منوعات

اختي وبنتي الرضيعة حكايات انجى الخطيب

في عيد ميلاد بنت أختي، طلبت من أهلي ياخدوا بالهم من بنتي الصغيرة وأنا أروح أجيب الهدية من العربية. لما رجعت، بنتي كانت اختفت! سألت أختي عنها، فبصتلي بابتسامة مستفزة وقالتلي: «دي كانت هتبوّظ الحفلة كالعادة… البنت دي لازم تتعلم تسكت وتبطل دوشة». قلبي وقع في رجلي وأنا بجري أدور عليها في كل حتة في البيت. ولما لقيتها أخيرًا، كانت ريحتها غريبة جدًا ومش بتفوق مهما ناديت عليها. صرخت فيهم يتصلوا بالإسعاف، لكن أختي بدل ما تخاف عليها، انفجرت في وشي بزجاجة إزاز على دماغي عشان تسكتني… واللي حصل بعد كده خلّى كل اللي كانوا موجودين في البيت يفضلوا ساكتين من الصدمة.

كان جنينة بيت أختي مليانة ريحة التورتة بالكريمة، والشموع، والمشروبات الغازية، والعشب المبلول من المية اللي اتسقت بيها الجنينة الصبح. شرائط الزينة الوردية كانت متعلقة على السور، وكل شوية الهوا يحركها، بينما أغاني عيد الميلاد طالعة من سماعة صغيرة محطوطة جنب الترابيزة اللي عليها التورتة والكب كيك.

من بره، بيت أختي سحر كان شكله عادي جدًا. بالونات مربوطة على باب الجنينة، زينة معلقة على الشبابيك، وترابيزة طويلة مليانة أكل وعصاير وحلويات. العربيات كانت راكنة قدام البيت بشكل عشوائي، وكل واحد كان بيحاول يركن في أقرب مكان.

عيلتي طول عمرها كانت شاطرة في إنها تخبي القسوة ورا شكل لطيف.

بنتي مريم كان عندها سنتين، لابسة فستان أصفر صغير وصندل أبيض، وإيدها الصغيرة ماسكة صوابعي. مريم كانت بتخاف من الزحمة والصوت العالي، وبتتكسف من الناس اللي متعرفهمش، وخصوصًا الكبار اللي بيتكلموا بصوت عالي ويفضلوا يزنوا عليها عشان تضحك.

بالنسبة للناس كانت طفلة حساسة زيادة عن اللزوم.

أما بالنسبة لي… فكانت كل حياتي.

قبل ما مريم تيجي الدنيا، عشت خمس سنين كاملة وأنا بحلم إني أبقى أم. تحاليل، دكاترة، أدوية، فلوس بتتصرف، ومستشفيات وقاعات انتظار ريحتها مطهرات. كنت بدخل الحمام في الشغل أعيط لوحدي، أغسل وشي، وأطلع أكمل يومي كأن مفيش حاجة حصلت.

ولما مريم أخيرًا جت للدنيا، وعدت نفسي إني عمري ما هخلي حد يحسسها إنها عبء أو إنها تقيلة على حد.

لكن أختي سحر وأمي كان عندهم وصف تاني ليها.

«رخمة… ودمها تقيل».

بنت سحر، هنا، كانت بتتم ست سنين يوم السبت ده، وأمي من أول اليوم وهي بتتكلم قدام الضيوف عن قد إيه هنا بنت «سهلة ومريحة».

«هنا عمرها ما عملت دوشة… هنا بتسمع الكلام… هنا تعرف تتصرف قدام الناس».

كل مرة مريم كانت تمسك في إيدي، أمي كانت تبصلي بضيق كأني بعمل حاجة عيب.

الساعة كانت حوالي اتنين وربع الضهر، لما أمي قربت مني وهي بتضحك للضيوف، لكن صوتها واطي وبارد.

قالتلي: «روحي هاتي هدية هنا من العربية قبل ما نبدأ نفتح الهدايا».

بصيت لمريم وقلت: «هخليها تيجي معايا».

أمي بصتلي بضيق وقالت: «إنتِ هتفضلي مكبرة كل حاجة كده؟ سحر هتاخد بالها منها. بطلي قلق وخليكي طبيعية شوية».

دي كانت طريقتهم طول عمرهم.

عمرهم ما كانوا يسموا الإهمال إهمال.

كانوا بيسموه «أنا درامية».

سحر كانت قاعدة على كرسي بلاستيك جنب الترابيزة، ماسكة كباية عصير، وبتتكلم مع واحدة من قرايبنا. أول ما أمي بصتلها، رفعت إيدها وقالتلي بمنتهى اللامبالاة:

«روحي يا حبيبتي، أنا هخلي بالي منها».

نزلت على ركبتي قدام مريم، ومسحت على شعرها اللي كان لازق في جبينها من الحر.

قلت لها: «ماما هتروح العربية تجيب حاجة وترجعلك على طول، حاضر؟»

مريم بصتلي بعينيها الواسعة، وشفايفها اترعشت شوية، وبعدها هزت راسها.

أنا كنت علمتها طول عمرها إن ماما لما تقول هرجع… بترجع.

وده كان أكتر شيء وجعني بعد كده.

خرجت من باب الجنينة، ومشيت للعربية، جبت كيس الهدية ورجعت تاني.

مكنتش غايبة أكتر من ربع ساعة.

لكن أول ما دخلت من باب الجنينة، حسيت إن فيه حاجة غلط.

مريم مش موجودة.

في الأول عقلي حاول يلاقي تفسير طبيعي.

يمكن قاعدة جنب التورتة.

يمكن راحت ناحية المرجيحة.

يمكن واحدة من قرايبنا دخلتها الحمام.

يمكن قاعدة في الصالة بتشرب مية.

لكن مفيش فستان أصفر.

مفيش صندل أبيض.

مفيش صوتها الصغير وهي بتناديني.
#انجي_الخطيب
سألت بسرعة:

«مريم فين؟»

محدش رد.

بصيت لسحر.

كانت لسه قاعدة في مكانها، بنفس الهدوء، وكأن اختفاء طفلة عندها سنتين حاجة عادية جدًا.

قالتلي: «اهدي كده».

قلبي بدأ يدق بسرعة.

قلت: «فين بنتي؟»

سحر رفعت الكوباية وقالت ببرود:

«كانت بتعيط وتعمل دوشة وفضلت تبوظ عيد ميلاد هنا».

بصيتلها وأنا مش مصدقة اللي بسمعه.

«يعني إيه؟»

قالت وهي بتتنهد: «خدتها فوق عشان تهدى».

«فين فوق؟»

«في أوضة الضيوف».

اتحركت ناحيتها بسرعة.

لكنها قالتلي بمنتهى الاستفزاز:

«وبصراحة يعني… البنت دي لازم تتعلم تسكت شوية. مش كل حاجة عياط وصوت».

حسيت إن الدم نشف في عروقي.

جريت ناحية باب البيت.

الناس بدأت تبص لبعضها، وفجأة الجو كله اتغير. الأغاني اللي كانت شغالة من شوية بقت مستفزة، وضحكات الأطفال اختفت، والكل بدأ يفهم إن فيه حاجة مش طبيعية حصلت.

طلعت السلم وأنا بجري.

رجلي خبطت في أول درجة، ووقعت على ركبتي، لكني قمت تاني من غير حتى ما أحس بالوجع.

فتحت باب أوضة الضيوف.

الأوضة كانت ضلمة شوية، والستاير مقفولة.

وفي نص الكبير، كانت مريم نايمة.

لكن نومها كان غريب.

غريب جدًا.

«مريم؟»

مفيش رد.

قربت منها ولمست خدها.

كان بارد.

«مريم… حبيبتي؟»

هزيتها برفق.

ولا حركة.

حطيت إيدي على صدرها، وحسيت إن نفسي اتقطع.

كان نفسها ضعيف جدًا.

وقربت منها أكتر، وقتها شممت ريحة غريبة طالعة من نفسها.

ريحة دواء.

ريحة نفاذة خلتني أبعد وشي بسرعة.

بصيت حواليّ، وشفت على الترابيزة جنب السرير شريط دوا مفتوح وكوباية مية.

صرخت:

«يا نهار أبيض! مريم!»

شيلتها بين إيديا، وكانت سايبة جسمها تمامًا.

بدأت أعيط وأصرخ:

«حد يتصل بالإسعاف! بسرعة! بنتي مش بتفوق!»

أمي ظهرت عند باب الأوضة، وحطت إيدها على بوقها.

أما سحر فطلعت وراها.

كانت ماسكة إزازة عصير زجاج في إيدها.

بصت لمريم.

وبعدين بصتلي.

الغريب إنها ما بانش عليها الخوف.

ولا حتى الندم.

بالعكس…

وشها اتغير.

الغضب ظهر في عينيها.

قالتلي بعصبية:

«وطي صوتك! ».

بصيتلها وأنا بصرخ:

«بنتي ممكن تموت! اتصلي بالإسعاف!»

قالت:

«بطلي مبالغة».

صرخت:

«مبالغة إيه؟! هي مش بتفوق!»

نزلت إيدي ناحية موبايلي اللي وقع على الأرض وأنا بحاول أتصل بالإسعاف، وفي نفس الوقت كنت بحاول أسمع نفسها وأطمن إنها لسه بتتنفس.

كنت بقول وأنا بعيط:

«يا رب… يا رب مريم متسبنيش».

وراء ظهري، سمعت صوت خطوات سحر.

خطوة…

وبعدين خطوة تانية.

لفيت.

لقيتها واقفة قدامي.

الإزازة في إيدها.

قالتلي بصوت واطي مليان :

«قولتلك وطي صوتك».

صرخت:

«إنتِ عملتي فيها إيه؟!»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى