روايات وقصص

جوزي رمي عربيتي في النيل

“كريم عبد الحميد.. نادين العطار.. متهمين بمحاولة قتل عمد، والتزوير، والشروع في سرقة بالإكراه، والتسميم البطيء.. اتفضلوا معانا من غير وش.”

كريم بصلي للمرة الأخيرة، عينيه كانت مليانة رعب وندم وهزيمة نكراء.. الخطة اللي قعد ينسج فيها خمستاشر سنة، اتفتت في خمس دقائق.

الظباط كلبشوهم وهما بيتسحلوا بره القاعة، وصوت عياط نادين وتوسلات كريم مالي الممر.

وقفت أنا وياسين في نص القاعة. بصيت لأخويا، مسكت إيده بقوة، ولأول مرة من خمستاشر سنة، شوفت ضحكة حقيقية راجعة لوشه.

ياسين بصلي وقال: “الشركة رجعت يا ليلى.. وحق بابا وماما رجع.”

طليت من الشباك على طريق الكورنيش والنيل اللي كان عايز يبلعنا إمبارح.. وعرفت إن المياه المرة دي، غسلت كل القذارة اللي كانت في حياتنا.

قعدت على الكرسي الرئيسي في القاعة.. الكرسي اللي كريم كان فاكر إنه هيقعد عليه للابد. مسكت القلم اللي وقع من إيده، وقفلت المجلد الأسود ببطء. أعضاء مجلس الإدارة كانوا واقفين متسمرين في أماكنهم، مفيش حد قادر ينطق كلمة واحدة، الشك والصدمة باينين في عيونهم بعد كل اللي شافوه وسمعوه.

عمي راشد قرب من الترابيزة، فتح الشنطة الجلد بتاعته وطلع منها أوراق رسمية بختم النيابة والمحكمة، وحطها قدامهم بثبات:

“حضرات الأفاضل.. التسجيلات اللي اتعرضت جزء صغير من ملف كامل متسلم للنيابة العامة دلوقتي. كل التوكيلات اللي الصرصور ده استعملها باطلة ومزورة تحت تأثير مخدرات وهرمونات بتقرير الطب الشرعي. ليلى العطار هي المالك الشرعي والوحيد للشركة، وياسين العطار هو الناظر الفعلي على كافة الأصول بناءً على وصية والده المرحوم.”

أحد أعضاء المجلس، وهو راجل كبير كان صديق بابا زمان، قرب مني وعينيه مدمعة:

“سامحينا يا بنتي.. إحنا كنا مغميين، الراجل ده كان بيلعب بينا وبيفهمنا إنك مريضة ومش قادرة تديري العمليات.”

بصيت له وابتسمت ابتسامة خفيفة، وفيها كل الوجع اللي عشته:

“المهم إن الغمامة انزاحت يا حاج.. والشركة من النهاردة راجعة لأصحابها الحقيقيين.”

طلعت أنا وياسين وعمي راشد من مبنى الشركة، والشمس كانت بقيت في كبد السماء. الهوا النظيف كان بيدخل صدري وكأني بتنفس لأول مرة في حياتي.

بعد تلات أسابيع..

كنت واقفة قدام شباك مكتبي في الشركة، وبصيت على النيل من بعيد. المية اللي كانت هتكون مقبرتي أنا وأخويا، بقت هي المية اللي غسلت الماضي كله.

ياسين دخل عليا المكتب، كان لابس بدلة أنيقة، وماشي بثبات وقوة، مفيش أي أثر للتمثيلية اللي عاشها خمستاشر سنة عشان يحميني ويحمي حقنا. حط قدامي ملف أزرق.

“إيه ده يا ياسين؟” سألته وأنا ببتسم.

“ده حكم النيابة النهائي.. وتحويل كريم ونادين للمحاكمة العاجلة بتهمة الشروع في القتل العمد مع سبق الإصرار والترصد، والتزوير، والقتل غير العمد لبابا وماما بعد ما المحضر القديم اتفتح وبقايا أجزاء العربية القديمة أثبتت التلاعب في الفرامل.”

سكت لحظة وكمل وهو بيبصلي بالحنية اللي انحرمت منها سنين:

“كريم أخد إحالة للمفتي هو ونادين.. والحكم هينفذ قريب.”

غمضت عيني وخدت نفس طويل أوي. حسيت إن روح بابا وماما ارتاحت أخيراً في مكانها.

“وأنت يا ياسين؟” سألته وأنا بمسك إيده. “هتعمل إيه دلوقتي؟”

ابتسم ياسين ولأول مرة أشوف عينيه صافية ومفيهاش الخوف ولا التخطيط ولا الغل بتاع السنين اللي فاتت:

“أنا هبدأ أعيش يا ليلى.. هعيش حياتي اللي وقفت وأنا عندي اتناشر سنة.. والشركة معاكي، أنا عارف إنك قدها وأحسن من أي حد.”

حضنته بقوة، وفي اللحظة دي بس، عرفت إن النهاية مش دايماً بتكون الموت.. أوقات كتير، النهاية بتكون هي البداية الحقيقية للحياة.

4 من 4التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى