
الفازة الكريستال اتكسرت على حافة فكّه وحاجبه اليمين بصوت مكتوم، وشظايا الزجاج اتطارت في الأوضة زي المطر.
كريم اتراجع لورا خطوتين وهو بيصرخ صرخة مكتومة من الوجع، إيده راحت لوشه بسرعة، والدم السخن بدأ ينزل بغزارة، يغطي الندبة القديمة وينقط على قميصه الكحلي.
سلمى ما استنتش ثانية واحدة. غريزة البقاء حركتها أسرع من عقلها. هجمت عليه وهو مذهول ومش شايف كويس من الدم اللي غطى عينيه اليمين، دكّت إيدها اللي بترتعش جوه جيب بنطلونه، وسحبت المفتاح النحاس بأقصى سرعة.
“سلمى!”
كريم صرخ باسمها بصوت يرعب، ومسك معصم إيدها الشمال بقوة عاصرة. صوابعه المليانة زيت تراب ودم كانت زي الكلبشات على جلدها. لكن سلمى، بكل القهر والغضب اللي كان محبوس جوة جسمها طوال 12 سنة، لفت وجابت كوعها في نص صدره بقوة، وعصرت جسمها واتملصت منه وهي بتسيب أثر دم على دراعها.
جرت على باب الأوضة، حطت المفتاح في الكالون وإيدها بتهتز زي ورقة شجر في الشتا. لفت المفتاح تكة.. اتنين!
الباب اتفتح.
سمعت صوت خطواته التقيلة وهو بيزحف وراها وبيحاول يمسك في حرف الدولاب عشان يقف، وصوته كان أبحّ ومخيف: “مش هتروحي في حتة يا سلمى! الورق معايا.. وكل حاجة انتهت!”
طلعت تجري في الصالة، فتحت باب الشقة البراني على آخره، ونزلت على السلم حافية. درجات الرخام الباردة كانت بتضرب في رجليها، بس هي ما كانتش حاسة بوجع. كانت حاسة بس بإن الهوا اللي بتتنفسه لأول مرة من سنين طعمه مختلف.. طعم نجاة.
“يا خالة سناء! يا عم محمد!”
صوتها خرج مبحوح ومرعوب وهو بيرن في منور العمارة. باب شقة الدور الثاني اتفتح بسرعة، وطلعت منه جارتها الكبيرة في السن وهي متخضة.
“فيه إيه يا سلمى يا بنتي؟! مالك يا ضنايا؟!”
سلمى اترمت في حضنها وهي بتتخنق بالدموع والشهقات: “اتصلي بالبوليس يا خالة.. اتصلي بالبوليس فوراً! كريم.. كريم عايز يقتلني!”
في لحظات، الشارع كله كان مقلوب. بواب العمارة وجيرانها اتجمعوا على باب العمارة، وكريم نزل بعد دقائق.. وش المليان دم مقفول بقطعة قماش قديمة، وعينيه بتدور في الشارع زي الوحش المجرُوح. بس لما شاف الناس ملت المدخل والبوليس بتبدأ سرينات عربياته ترن من بعيد في أول الشارع، وقف مكانه.
بص لسلمى من بعيد… نظرة طويلة أخيره. ما كانش فيها غضب، كان فيها انكسار راجل عاش طفولته وشبابه بيطارد وهم اسمه الانتقام، ولما وصل له… اكتشف إنه ضيع حياته الحقيقية في السراب.
البوليس جه، والملاية البيضا اللي غطت بيها خالة سناء كتاف سلمى كانت أول حاجة دافية تحس بيها من سنين.
في القسم، المظروف الأسود اللي كان في جيب قميصه اتصادر، وقصاصة الجريدة والصور المقطوعة بقت أدلة في قضية ابتزاز وتهديد بالقتل. وأمها، نادية، جت مع خالتها وهي بتعيط وبتبكي، حطت راسها في أرضية القسم وقالت بصوت مكسور: “سامحيني يا بنتي.. كنت فاكرة إني بحميكِ لما خبيت الحقيقة.. كنت فاكرة إني لو سكت، السنين هتعدي والسر بيموت.”
سلمى بصت لأمها وهزت راسها بالرفض ودموعها بتنزل بجميع الأسى: “السر عمره ما بيموت يا ماما.. السر كان عايش معانا في نفس البيت، وبياكل معانا في نفس الطبق.”
بعد تلات شهور…
سلمى كانت واقفة في المطبخ نفسه.
الشمس كانت داخلة من الشباك بتنور الترابيزة. الساعة القديمة ما بقتش معلقة على الحيطة. سلمى رمتها في الزبالة من أول أسبوع. مكانها على الحيطة كان فاضي، أبيض، ومحتاج دهان جديد.
تليفونها رن. كان المحامي بيبلغها إن إجراءات الطلاق للضرر تمت رسمياً، وإن القضية اترُفعت ضد كمال عبد الفتاح بتهم التهديد والابتزاز والتزوير.
قفلت التليفون، وبصت لشباك المطبخ اللي بيطل على الشارع.
أول مرة من 12 سنة، تحس إنها مش خايفة من بكرة. المكان اللي كانت فاكراه بيتها اتدمر، والراجل اللي كانت فاكراه أمانها طلع كابوسها… بس لأول مرة، سلمى كانت شايفة نفسها صح.
طفلة الفستان الوردي اللي في الصورة القديمة كبرت أخيراً… وما بقتش محتاجة حد يحميها.
#انجي_الخطيب




