منوعات

أمها طلبت منها تشيل الساعة حكايات انجى الخطيب

رجليها اتثبتت في الأرض، وجسمها كله بقى يترعش من البرودة اللي سرت في عروقها. بصت له سلمى وعينيها زايغة بين عينيه الباردة وبين القفل المرمي على السجاد.
“كمال…”
الاسم طلع من بين شفايفها ، زي الروح وهي بتطلع.
ابتسامة كريم وسعت سنة، بس عينيه فضلت ميتة. قرب منها خطوتين هاديين، صوت جزمه كان زي دق المسمار في خشبة نعش.
“اسم قديم قوي… محدش ناداني بيه من أربع وعشرين سنة. من اليوم اللي أبوكِ وقف فيه قدام الشارع كله، وحط إيده في جيبه، وقال لأبويا: ‘مالكش حاجة عندي يا عبد الفتاح، واعلى ما في خيلك اركبه’.”
سلمى ضغطت ظهرها في خشب الدولاب، حاسة إن الحيطة وراها بتتسحب. “أنا… أنا ماكنتش اتولدت وقتها! أنا ماليش ذنب في خناقاتكم القديمة!”
“مالكيش ذنب؟” كريم رفع حاجبه اليمين، والندبة البيضا الشاحبة اتشدت مع حركته. “والبيت اللي أبوكِ كتبه باسمك قبل ما يموت؟ والشقة دي اللي أمك حطت إيدها عليها وحرمت أختي الصغيرة من حقها في علاجها لحد ما ماتت؟ ده ملوش ذنب برضه؟”
وقف قدامها مباشرة. كان أطول منها، وضخم، وريحة العرق والتراب اللي طالعة منه بقت خنقاه أكتر من ريحة الخوف. مد إيده بهدوء شديد، ودخل صوابعه جوه جيب المريلة اللي لابساها.
سلمى غمضت عينيها وجسمها اتشنج، لكنه ما لمسهاش بغل. كل اللي عمله إنه سحب النصين المقطوعين من الصورة وقصاصة الجريدة.
طلعهم، وبص في الصورة المجمعة للحظة. ملامح وشه اتغيرت لثانية واحدة… حاجة شبه الحزن القديم مرت في عينيه، بس اختفت بسرعة البرق.
“تصدقي؟” كريم اتكلم وهو بيطوي الورق بهدوء ويحطه في جيب قميصه الكحلي. “أنا ماكنتش ناوي أأذيكِ يا سلمى. اتناشر سنة وأنا عايش معاكِ… كنت منتظر اليوم اللي أمك تتكسر فيه بس. اليوم اللي أطلب منها تكتب كل حاجة باسمك، وبعدها أطلقك وأخد حقي بالقانون… حقي اللي أبوكِ سرقه.”
سلمى فتحت عينيها، والدموع نزلت على خدودها زي النار. “اتناشر سنة يا كريم؟ كل لمسة؟ كل كلمة ‘بحبك’؟ كل ليلة نمت فيها جنبي وأنا فاكراك أمني وسندي؟ كل ده كان تمثيل؟”
كريم بص لها بثبات مرعب، وما ترمش له عين.
“أول سنتين… كانوا تمثيل صافي. كنت بقعد في موقف المؤسسة بالساعات، مستني الأتوبيس اللي بتركبيه، عامل نفسي الصدفه البحتة الشاب الجدع اللي هينقذك. كنت حافظ مواعيدك، لبسك، الشاي اللي بتحبيه، وحتى نوع الورد اللي بيفرحك.”
بلع ريقه، وعينيه زادت قسوة: “بس بعد كده… الحياة مشيت. اتعودت عليكِ. بقيتِ جزء من اليوم. بس كل ما كنت أنسى… كانت الندبة دي تحرقني.”
حط صباعه على الندبة اللي في حاجبه اليمين.
“كل ما أبص في المراية وأفتكر أبويا وهو بيموت في المستشفى ومفيش معانا حق الدوا… كنت بفتكر أنتِ مين. وبفتكر أنا هنا ليه.”
سلمى حسّت إن قلبها اتفرم. الخيانة ما كانتش في إنه ضحك عليها… الخيانة كانت في إن كل ذكرياتها الحلوة كانت مسمومة من أول يوم.
“ماما… ماما عرفت إزاي؟” سألت وهي بتحاول تكسب وقت، وعينيها بتدور في الأوضة على أي حاجة تتدافع بيها.
كريم ضحك ضحكة قصيرة من غير صوت.
“أُمك ذكية… وعفريتة. من أول يوم دخلت فيه البيت عشان أخطبك، كانت بتبص لي بنظرات مش مرتاحة. ما افتكرتش وشي طبعاً لأنها شافتنِ وأنا عيل عنده سبع سنين، بس كانت حاسة إن فيه حاجة غلط. والامبارح… لما بصت للساعة القديمة وهي بتسلم عليا… شافت المسمار اللي ناقص في ظهرها. الساعة دي كانت بتاعت أبويا يا سلمى. أبوكِ أخدها من بيت شبرا بعد ما أبويا اتقتل، وعلقها في المطبخ عشان يفتكر إنه كسب المعركة. أمك هي اللي خبت نص الصورة جوة الساعة من سنين طويلة… عشان لو في يوم من الأيام عيلة عبد الفتاح رجعت تطالب بحقها، تسومنا بالصورة والقصاصة.”
خطا خطوة كمان قربها. سلمى المحت فازة الكريستال الثقيلة المعروضة على الكومودينو جنبه.
“ودلوقتي…” كريم حط إيده في جيبه وطلع مفتاح الشقة. “أمك هربت عند خالتك عفاف لأنها عرفت إن اللعبة اتكشفت. وقبل ما تسيب البيت، سابت لك الكلمتين دول عشان تظن إنك هتلحقي تهربي.”
“أنت عايز مني إيه دلوقتي؟” سلمى سألته بصوت مرعوب، وهي بتحرك إيدها الشمال بالراحة خالص ناحية الكومودينو.
“عايزك تمشي معايا.”
“أمشى معاك فين؟”
“هننزل الشهر العقاري… هتتنازلي لي عن الشقة دي، وعن شقة شبرا القديمة. بالهدوء يا سلمى. من غير شوشرة… عشان كفاية اتناشر سنة ضاعوا من عمري وعمرك.”
سلمى بصت له، ولأول مرة في حياتها حسّت بكتلة غضب رهيبة بتتولد جوة القهر. الراجل ده مش بس سرق شبابها وعمرها، ده عايز يرميها في الشارع وهي فاكرة إنها كانت عايشة في قصة حب.
“ولو قلت لأ؟”
كريم قرب وشها منه جداً، وبص في عينيها بصوت شبه الهسيس: “أمك مش هتعيش كتير يا سلمى… هي كبرت ورجلها والقبر. متخليش نهايتها تكون بسببي.”
وفي اللحظة دي بالظبط…
صوابع سلمى اتلفت حوالين قاعدة فازة الكريستال.
وبأقصى قوة عندها، ومن غير ما تتردد ثانية واحدة، رفعتها وضربتها في وش الراجل اللي عاشت معاه 12 سنة!
#انجي_الخطيب

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى