
هزيت رأسي بـ “جاهزة”، والمرة دي مكنش فيه ولا ذرة تردد في نبرتي.
فتح ياسين السبيكر وحط التليفون على المكتب بيننا. صوت وكيل النيابة كان طالع من السماعة جاد ورسمي، ووراه صوت دوشة أقلام وأوراق بتتقلب بسرعة: “صباح الخير يا ياسين بيه. التقرير المالي المبدئي اللي أرسلته مع المستندات امبارح بالليل اتراجع بالكامل، وأمر الضبط والإحضار اتنفذ خلاص. حسن وكريم حالياً في التحقيق.”
ياسين كان واقف، إيده في جيبه، وباصص لي بثبات وهو بيرد بنبرة هادية ومحسوبة: “تمام يا فندم. والاعترافات؟”
وكيل النيابة اتنهد بصوت مسموع وقال: “حسن في الأول كان بيحاول يرمي الحمل كله على نور، وكان مصمم إنها هي اللي معاها الباسوردات وتفويض التحويلات. بس الموقف اتغير تماماً لما واجهناه بكشوفات الحسابات المتقاطعة وفواتير الشركات الأوفشور. كريم أخوها لما حس إن الموضوع فيه حبس احتياطي وتهمة تزوير جنائي، انهار في التحقيق واعترف بكل حاجة.”
أنا بلعت ريقي وسكت. اللحظة دي كانت أغرب لحظة عدت عليا في حياتي. كريم… الأخ اللي كان طول عمره بيستقوى عليا ويبهدلني عشان يثبت إنه الراجل، هو أول واحد انهار وباع أبوه في أول قعدة تحقيق.
كمل وكيل النيابة: “كريم أقر إن حسابه الشخصي نزل عليه تحويلات مباشرة من شركة الوساطة، وإن حسن هو اللي أجبر نور تحت التهديد والضغط النفسي إنها تتعامل مع السيستم من غير ما تفهم الصورة الكبيرة. النيابة أصدرت قرار فوراً بإخلاء سبيل نور حسن بصفتها شاهدة ومبلغة، وقررت حبس حسن وكريم ٤ أيام على ذمة التحقيق مع التحفظ على جميع أملاكهم وأصولهم داخل مصر.”
ياسين بصلي ونظرة الرضا في عينه كانت أبلغ من أي كلام، وقال لوكيل النيابة: “تمام يا باشا. ونور حالياً تحت حمايتي القانونية، وحاضرة في أي وقت تطلبوا أقوالها التكميلية. التقرير المالي النهائيات بالتفاصيل والتشفير اللي هيحسم القضية هيكون عندكم على المكتب خلال ساعة.”
“تمام يا ياسين بيه، منتظرين التقرير. مع السلامة.”
أول ما المكالمة اتقتلت، الهدوء رجع للمكتب تاني. بس المرة دي الهدوء كان مليان نصر. حسيت بوجع خفيف في كف إيدي الملفوف بالشاش، بس الوجع ده المرة دي كان يفكرني إن الجرح القديم خلاص بيموت، وإن الجرح الجديد بيخف.
ياسين طفى الشاشة وحط إيده على حروف المكتب، وبصلي بابتسامة صريحة ودافية: “سمعتي؟ إنتِ مش بس بريئة قدامي يا نور… إنتِ بريئة قدام الدنيا كلها وبأحكام قضائية.”
دمعة واحدة بس نزل من عيني، مسحتها بسرعة بظهر إيدي السليمة وابتسمت له: “أنا مش عارفة أرد لك اللي عملته معايا إزاي…”
قاطعني بصوت قاطع وثابت، وهو بيمسك الملف الأزرق ويقفله: “إنتِ ردتيه لما وقفتي في المخزن وقولتي الحقيقة وما خوفتيش. الشجاعة دي هي اللي نجتك، أنا مجرد سبب. ودلوقتي…”
شاور على الباب بابتسامة خفيفة فيها لمحة مزاح لأول مرة: “الدادا أمينة عاملة فطار في الجنينة، والتقرير اللي هنبعته للنيابة مش هيتطبع غير لما تأكلي كويس. يلا يا نور… حياتك الجديدة بدأت خلاص.”
مشيت معاه على الجنينة، وكانت الشمس طالعة صافية، والمية المتجمعة على ورق الشجر بتلمع زي الألماس بعد مطرة امبارح. الترابيزة كانت متجهزة تحت شجرة جاكراندا كبيرة، والدادا أمينة واضعة عليها فطار دافي، وأول ما شافتني ابتسمت ابتسامة أموية وطبطبت على كتفي.
قعدنا ناكل في هدوء مكنتش ذقت طعمه في حياتي. مفيش صوت صريخ، مفيش نظرات اتهام، ومفيش الخوف الدايم إن حد يتهمني بحاجة معملتهاش.
بعد الفطار، طبعنا التقرير المالي المتقفل بالكامل، وياسين بعته مع المحامي الخاص بيه للنيابة. وفي نفس اليوم بالليل، جاء لي خبر إن القضية اتحولت لجنايات تزوير واستيلاء على مال عام، وحسن وكريم اتقفل عليهم الباب تماماً بصلابة المستندات اللي أطلعتها.
مرت الأيام والشهور بسرعة…
جرح إيدي خفّ وما بلكش منه غير ندبة صغيرة جدًا، كانت بتفكرني كل ما أبصلها إني مش مجرد واحدة نِجت من الموت، إني واحدة اتولدت من جديد.
استلمت شغلي رسمياً في إدارة القطاع المالي لشركات المنشاوي. في الأول، بعض الموظفين كانوا بيبصولي باستغراب، بس مع الوقت والجهد، أثبتّ نفسي قدام الكل، وبقيت الشريك المالي والأيد اليمين لياسين في أكبر الصفقات.
وفي يوم، بعد سنة كاملة من الأحداث دي، كنت قاعدة في مكتبي بالشركة في القاهرة، براجع الميزانية السنوية. الباب خبط، ودخل ياسين لابس بدلة كحلي أنيقة، وفي إيده ملف أسود.
حط الملف قدامي بابتسامة هادية وقال: “القضية اتقفلت نهائياً النهاردة يا نور. المحكمة أصدرت حكمها… حسن ١٥ سنة، وكريم ٧ سنين، ورجعنا كل المبالغ المنهوبة لرد الحقوق.”
أنا بصيت للملف ثواني. حسيت بغصة خفيفة في حلقي، بس مكنتش حزن عليهم، كان مجرد استيعاب إن عدل ربنا مابيتأخرش، وإن كل واحد بياخد جزا عمله.
قفل الملف وبصلي بنظرة مختلفة، كانت مليانة دفا وأمان، ونفس النبرة القوية اللي سكنت خوفي أول ليلة في المخزن: “دلوقتي الملف القديم اتقفل بجد… مش فاضل غير حاجة واحدة.”
رفعت راسي وسألته باستغراب: “حاجة إيه؟”
قرب خطوة ومد إيده، بس المرة دي مكنش فيها قلم ولا ملف… كانت فيها علبة صغيرة قطيفة كحلي. فتحها بالراحة، وظهر فيها خاتم بسيط وأنيق.
بص في عيني وقال بنبرة هادية طالعة من القلب: “المرة اللي فاتت طلبت منك تبدأي حياة جديدة معايا كشريكة في العمل… النهاردة بطلب منك نكمل الحياة دي سوا كشركاء في كل حاجة. إيه رأيك يا نور؟”




