روايات وقصص

ابني المنتظر حكايات

يحيى بص لكتف البيبي، حواجبيه اتعقدت، وعينيه اتوسعت بذهول غريب. مد إيده المرتعشة ولمس العلامة اللي على كتف الطفل، وبعدين ببطء شديد، وبدون ما يحس، إيده التانية اترفت وراحت لكتفه الشمال هو… تحت القميص.

الأوضة كلها سكتت. أنا أتسحبت انفاسي، وأحمد عينيه اتملت بدموع جديدة لما شاف حركة إيد يحيى.

يحيى فتح أزرار قميصه بسرعة وجنون، وسحب القميص من على كتفه الشمال…

وهناك، تحت الإضاءة البيضا بتاعة الأوضة، كانت نفس الشامة الهلالية… نفس شكل الحرق القديم، بنفس التفاصيل والعرجة اللي على الجلد!

يحيى بص لكتفه، وبعدين بص لكتف البيبي، وبعدين رفع رأسه لأحمد وشفايفه بتترعش كأنه اتكهرب: “دي… دي حرق قديم عندي من وأنا صغير… أنت… أنت عرفت مكانها منين؟!”

أحمد حط إيده على كتف يحيى بقوة، ودموعه نزلت بغزارة: “عشان الحرق ده حصل لما كنا بنلعب بالشمعة وإحنا عندنا سبع سنين في بيت أبونا في الصعيد يا يحيى! عشان أنت اتسرقت مننا وأنت صغير وادفن مكانك طفل مجهول! عشان أبونا وأمنا ماتوا بغصتهم عليك، وربنا حرمنا من الخلف عشر سنين كامة عشان يرزقنا بالولد ده النهاردة… بنفس العلامة دي… عشان يرجعك لينا!”

يحيى بص لعمه عبد الجواد بصرخة زلزلت الأوضة: “الكلام ده صح يا حاج؟! انطق! الراجل ده بيقول إيه?!”

عبد الجواد انهار على الأرض تماماً، ورفع إيديه بقلة حيلة وقال وهو بيبكي: “سامحني يا يحيى يا ابني… سامحني يا أحمد… الشيطان غواني زمان… أنت ابن الحاج صالح رحمة الله عليه يا يحيى… أنت أخو أحمد التوأم.”

يحيى حاس إن الأرض بتتسحب من تحت رجليه. سند ضهره على الحيطة ونزل يقعد على حيله وهو ماسك راسه بإيديه الاثنين، بيصرخ وينحب من الهول. حقيقة أربعين سنة بتتهدم في ثانية واحدة، أبوه اللي رباه، حياته، اسمه، أصله… كل حاجة طلعت كذبة كبيرة!

أحمد نزل على ركبه قصاده، ومسك وشه بين إيديه بلهفة ونبرة حنان عمري ما شفتها في حياتي: “يا يحيى… يا أخويا… بلاش تبص للماضي اللي ضاع… ربنا جمعنا تاني أهو… ابنك ده هو اللي جابك هنا.”

يحيى رفع عينيه المليانة دموع في وش أحمد. الشبه بين الوشين في اللحظة دي كان يرعب من شدة التطابق. بص لأحمد، وبعدين بص لعمه اللي بيعيط، وبعدين بص للبيبي اللي فجأة فتح عينيه الصغيرين وبدأ يبتسم ابتسامة ملائكية هادية وسط الأجواء المشحونة دي.

يحيى مد إيده المرتعشة، وحطها على صدر أحمد، وشد عليه وفضل يبكي في حضنه بصوت عالي كأنه طفل عنده سبع سنين لسه راجع لبيته بعد غياب طويل. وأحمد حضنه بقوة، وكأنه بيقفل إيديه على حلمه اللي استناه عمره كله.

في اللحظة دي، حطيت إيدي على قلبي، وبصيت لابني… وعرفت إن الوجع والعقم والعشر سنين حرمان ما كانوش لعنة… دول كانوا مجرد ترتيب إلهي دقيق، عشان لما الحق يرجع، يرجع على إيد طفل صغير غير مجرى حياتنا كلها.

الفجر بدأ يشقشق بره المستشفى، والنور الدافئ بدأ يدخل الأوضة بشويش مع صوت أذان الفجر اللي كان نازل على قلوبنا زي الميه الباردة بتطفي نار سنين طويلة.

أحمد ويحيى كانوا لسه قاعدين على الأرض، حاضنين بعض ومتمسكين ببعض كأنهم خايفين لو واحد فيهم ساب التاني يختفي ويطلع كابوس. يحيى رفَع راسه ببطء، مسح دموعه بضهر إيده، وبص لأحمد بنظرة فيها تهالك وعتاب وشوق، وبعدين بص لعمه عبد الجواد اللي كان قاعد في الركن زي الجثة الميتة.

يحيى قام وقف، وجسمه بيتهز من الصدمة، بس نبرة صوته المرة دي كانت حاسمة ومفيهاش تردد: “أنا مش هعمل حاجة تتعب روح أبونا وأمنا في قبرهم يا حاج عبد الجواد.. مش هفضح السر للناس ولا ههد العيلة، بس أنت حسابك مع ربنا.. أخرج بره الأوضة دي ومشوفش وشك تاني طول ما أنا حاي.”

عبد الجواد رفع عينيه الزايغة، هز رأسه بكسرة وهو مش قادر ينطق حرف، وقام يجر رجليه بالعافية وخرج من الأوضة وقفل الباب وراه.. قفل باب كابوس عاش فيه أربعين سنة.

أحمد مسك إيد يحيى وقوّمه، وقربوا الاتنين من سريري. يحيى بصلي بنظرة مليانة امتنان وكسوف، وقال بصوت حنين جداً: “حمد الله على سلامتك يا أم الغالي.. سامحوني على المنظر والدوشة اللي عملتها في ليلة زي دي.”

ابتسمت له من وسط دموعي وقام جسمي كله يرتاح: “الله يسلمك يا يحيى.. إنت مش غريب، إنت صاحب البيت وأخو جوزي وعم الغالي ده.”

يحيى قرب من السرير الصغير، ونزل على ركبه. مد صباعه بالراحة، والطفل مسك فيه بقوة صغيرة بس دافية. يحيى ابتسم ودمعة نزلت من عينه على خد الواد، وبص لأحمد وقال له: “سميتوه إيه؟”

أحمد حط إيده على كتف يحيى ورجع بصلي، وابتسامة صافية اتسمت على وشه لأول مرة من عشر سنين.. ابتسامة مفيهاش أي خوف ولا حزن: “كنا محتارين يا يحيى، بس النهاردة مفيش غير اسم واحد ينفع.. هنسميه ‘يحيى’.. عشان يبدأ بيه عمر جديد، ويرجع بيه اسمك لحضن عيلتك من تاني.”

يحيى انهار في الابتسام، وأخد البيبي في حضنه بالراحة، وحط شفايفه على رأسه الصغير.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى