
عشان الذكرى.
وبعدين نظفت المطبخ.
مش تنظيف عادي.
كنت بمسح كل ركن وأنا حاسة إني بمسح أربع سنين من عمري.
غسلت الحيطان.
غيرت الستائر.
نقلت السفرة.
غيرت لون الأوضة.
حتى الكوباية اللي رجاء كانت بتحب تشرب فيها قهوتها، رميتها.
وبعدها فتحت اللاب توب.
لقيت إيميل من دار نشر كنت بتعامل معاها.
عرض شغل جديد.
مشروع كبير.
ترجمة كتاب كامل.
الأجر كان أعلى من أي شغل عملته قبل كده.
قعدت أبص للإيميل.
وبعدين ضحكت.
أول مرة من شهور أحس إن الحياة بتقول لي
لسه فيكي نفس.
وافقت.
اشتغلت.
يوم ورا يوم.
شغلي كبر.
بدأت أشتغل مع عملاء من بره مصر.
وبقيت أرفض أي حد يحاول يقلل مني.
كنت زمان بقول
معلش.
دلوقتي بقيت أقول
لأ.
كلمة صغيرة.
بس غيرت حياتي.
بعد حوالي ثلاثة شهور، جالي اتصال من رقم مش مسجل.
رديت.
ألو؟
صوت شيرين.
مريم؟
أيوه.
ممكن أشوفك؟
سكت.
لو مش عايزة، عادي.
قلت
عايزة إيه؟
عايزة أعتذر.
اعتذارك وصل.
أنا محتاجة أقول لك حاجة.
قولي.
سكتت.
أنا كنت عارفة أكتر مما قلت لك.
قلبي دق.
يعني إيه؟
كنت عارفة إن الكارت بتاعك.
إمتى؟
من البداية.
سكت.
ومع ذلك استخدمتيه.
بدأت ټعيط.
أنا كنت خاېفة من ماما.
وخاېفة من إيه؟
إنها تزعل مني.
ضحكت بحزن.
كنتِ خاېفة تزعل منك، وماخفتِيش تظلمني؟
أنا غلطت.
آه.
أنا عارفة.
خلاص.
بس في حاجة لازم تعرفيها.
إيه؟
صوتها اتغير.
طارق ماكانش بس بيحاول يسدد ديونه.
اتجمدت.
أمال؟
كان فيه مبلغ كبير اختفى قبل ما يتجوزك.
قد إيه؟
أكتر من 400 ألف.
سكت.
فلوس مين؟
فلوس شركة.
يعني؟
هو كان مسؤول عنها.
حسيت بقلبي يهبط.
وشريف؟
كان معاه.
ورجاء؟
عرفت بعدين.
وإنتِ؟
أنا عرفت

 

بعد الجواز.
سكت.
ليه بتقولي لي دلوقتي؟
شيرين شهقت.
عشان أنا اكتشفت حاجة تانية.
إيه؟
إن جزء من الفلوس اللي اختفت…
سكتت.
كان في حساب باسمك.
قلبي وقف.
إيه؟
حساب بنكي.
أنا معنديش حساب مشترك مع طارق.
مش مشترك.
أمال؟
حساب باسمك إنتِ.
ضحكت بتوتر.
ده مستحيل.
أنا شوفت الورق.
فين؟
عند شريف.
وليه؟
كانوا بيستخدموه كوسيلة تمرير.
سكت.
إنتِ بتقولي إيه؟
مريم، لازم تقابلي شريف.
لا.
اسمعيني.
أنا مش عايزة أشوف حد منكم.
الموضوع مش عشانهم.
أمال؟
قالت
عشانك إنتِ.
قفلت المكالمة.
قعدت مكاني.
إيدي كانت بتترعش.
حساب باسمي؟
أنا عمري ما فتحت حساب من النوع ده.
فتحت تطبيق البنك.
دورت في حساباتي.
مافيش.
اتصلت بالبنك.
شرحت للموظف.
طلب مني بيانات.
وبعد دقائق قال
حضرتك فيه حساب قديم فعلًا.
قلبي دق.
باسمي؟
أيوه.
من إمتى؟
قال التاريخ.
قبل الجواز بست شهور.
قبل ما أعرف طارق أصلًا بوقت بسيط.
قلت
مين فتحه؟
المعلومات الموجودة عندنا بتقول إن فتح الحساب تم حضوريًا.
حضوريًا؟
أيوه.
أنا ما رحتش البنك في اليوم ده.
سكت الموظف.
وبعدين قال
حضرتك فيه مستندات مرفقة.
أقدر أشوفها؟
لازم تروحي الفرع.
قفلت.
قعدت أبص قدامي.
يعني الموضوع أقدم.
أقدم من الجواز.
أقدم من الكارت.
أقدم من رجاء.
وأقدم من الأربع سنين اللي عشتهم.
تاني يوم روحت البنك.
قدمت بطاقتي.
الموظف دخل على النظام.
وبعدين طبع لي مجموعة أوراق.
أول ورقة؟
طلب فتح حساب.
اسمي.
بياناتي.
توقيع.
نفس التوقيع المزور.
قلبي وقع.
لكن المبلغ اللي دخل الحساب كان هو الصدمة.
420 ألف جنيه.
دخلوا الحساب بعد فتحه بثلاث أيام.
وبعدها خرجوا في تحويلات متعددة.
وقفت.
مين المستفيدين؟
الموظف قال
فيه أكتر من حساب.
بصيت للأسماء.
أول اسم
شركة.
تاني اسم
شريف الشبراوي.
تالت اسم…
طارق.
قعدت.
أنا حسيت إني مش قادرة أتنفس.
الموظف سأل
حضرتك كويسة؟
قلت
آه.
لكن الحقيقة؟
لأ.
كنت رجعت لنقطة الصفر.
لأ.
أسوأ.
لأن دلوقتي اكتشفت إن حياتي كلها مع طارق ممكن تكون مبنية على كڈبة بدأت قبل ما أعرفه.
رجعت البيت.
فتحت اللاب توب.
طلعت كل المستندات.
وبدأت أراجع.
لو الحساب اتفتح باسمي قبل الجواز بست شهور…
يبقى مين كان معاه بياناتي؟
مين كان يعرف رقم بطاقتي؟
مين كان يعرف توقيعي؟
مين كان يقدر يفتح الحساب؟
وقتها افتكرت حاجة.
قبل الجواز، طارق كان بييجي معايا في مشاوير تجهيزات الجواز.
مرة طلب مني صورة البطاقة.
قال
عشان عقد الشقة.
أنا بعتهاله.
ومرة تانية طلب توقيعي على ورقة.
قال
إجراءات تأمين.
أنا وقعت.
كان ممكن تكون دي البداية.
لكن ليه 420 ألف دخلوا؟
ومن فين؟
فتحت رقم التحويل.
وبحثت في الأوراق.
المصدر كان شركة مقاولات.
شركة طارق كان شريك فيها.
يعني…
هو كان بيحط فلوس الشركة في حساب باسمي.
وبعدين يخرجها.
ده مش مجرد استغلال.
ده كان ممكن يحطني في مشكلة قانونية وأنا ما أعرفش.
مسكت الموبايل.
اتصلت بالمحامي.
قلت له
لازم نتقابل.
بعد ساعة كنت قدامه.
حطيت الورق.
قرأ.
وبعدين رفع عينه.
دي مشكلة أكبر.
قلت
عارفة.
إنتِ متأكدة إنك ما فتحتيش الحساب؟
متأكدة.
وموقعتيش على أي إقرار يسمح باستخدامه؟
لأ.
سكت.
إذن لازم نتحرك بسرعة.
إزاي؟
هنطلب من البنك كل المستندات الأصلية.
وبعدين؟
لو التوقيع مزور، هيبقى فيه تحقيق.
وطارق؟
هيبقى لازم يفسر وجود اسمه.
رجعت البيت.
كنت متوقعة إن طارق يتصل.
وفعلًا.
الموبايل رن.
رديت.
ألو؟
مريم.
صوته كان متوتر.
إنتِ روحتي البنك؟
سكت.
مين قالك؟
مش مهم.
إنت كنت عارف؟
عن إيه؟
الحساب.
سكت.
الصمت كان كفاية.
قلت
كنت عارف.
مريم اسمعيني.
إنت فتحت حساب باسمي؟
أنا ما فتحتوش.
مين فتحه؟
مش عارف.
وال ألف؟
سكت.
طارق!
قال
أنا كنت مضطر.
مضطر تعمل حساب باسمي؟
كان لازم.
ليه؟
عشان أحمي الشركة.
وتحمي نفسك.
آه.
وتلبسني أنا.
ماكانش قصدي.
ضحكت.
دي أسوأ جملة ممكن تقولها.
أنا كنت ناوي أرجع كل حاجة.
إنت قلت الجملة دي قبل كده.
مريم…
خلاص.
إنت هتعملي إيه؟
هعمل اللي كان لازم أعمله من أول يوم.
إيه؟
هحمي نفسي.
سكت.
وبعدين قال
أنا ممكن أروح السچن.
صوته كان مكسور.
لأول مرة حسيت بثقل اللي ممكن يحصل.
لكن بعد كل اللي عشته…
ماقدرتش أتحمل ذنب مش ذنبي.
قلت
أنا مش هبلغ عشان أنت تدخل السچن.
سكت.
أنا هبلغ عشان اسمي مايدخلش السچن بدالك.
وقلت له
والباقي ربنا يكتبه.
وقفل.
بعد أسبوعين بدأت التحقيقات.
كل حاجة اتفتحت.
الحساب.
التوقيعات.
التحويلات.
الشركة.
القرض.
الشقة.
الكارت.
كل حاجة.
رجاء اضطرت تبيع دهبها.
شيرين رجعت شغلها.
شريف اختفى فترة وبعدين ظهر من خلال محاميه.
أما طارق…
فدخل في دوامة قانونية كبيرة.
أنا ما كنتش سعيدة.
بالعكس.
كان فيه جزء جوايا بيتمنى إن كل ده ماحصلش.
إن طارق يطلع براءة.
إن نرجع لأول يوم.
إنه يقول لي
أنا بحبك.
وأنا أصدقه.
لكن الزمن ما بيرجعش.
بعد حوالي ست شهور، حصل الانفصال رسميًا.
خرجت من المحكمة.
الجو كان مشمس.
بصيت للسماء.
حسيت إني خفيفة.
مش سعيدة.
لكن خفيفة.
رجعت البيت.
عملت لنفسي رقاق.
ضحكت لما افتكرت اللي حصل.
أنا اللي كانت حرارتي 39.
أنا اللي

 

رجاء سابت لي خمسة كيلو مفروم.
أنا اللي كان المفروض أقف أحشي ورق عنب وأنا برتعش.
دلوقتي؟
أنا قاعدة لوحدي.
قدامي صينية رقاق.
ومحدش بيقول لي
إنتِ كنة البيت على إيه؟
حطيت أول قطعة في الطبق.
وأكلت.
بهدوء.
من غير استعجال.
من غير خوف.
ومن غير ما أفكر مين هيرضى ومين هيزعل.
بعدها فتحت اللاب توب.
كان عندي اجتماع أونلاين مع عميل أجنبي.
خلصت الاجتماع.
لقيت رسالة من دار نشر.
عرض جديد.
أكبر.
وأجر أعلى.
وافقت.
وبعد كام يوم، بدأت أشتغل من مكتب صغير عملته في البلكونة.
المكان اللي كنت بقعد فيه زمان أراجع الفواتير وأنا مخڼوقة.
دلوقتي بقي مكتبي.
حطيت نباتات.
مكتبة.
كرسي مريح.
ولافتة صغيرة مكتوب عليها
ابدئي من جديد.
كنت محتاجة الجملة دي.
مش عشان أنسى.
عشان أفتكر إن البداية الجديدة مش عيب.
بعد حوالي سنة، كنت قاعدة في نفس المطبخ.
الموبايل رن.
رقم غريب.
رديت.
ألو؟
صوت رجاء.
عرفته فورًا.
مريم؟
سكت.
أنا عارفة إنك مش عايزة تسمعيني.
قولي.
أنا عايزة أعتذر.
اعتذارك وصل من زمان.
بس المرة دي أنا مش عايزة منك حاجة.
سكت.
عايزة أقول لك إني غلطت.
آه.
كنت فاكرة إنك هتفضلي ساكتة.
وأنا كمان.
كنت فاكرة إن طارق مهما عمل هتسامحي.
وأنا كمان كنت فاكرة.
صوتها ارتعش.
إنتِ كنتِ أحسن مني.
ما رديتش.
أنا ظلمتك.
آه.
وكنت شايفة إنك غريبة عن البيت.
مع إن البيت كان بيتي.
آه.
سكتت.
وبعدين قالت
أنا خسړت ابني.
قلبي اتقبض.
مش بسببك.
أنا عارفة.
أنا ماكنت سبب في اللي حصل له.
عارفة.
هو اللي اختار.
عارفة.
سكتت.
ربنا يسامحك يا مريم.
قلت
ويسامحنا كلنا.
وقفلنا.
ما سامحتهاش بالكامل.
ومش عارفة إذا كنت هقدر في يوم.
لكن لأول مرة ماكانش جوايا ڠضب.
كان فيه هدوء.
وده كان كفاية.
أما شيرين، فبعدها بشهرين بعتت لي رسالة.
قالت إنها اشتغلت بانتظام.
وبقت مستقلة.
وقالت
أنا كنت فاكرة إن اللي بييجي بسهولة حق مكتسب. إنتِ علمتيني إن اللي بياخد حاجة مش بتاعته، حتى لو محدش وقفه، بيبقى غلطان.
قريت الرسالة.
ما رديتش.
بس المرة دي احتفظت بيها.
مش عشانها.
عشاني.
عشان أفتكر إن مش كل الناس بتتغير بسرعة.
لكن بعضهم بيتعلم.
بعد فترة، عرفت إن شريف باع جزء من ممتلكاته وسدد جزء كبير من التزاماته.
وعرفت إن القضية الخاصة بالحساب باسمي اتثبت فيها إن التوقيع مش توقيعي.
اسمي اتشال من كل الإجراءات.
أما ال ألف؟
جزء كبير منهم رجع.
مش مرة واحدة.
على دفعات.
لكن رجع.
وأنا أول ما رجع لي أول مبلغ…
ما حوشتوش.
ما استثمرتوش.
ما خفتش أصرفه.
روحت اشتريت حاجة لنفسي.
ساعة.
ساعة بسيطة.
مش غالية.
لكن وأنا بدفع تمنها، البائعة قالت
تحبي تغلفها هدية؟
بصيت لها.
وقلت
آه.
وبعدين ضحكت.
لنفسك؟
قلت
آه.
ولأول مرة في حياتي اشتريت هدية لنفسي.
رجعت البيت.
فتحت العلبة.
لبست الساعة.
وبصيت لإيدي.
افتكرت كام سنة ضاعت وأنا بحسب حساب كل جنيه.
لكن في نفس الوقت…
افتكرت إني لسه هنا.
وده كان أهم.
بعدها بدأت أوسع شغلي.
وظفت بنتين يساعدوني.
وبقيت أشتغل مع دار نشر بشكل ثابت.
وبعد سنة فتحت مكتب صغير.
مش كبير.
لكن باسمي.
اللافتة كانت
مريم للترجمة والتحرير.
وقفت قدام اللافتة يوم الافتتاح.
وأنا حاسة إن الاسم ده مش مجرد اسم.
ده أول حاجة في حياتي بقت ملكي من غير ما حد يشاركني فيها.
في يوم الافتتاح، واحدة من البنات اللي شغالة معايا قالت
إنتِ أكيد فخورة بنفسك.
ضحكت.
أيوه.
إيه أصعب حاجة عدت عليكي؟
فكرت.
كان ممكن أقول
الفلوس.
الخېانة.
الكذب.
القضية.
الجواز.
لكن قلت
إني اكتشفت إني كنت بعرف أقول آه أكتر ما بعرف أقول لأ.
قالت
وده اتغير؟
بصيت لها.
اتغير.
ضحكت.
وبقى عندي كلمة بحبها جدًا.
إيه؟
قلت
لأ.
ضحكت.
لكن وأنا بقولها…
افتكرت رجاء.
افتكرت يوم ما قالت
إنتِ كنة البيت على إيه؟
وأنا واقفة بحرارة 39.
وقتها كنت فاكرة إن كرامتي في إني أتحمل.
دلوقتي فهمت إن كرامتي كانت في إني أرفض.
في إني أقول
أنا تعبانة.
مش هقدر.
ده مالي.
ده حقي.
وده مش مقبول.
وفي إني ما أعتبرش نفسي أنانية لمجرد إني بحمي نفسي.
مرت سنتين.
وفي يوم كنت قاعدة في المكتب، جالي ظرف.
مفيش اسم مرسل.
فتحته.
جواه ورقة واحدة.
رسالة قصيرة.
مريم، أنا عارف إن مفيش كلام هيغير اللي حصل. بس أنا خرجت من الأزمة، وبدأت أشتغل من جديد. كل فلوسك رجعت، وكل ورقة باسمك اتلغت. أنا مش بطلب منك ترجعي. أنا بس بطلب منك ما تكرهينيش.
فضلت باصة للرسالة.
عرفت إنها

 

من طارق.
قعدت أفكر.
هل أكرهه؟
لأ.
الكراهية محتاجة طاقة.
وأنا ما بقاش عندي طاقة أديها له.
أنا ببساطة…
عديت.
حطيت الرسالة في الدرج.
وقفلت الدرج.
وبعدين رجعت للشغل.
لأن حياتي ما بقتش مستنية حد يرجع لها.
أنا اللي بقيت أرجع لها كل يوم.
بعد كام شهر، اتنقلت لشقة جديدة.
أصغر.
أهدى.
وأجمل.
مش لأن شقتي القديمة وحشة.
لكن عشان كنت محتاجة مكان مافيش فيه ذكريات تقيلة.
يوم النقل، وأنا بجمع حاجتي، لقيت الترمومتر القديم.
اللي رجاء رمتُه يومها.
مسكته.
قعدت أبص له.
وبعدين حطيته في صندوق.
مش رميته.
احتفظت بيه.
لأن بعض الحاجات ماينفعش ننساها.
لازم نفتكرها عشان مانرجعش لها.
في آخر يوم في الشقة القديمة، وقفت في المطبخ.
نفس المكان.
نفس الرخامة.
نفس التلاجة.
غمضت عيني.
افتكرت نفسي وأنا ساندة ضهري هنا.
ركبي بتخبط في بعض.
وشي سخن.
وحلقي بيوجعني.
ورجاء واقفة قدامي بتقول
واقفي؟ مين قالك تقفي؟
فتحت عيني.
وقلت بصوت مسموع
لأ.
وبعدين ضحكت.
المرة دي أنا اللي هقرر أقف إمتى.
قفلت باب الشقة.
ونزلت.
ما بصتش ورايا.
مش لأن الماضي ماكانش مهم.
لكن لأنه أخد كفايته مني.
دلوقتي دوري أنا.
بعد ثلاث سنين من يوم الجونة…
كنت قاعدة في مكتبي.
الساعة كانت حوالي ستة المغرب.
الموظفين مشيوا.
وأنا لسه بخلص شغل.
رن جرس الباب.
رفعت عيني.
واحد من العاملين دخل وقال
في حد بره عايز يقابلك.
مين؟
قال
بيقول اسمه طارق.
سكت.
قلبي دق.
مش خوف.
ولا حب.
مجرد مفاجأة.
قلت
خليه يدخل.
دخل طارق.
كان مختلف.
شعره شاب فيه أبيض.
وشه خسر الوزن.
لابس بدلة بسيطة.
وقف قدامي.
إزيك؟
قلت
كويسة.
واضح.
ابتسمت.
إنت عامل إيه؟
كويس.
سكت.
قعد.
أنا ماجتش أطلب حاجة.
تمام.
ولا أرجع.
تمام.
ولا حتى أعتذر.
بصيت له.
أمال؟
قال
جاي أشكرك.
ضحكت.
على إيه؟
إنك وقفتي اللي كنت بعمله.
مش فاهمة.
لو كنتي فضلتي ساكتة، كنت هكمل.
سكت.
وكنت هخسر أكتر.
وأنا كنت هخسر أكتر.
عارف.
بصيت له.
أنت اتغيرت؟
فكر.
مش عارف.
ضحكت.
إجابة صريحة.
بس بقيت أعرف حاجة واحدة.
إيه؟
إن الخۏف مش مبرر إنك تظلم حد.
سكت.
أنا زمان كنت خاېف أخسرك.
وخسرتني.
هز راسه.
آه.
بس مش عشان الفلوس.
عارف.
عشان الأمان.
عارف.
قام.
مش هعطلك.
قلت
طارق.
وقف.
آه؟
أنا مش زعلانة منك دلوقتي.
عينه لمعت.
ده كفاية.
بس ده مش معناه إننا نرجع.
أنا فاهم.
كل واحد فينا عنده حياة.
عارف.
ابتسم.
ربنا يوفقك.
قال
وإنتِ كمان.
خرج.
قفلت الباب.
رجعت لمكتبي.
قعدت.
وبصيت من الشباك.
القاهرة كانت منورة.
صوت العربيات بعيد.
والناس ماشية.
كل واحد شايل حكايته.
وأنا لأول مرة…
حكايتي كانت ملكي.
مش ملك جوز.
ولا حماتي.
ولا عيلة.
ولا أي حد.
أنا اللي كتبتها.
وأنا اللي كملتها.
بعدها بأيام، كنت في بيت أمي.
قعدنا نشرب شاي.
بصت لي وقالت
إنتِ شكلك اتغير.
ضحكت.
لأ.
آه.
إزاي؟
قالت
بقيتي بتبصي في عين الناس وإنتِ بتتكلمي.
ضحكت.
زمان ماكنتش؟
زمان كنتِ بتعتذري حتى وإنتِ مش غلطانة.
سكت.
الجملة لمست حاجة جوايا.
بصيت لها.
يمكن كنت فاكرة إن ده احترام.
قالت
الاحترام إنك تحترمي نفسك الأول.
ابتسمت.
ولأول مرة حسيت إن الجملة دي وصلت لي في وقتها.
مش متأخر.
في وقتها.
بعد سنة كمان، جالي إيميل من شيرين.
كانت بتقول إنها اتجوزت.
ضحكت لما قريت.
وقالت
أنا اتعلمت منك إن البيت شراكة، مش خدمة.
قفلت الإيميل.
وقلت
ربنا يسعدك.
وما زدتش.
لأن كل واحد لازم يعيش نتيجة اختياراته بنفسه.
أما رجاء…
فآخر خبر وصلني عنها إنها باعت جزء من بيتها، وسددت ديون، وبقت تعيش لوحدها.
ماحاولتش أتدخل.
ولا أسأل.
يمكن دي كانت عقوبتها.
مش الوحدة.
لكن إنها تضطر تسمع صوت نفسها من غير ما يكون فيه حد تتحكم فيه.
وأنا؟
أنا بقيت أحب حياتي.
مش لأنها خالية من المشاكل.
لكن لأنها حياتي.
لو تعبت…
بارتاح.
لو مش قادرة…
بقول مش قادرة.
لو حد طلب مني حاجة مش مناسبة…
بقول لأ.
لو حد حاول يقنعني إن حقي مش حقي…
ما بصدقوش.
ولو حد قال لي
إنتِ مراته.
برد
آه، بس أنا كمان إنسانة.
ولو حد قال
دي أمه.
بقول
وأنا ليا أمي.
ولو حد قال
العيلة أهم.
بقول
العيلة اللي تحبك مش بتكسر ظهرك.
وفي ليلة هادية، كنت براجع عقد شغل جديد.
الموبايل رن.
رقم مجهول.
رديت.
ألو؟
صوت ست كبيرة.
مريم؟
أيوه.
أنا سمعت عن شغلك.
مين حضرتك؟
أنا صاحبة دار نشر كبيرة.
ابتسمت.
اتفضلي.
عايزين نتعامل معاكي في مشروع كبير.
يسعدني.
بس المشروع محتاج سفر.
فين؟
قالت اسم بلد أجنبي.
سكت لحظة.
وبعدين قلت
موافقة.
قفلت.
وبصيت قدامي.
السفر.
زمان السفر كان معناه
فلوس تُسحب من حسابي.
كارت.
رجاء.
شيرين.
فندق.
رقاق.
محشي.
وصوت بيقول
إنتِ كنة البيت على إيه؟
دلوقتي؟
السفر بقى معناه
أنا.
شغلي.
نجاحي.
اختياري.
ابتسمت.
وقمت من مكاني.
دخلت المطبخ.
عملت قهوة.
وقفت عند الرخامة.
وحطيت إيدي عليها.
نفس الحركة اللي عملتها يوم مرضي.
بس المرة دي…
ماكانش فيه رعشة.
ماكانش فيه خوف.
ماكانش فيه حد يأمرني.
كان فيه أنا.
وبس.
رفعت الكوباية.
وقلت لنفسي
الحمد لله إني عرفت.
لأن أوقات الحقيقة
بتوجع.
وأوقات بتخسرنا ناس.
وأوقات بتخلينا نبدأ من الصفر.
لكن أسوأ حاجة في الدنيا…
إنك تفضل عايش في حياة مش حياتك، بس عشان خاېف تخسر اللي حواليك.
أنا خسړت جوازي.
خسړت ناس كنت فاكرة إنهم أهلي.
خسړت فلوس.
وخسړت أربع سنين.
لكن في المقابل…
رجعت لنفسي.
وده كان أغلى حاجة.
وبعد كل السنين دي، لو حد سألني
إيه أكتر حاجة ندمتي عليها؟
هقول
مش إني طلعت الكارت.
مش إني ساعدت.
مش إني وثقت.
الندم الحقيقي؟
إني اتأخرت في إني أحط حدود.
لأن الطيبة من غير حدود…
بتتحول في إيد الناس الغلط لاستسلام.
والمساعدة من غير اتفاق…
ممكن تتحول لاستغلال.
والحب من غير احترام…
بيتحول لسجن.
وأنا؟
أنا خرجت.
مش منتصرة على طارق.
ولا على رجاء.
ولا على شيرين.
ولا على شريف.
أنا انتصرت على النسخة القديمة مني.
النسخة اللي كانت پتخاف تقول
لأ.
النسخة اللي كانت فاكرة إن السكوت حكمة.
النسخة اللي كانت شايفة إن تحملها دليل حب.
النسخة اللي كانت بتحسب كل جنيه لنفسها، وتدي اللي في إيدها للناس عشان مايزعلوش.
أنا دفنت النسخة دي.
وعملت مكانها واحدة جديدة.
واحدة لو سخنت…
تنام.
لو تعبت…
ترتاح.
لو اتظلمت…
تتكلم.
ولو حد حاول ياخد حقها…
توقفه.
وبعد حوالي أربع سنين من يوم رجاء رمت الترمومتر على رخامة المطبخ…
كنت في مكتبي، وبنت جديدة اتعينت عندي.
كانت بتشتغل معانا بقالها أسبوع.
دخلت عليا وهي مترددة.
مدام مريم؟
أيوه؟
ممكن أسألك سؤال؟
طبعًا.
أنا لو مش قادرة أخلص الشغل النهارده، أقول؟
ابتسمت.
طبعًا.
مش هيبان إني مقصرة؟
ضحكت.
لأ.
متأكدة؟
قلت لها
أنا زمان كنت فاكرة إن عشان أبقى كويسة لازم أوافق على كل حاجة.
وبعدين؟
وبعدين اكتشفت إن اللي بيحبك مش بيطلب منك تكسري نفسك عشانه.
سكتت.
قلت
لو تعبانة، قولي.
لو مش قادرة، قولي.
لو الحاجة فوق طاقتك، قولي.
وما تخافيش من كلمة لأ.
ابتسمت.
حاضر.
خرجت.
فضلت قاعدة لوحدي.
بصيت للساعة اللي اشتريتها لنفسي.
الساعة كانت لسه في إيدي.
نفس الساعة.
نفس الهدية.
بس أنا مش نفس الست.
ابتسمت.
ورجعت لشغلي.
ومن يومها…
كل ما أفتكر الجملة القديمة
إنتِ كنة البيت دي على إيه؟
ما بفتكرهاش كإهانة.
بفتكرها كأول إنذار.
الإنذار اللي جه متأخر.
بس جه.
والحمد لله…
إني المرة دي…
سمعته.
تمت.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى