منوعات

أمها طلبت منها تشيل الساعة حكايات انجى الخطيب

بعد سنة كاملة من اليوم ده…
الشقة ما بقتش هي هي. سلمى غيرت كل حجر فيها. دهنت الحيطان بألوان أوف وايت دافية، شالت العفش القديم اللي كان شايل ريحة الخيانة، وفتحت الشبابيك اللي كانت دايماً مقفولة على أسرار ، عشان تدخّل الشمس والنور في كل ركن.
في صباح يوم أسبوع عادي، كانت سلمى واقفة قدام معرض ديكور في وسط البلد، بتشتري ساعة حيطة جديدة. مش ساعة خشب قديمة بتروس نحاسية مصدية، ولا ساعة محملة بذنوب زمان وروايح … اختارت ساعة مودرن بسيطة، بيضاء، عقاربها بتتحرك بهدوء وسلاسة من غير ما تعمل صوت يرعب.
رجعت البيت، طلعت على الكرسي بنفسها، ودقت المسمار بإيد ثابته مش بترتعش.
عادت للبيت حيوية جديدة. سلمى نزلت شغلت شغلانة جديدة في دار نشر، وبقت تصحى كل يوم الصبح وعينيها فيها شغف حقيقي للحياة، مش مجرد تمثيلية بتعدي بيها الأيام.
في نفس اليوم بالليل، جرس الباب رن. فتحت، لقيت أمها نادية واقفة. كانت شكلها كبر سنتين في السنة دي، لكن عينيها لأول مرة كانت صافية.. حرة من الخوف والرعب اللي كتم على نفسها تلاتين سنة.
نادية دخلت، عينها راحت فوراً على حيطة المطبخ… على الساعة الجديدة.
دمعة هادية نزلت على خدها، وقربت من سلمى وحضنتها بقوة: “الساعة دي شكلها أحسن بكثير يا بنتي… صفينا القديم خلاص.”
سلمى ابتسمت ابتسامة حقيقية، طالعة من قلبها، وقالت بصوت هادي وواثق: “مش الساعة بس اللي اتغيرت يا ماما… إحنا اللي قررنا ما نعيشش تاني جوة عقارب الماضي.”
في الأسبوع اللي قبله، كان وصلها جواب رسمي من محامي كمال، جواب مكتوب بخط إيده من جوة السجن. كان بيطلب فيها إنها تسامحه، وبيقول لها إن الفترة اللي عاشها معاها كانت الحقيقة الوحيدة الحلوة في حياته، وإنه اكتشف متأخر إن نيران الانتقام أكلته هو قبل ما تطالها.
سلمى ما كملتش قراية الجواب. ولا حست بغل ولا حست بضعف.
بكل بساطة، طبّقت الورقة ورمتها في الزبالة. لأنها عرفت إن الاستمرار في التفكير فيه، حتى ولو بالكره، هو نوع تاني من السجن… وهي اختارت الحرية.
وقفت سلمى قدام شباك المطبخ، شربت القهوة بتاعتها وهي بتبص على شوارع شبرا تحتها.
صوت دقات الساعة الجديدة كان بيتردد في المطبخ… دقات هادية، موزونة، بتفكرها كل ثانية إن الصفحة القديمة اتقفلت للأبد، وإن كل دقيقة جاية في عمرها… هتبقى بتاعتها هي بس.
#انجي_الخطيب
تمت

5 من 5التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى