روايات وقصص

ابني المنتظر حكايات

أنا مسكت بطني من الوجع اللي حسيت بيه فجأة، وقلت بصوت بيترعش وأنا مش قادرة أستوعب البشاعة دي: “حرام عليك.. حرمت أب وأم من ابنهم أربعين سنة عشان فلوس؟! حرمت أحمد من توأمه؟!”

عبد الجواد بصلي بكسرة وهز رأسه: “ندمت.. والله الندم أكل في صحتي وجسمي لحد ما جالي السكر والضغط والقلب.. كل يوم كنت بصحى فيه من النوم وأنا حاسس إن ربنا هيخلص ذنبه مني.. ولما شوفت العلامة دي على كتف ابنك دلوقتي، عرفت إن ربنا ما نسيش.. إن الدم بيحس ببعضه، وإن ربنا بعت المولود ده بنفس العلامة عشان السر ده ينكشف قبل ما أموت.”

أحمد قرب من عمه، وطى عليه ومسكه من كتفيه بقوة هزته: “فين؟.. أخويا فين دلوقتي يا عبد الجواد؟ اسمه إيه؟ شغال إيه؟ عايش فين؟!”

عبد الجواد غمض عينيه ونزلت دمعة طويلة على خده وقال بنبرة مليانة حسرة: “اسمه يحيى.. شغال مهندس في القاهرة.. وعايش مش بعيد عنكم.. بس الراجل اللي رباه مات من خمس سنين، ويحيى لغاية النهاردة ما يعرفش إنه مش ابنه.. ما يعرفش إن ليه أصل وعيلة وتوأم مستنيه.”

أحمد ساب عمه وطلع يجر خطواته لورا، بص لابنه اللي نايم على السرير وهدي من العياط كأنه كان بيصرخ عشان يوصل الرسالة وبس. أحمد قرب من السرير، رفَع الواد بالراحة ودموعه نازلة بتغرق وش الطفل. حط شفايفه على كتف ابنه، عند العلامة بالظبط، وفضل يبكي بصوت عالي يقطع القلب.

بصلي وهو شايل البيبي على صدره، ونظرة عينيه كانت اتغيرت تمامًا.. مابقتش نظرة واحد مكسور من عشر سنين حرمان، بقت نظرة راجل لقي حتة من روحه الضايعة: “ليلى.. ابننا مش بس عوضنا عن السنين اللي فاتت.. ابننا جه عشان يرجّع أخويا لحضني.”

أحمد مسح دموعه بضهر إيده، ونزل البيبي بالراحة في سريره، وغطّاه. التفت لعمه عبد الجواد اللي كان لسه قاعد على الأرض مصدوم ومكسور، وبص له بنظرة حسم مفيهاش أي رحمة: “تقوم تقف يا عبد الجواد.. هتتصل بيه دلوقتي قدامي، وتقول له إنك محتاجه ضروري في أمر يخصه ويخص حياته كلها.”

عبد الجواد رفع راسه بفزع وخوف، وشفايفه كانت بتترعش: “دلوقتي يا أحمد؟! الساعة دخلت في اتنين بالليل! أقول له إيه في الوقت ده؟ الولد هينخض وممكن ما يرضاش يجي!”

أحمد قرب منه وشده من دراعه وقّفه بالقوة، وزعق بصوت مكتوم بس مرعب: “تقول له أي حاجة! تقول له إنت تعبان وبتموت في المستشفى وعايزه جنبك! مش هسيبك تخرج من الأوضة دي ولا لحظة لغاية ما أقف قصاده، وأشوف وش أخويا اللي حرمتني منه أربعين سنة!”

عبد الجواد طلع تليفونه بإيدين بتترعش زي السعفة، وظبط نظارته بالعافية. ضرب الرقم وحطه على وذنه، والأوضة كلها بقت في حالة سكون تام.. مفيش غير صوت جرس التليفون اللي كان بيرن في المايك ويدق معاه قلبي بسرعة رهيبة.

بعد تالت رنة، جيه صوت الراجل.. صوت دافي، فيه بحّة هادية، وبنبرة قلقانة: “أيوة يا حاج عبد الجواد؟ خير يا عمي؟ في حاجة حصلت؟ الصوت عندك مش مظبوط ليه؟”

أحمد أول ما سمع الصوت، جسمه اتشد كأنه اتكهرب. عينيه اتوسعت ودموعه نزلت من غير ما يعمل أي صوت.. نبرة الصوت كانت شبه نبرة أحمد بالظبط! نفس التقطيعة، ونفس نغمة الكلام!

عبد الجواد بلع ريقه وصوته قطع وهو بيتكلم: “أيوة.. أيوة يا يحيى يا ابني.. معلش صحيتك من النوم. أنا.. أنا تعبان شوية وفي المستشفى في القاهرة، محتاجك تجيلي ضروري يا ابني.. الأمر ما يستحملش للصبح.”

يحيى رد بسرعة واهتمام صريح: “مستشفى إيه يا حاج؟ ألف سلامة عليك! أنا جالك فوراً، مسافة السكة وأكون عندك.. قول لي بس اسمها إيه ورقم الأوضة؟”

عبد الجواد أداه اسم المستشفى ورقم الأوضة، وأول ما قفل السكة، انهار وقعد على أقرب كرسي وهو بيحط إيده على وشه وبيعيط بكسرة.

أنا مسكت إيد أحمد، كانت تلج.. بصيت له وقلت له بصوت خايف: “أحمد.. إنت جاهز للمواجهة دي؟ إنت متأكد إننا نعمل كده دلوقتي؟ الراجل عايش طول عمره فاكر إن دي حياته وهتترجم في لحظة!”

أحمد بصلي، وعينيه كانت بتلمع بإصرار غريب، وقرب من سرير البيبي وبص للعلامة اللي على كتفه للمرة الألف، وقال بنبرة هادية بس ثقيلة: “الولد ده ما جاش الدنيا بعد عشر سنين حرمان بالصدفة يا ليلى.. ربنا كتب إنه يتولد النهاردة، وفي المستشفى دي، وبنفس العلامة، عشان الحق يرجع لصحابه.. يحيى لازم يعرف إن ليه دم وأهل مستنيينه.”

عدت نص ساعة كأنها دهور.. كل دقيقة بتعدي كانت بتسحب من أعصابنا. وفجأة، سمعنا صوت خطوات سريعة ومستعجلة جاية من الممر بره.. الخطوات قربت من الأوضة، وإيد اترفعت ومسكت مقبض الباب ونزلت بيه بالراحة.

الباب اتفتح.. ودخل راجل طويل، لابس قميص أسود وبنطلون جينز، شعره فيه خصلات بيضا خفيفة، وشكله مهندم..

أول ما خطى الأوضة وبص ناحية أحمد.. الزمن وقف.

يحيى اتسمر مكانه عند الباب، عينيه جات في عين أحمد مباشرة.. والاتنين فضلو يبصوا لبعض في صمت مرعب. الشبه بينه وبين أحمد ما كانش مجرد شبه عادي.. ده كان كأن أحمد واقف قدام مراية! نفس العيون، نفس رسمة الوش، ونفس التفاصيل بالظبط.

يحيى بلع ريقه، وبص لأحمد بذهول واستغراب شديد، ونزل بنظره لعبد الجواد اللي قاعد مكسور على الكرسي، وبعدين رجع بص لأحمد تاني وقال بصوت مذهول وبيترعش: “إيه ده؟.. هو في إيه هنا؟ إنت مين؟!”

أحمد خد نفس عميق، وخطى خطوة واحدة ناحية يحيى. عينيه كانت متثبتة في عينه كأنه بيحاول يشبع من وش أخوه اللي اتحرم منه أربعين سنة. نبرة صوته خرجت مبحوحة ومليانة شجن: “أنا أحمد… أخوك التوأم يا يحيى.”

يحيى رجع لورا خطوة تلقائياً، وهز رأسه بنفي وابتسامة توتر مش مصدقة: “إيه اللي أنت بتقوله ده؟ أخوك مين؟! أنت متخلف ولا إيه؟ يا حاج عبد الجواد… إيه المهلزقة دي؟ هو فيه إيه هنا بالظبط؟!”

عبد الجواد ما قدرش يرفع عينيه فيه، فضل حاطط راسه بين إيديه وبيعيط بصوت مكتوم.

أحمد قرب أكتر، وسحب دراع يحيى بالراحة، وزقه بشويش ناحية سرير البيبي. يحيى كان بيقاوم بذهول، بس الشبه الشديد اللي بينه وبين أحمد كان ملجمه ومش خليه قادر يستوعب.

“بص هنا…” أحمد قالها وهو بيكشف الغطا بالراحة عن كتف الطفل الصغير: “بص للعلامة دي كويس.”

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى