روايات وقصص

ابويا رماني لاخطر راجل عشان يسدد ديونة

وشي كان شاحب، وتحت عيني أسود من قلة النوم، وكف إيدي الملفوف بشاش عليه بقعة دم صغيرة. قعدت على الأرض الساقعة في الحمام وغطيت وشي بإيدي المتبقية وبكيت… بكيت مش قهراً ولا خوفاً، بكيت عشان المرة الأولى في حياتي اللي ألاقي فيها حد يصدقني ويقف في وش أهلي عشان يفتديني.

بعد نص ساعة، كنت لابسة ترنج دافي واسع وقاعدة على طرف السرير، والباب خبط خبطات خفيفة. دخلت ست في الأربعينات، معاها شنطة طبية صغيرة، ووراها الدادا أمينة شايلة صينية عليها شوربة دايبة وعصير.

الدكتورة غيرت لي على الجرح بمهارة. كان شق عميق من رف الحديد بس مش محتاج خياطة. خلصت وابتسمتلي: “الجرح بسيط يا نور، أهم حاجة الميه متجيش عليه يومين.. وحاولي ترتاحي.”

خرجت الدكتورة، والدادا حطت الصينية قدامي وأصرت تاكلني بإيدها لحد ما شبعت. أول ما حطيت راسي على المخدة، التعب هدني، ونمت نوم عميق مكنتش عرفت أطعم طعمه من سنين.

صحيت التاني يوم على صوت شمس دافية داخلة من الشباك وصوت عصافير. بصيت في الساعة اللي على الترابيزة كانت ١١ الصبح. كف إيدي كان بيوجعني وجع خفيف بس محتمل.

نزلت السلم ببطء وأنا مترددة. لقيت المخزن كله هادي، وصوت ياسين جاي من الأوضة المفتوحة على اليمين… مكتب ضخم مليان كتب وأوراق.

كان واقف عند الشباك، شمر أكمام قميصه الأبيض، وفي إيده فنجان قهوة. أول ما حس بحركتي لفلي ورفع حاجبه: “صباح الخير. بقيتي أحسن؟”

“صباح النور.. الحمد لله، كويسة جداً.”

رديت بصوت أرصّ من امبارح.

قرب من المكتب وشاور لي على كرسي جلد قدامه: “اقعدي يا نور.”

قعدت، فطلع ملف أزرق حطه قدامي على المكتب وفتحه. كانت صور مستندات وكشوف حسابات.

“رجالتي دخلوا مقر الشركة امبارح بالليل. جابوا الهاردات وكشوف الحسابات القديمة من خزنة حسن. المراجعين بتوعي اشتغلوا طول الليل… وبصراحة؟ كلامك طلع صح بالحرف.”

بصيت للأوراق، وعيني جات على الأختام والتوقيعات المزورة.

كمل ياسين بصوت هادي وقاسي في نفس الوقت: “حسن وكريم كانوا بيسرقوا الشركة لحسابهم الشخصي من سنتين. الـ ١٤٥ مليون متوزعين على حسابات في دبي وجزر العذراء، والتوقيع الإلكتروني اللي على التحويلات… بتاع حسن، مش بتاعك.”

بلعت ريقي وسألته: “وهما فين دلوقت؟”

ياسين اتسند على المكتب، وبص في عيني بجمود: “في النيابة العامة. حارس المزرعة سلمهم الصبح للمباحث ومعاهم الملف الكامل بالتزوير والسرقة والتستر. القضية قفلت عليهم خلاص، والنائب العام أصدر أمر بالتحفظ على كل أملاكهم.”

الكلمات نزلت عليا زي الثلج. أهلي… أبويا وأخويا، في النيابة؟ في السجن؟

حسيت برعشة خفيفة، بس مكنش فيه أي ندم. هما اللي اختاروا السكة دي، وهما اللي كانوا عايزين يرموني في المفرمة بدالهم.

ياسين لاحظ شحوب وشي، فقرب خطوة وقال بنبرة مختلفة خالص… نبرة دافية ومباشرة: “الموضوع ده انتهى يا نور، والقانون بياخد مجراه. السؤال دلوقت… إنتِ ناوية تعملي إيه؟”

رفعت عيني فيه بثبات: “أنا عايزة اشتغل. عايزة أردلك حقك، وعايزة أبدأ حياتي من غير ما أكون مديونة لحد أو خايفة من حد.”

ابتسم ياسين ابتسامة عريضة أظهرت جوهر شخصيته الحقيقية اللي تحت القسوة، وقال وهو بيمدلي قلم فاخر من على المكتب: “يبقى تبدأي من النهاردة… إنتِ من اللحظة دي مسؤولة عن القطاع المالي لشركات المنشاوي. وشغلك الأولاني؟ نرجع الـ ١٤٥ مليون دول سنتيم سنتيم.”

مسكت القلم، ولأول مرة حست إن إيدي المجروحة مش علامة ضعف… دي كانت بداية خطوتي الأولى في دنيا جديدة، دنيا ما فيهاش خوف.

أخدت القلم منه، ومسكت الملف. القلم كان تقيل في إيدي، بس ثقله المرة دي مكنش يكتف، كان يقوّي. بصيت للأوراق والشفافيات المعروضة قدامي، ورجعت مهارتي اللي دفنوها سنين تظهر على وشي.

ياسين قعد على الكرسي المباشر قدامي، وسند كوعيه على المكتب وبيراقبني بتركيز شديد. مكنتش نظرة تقييم، كانت نظرة راجل بيتفرج على حد بيسترد روحه حتة حتة.

رفعت راسي بعد دقائق مراجعة وسألته بثبات: “الحسابات اللي في دبي وجزر العذراء… محولينها باسم شركة وساطة أوفشور، صح؟”

هز راسه بإيجاب: “صح. ومغطينها بأسماء وهمية صعب كشفها في يومين.”

ابتسمت بسخرية وأنا بقلب الصفحة: “صعب على أي مراجع عادي.. بس حسن المنياوي بدائي في أفكاره. هو فاكر إن تغيير اسم الشركة هيعمي عين اللي بيراجع، بس نسي إنه كان بيستخدم نفس السيرفر والمحول الآلي بتاع مكتبنا في برج العرب. التشفير بتاعه بسيط، وأنا حافظة الأكواد دي عن ظهر قلب.”

ياسين مال بظهره لورا، وظهرت على وشي علامة إعجاب صريحة. طلع تليفونه وطلب رقم: “يا طارق… هات اللابتوب المعزول والأكسس المباشر للشبكة المالية وهاتهولي هنا حالاً.”

قفل التليفون وبصلي وقال بنبرة هادية بس فيها كل معنى الدعم: “المكتب ده، والتيم بتاعي، وكل الصلاحيات تحت إيدك. مش عايزك تفكري في حسن، ولا في كريم، ولا في أي كابوس من اللي فات. من اللحظة دي.. إنتِ هنا مش عشان تدافعي عن نفسك، إنتِ هنا القاضي.”

بعد عشر دقائق، طارق دخل باللابتوب ووصله بالشبكة. صوابعي اللي كانت ملفوفة بالشاش بدأت تتحرك على الكيبورد بمهارة وسرعة. النغمات والتكات كانت زي موسيقى في الأوضة. كود ورا كود، وتسلسل مالي ورا تسلسل، الأرقام المستخبية بدأت تظهر وتتكشف قدامنا على الشاشة ناصعة كالشمس.

ياسين كان واقف ورايا، عينيه مع الشاشة، وكل ما ينكشف حساب جديد كان يبتسم ببرود يرعب.. البرود اللي هيودّي حسن وكريم في ستين داهية بالقانون والورق الرسمي.

“أهو…”

قلت وأنا بضغط “Enter” بكل قوتي: “١٤٥ مليون و٨٠٠ ألف جنيه بالتحديد. الحسابات مكشوفة، وأمر التحفظ الإداري والمالي يقدر يطلع من النيابة فوراً بناءً على التقرير ده.”

ياسين حط إيده على ضهر الكرسي بتاعي وقرب من الشاشة، وقال بصوت واطي ومسموع: “الله ينور يا نور… جبتي داغهم في أقل من ساعة.”

سكت ثواني، وبعدين لفيت الكرسي وبصيت له مباشرة. كانت المرة الأولى اللي أبص فيها في عين راجل بالقدر ده من الشجاعة، من غير ما أهز راسي ولا أوطي عيني.

“شكراً يا ياسين بيه…”

قلت الجملة وصوتي صافي من أي ترقرق.

رفع حواجبة بابتسامة خفيفة، وقال وهو بيمشي ناحية الشباك: “أولاً.. مفيش ‘بيه’ هنا. ثانياً.. الشكر ده يتقال لما تاخدي حقك المادي والمعنوي كامل من كل حد وطى راسك في يوم من الأيام. والشغل الحقيقي.. لسه بيبدأ.”

في اللحظة دي، تلفزيونه رن، وبص على الشاشة ورجع بصلي وقال: “ده وكيل النيابة… جاهزة تسمعي خبرهم الرسمي؟”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى