روايات وقصص

لية بتاكل لوحدك حكايات شروق خالد

كانت الثلوج تتساقط خلف النوافذ العالية المقوّسة لقصر عائلة ماركيتي، فتتعلّق بشرفاته الحديدية، وتستقر في شقوق الحجارة القديمة التي ظلّت تحرس القصر لأكثر من مئة عام. لكن دي كانت في الأصل حكاية حصلت في مصر، في قصر كبير من قصور عيلة مصرية عريقة في القاهرة.

 

جوا القصر، كانت عشرين أوضة غارقة في السكون، والثريات مطفية، والتراب مغطي كل حاجة، كأن المكان نفسه فقد روحه من سنين.

أوضة واحدة بس كانت منورة.

أوضة السفرة الكبيرة، اللي كانت ثريتين ضخمتين من الكريستال بتنور فيها ترابيزة خشب جوز طويلة، متجهزة لشخص واحد بس.

وعلى رأس الترابيزة كان قاعد ياسين المنصوري.

كان عنده تسعة وتلاتين سنة، عريض الكتفين، وملامحه حادة بشكل يخلي أي حد يبص في وشه يعرف إنه قدام راجل ما بيحبش يبين مشاعره.

عينيه الرماديين كانوا دايمًا باردين، مركزين، بيحسب كل خطوة وكل كلمة قبل ما تحصل.

كان لابس قميص أبيض شيك، وأكمامه مرفوعة لحد كوعه، كاشفة عن وشمين أسودين على دراعيه؛ صقر على دراع، ونمر على التاني.

ياسين المنصوري كان واحد من أخطر وأقوى رجال الأعمال في مصر، ورأس عيلة كبيرة امتد نفوذها سنين طويلة.

مئات الرجالة كانوا بينفذوا أوامره من غير ما يسألوا.

رجالة كبار كانوا بيحسبوا ألف حساب قبل ما يختلفوا معاه.

وخصومه كانوا بيتهامسوا باسمه ورا الأبواب المقفولة.

لكن الليلة دي…

كل ده ماكانش له أي معنى.

لأن الليلة كانت ذكرى موت مراته.

من تلات سنين، وفي ليلة شبه الليلة دي، كانت ليلى قدام مطعم فاخر في الزمالك، وركبت عربيتها السودا.

وبعد دقائق…

انفجرت العربية.

القنبلة اللي كانت متخبّية تحت كرسي السواق أنهت حياة الست الوحيدة اللي قدر ياسين يحبها بجد.

ومن يومها، وهو عايش بس بجسمه.

كانت صورة ليلى محطوطة في برواز فضة جنب طبقه.

كانت بتضحك في الصورة، وشعرها البني الطويل بيتطاير حوالي وشها، وعينيها مليانة حياة.

مد ياسين إيده ولمس خاتم جوازه.

لفه حوالين صباعه ببطء.

كان بيعمل الحركة دي كل ليلة من يوم دفنها.

ما خلعش الخاتم.

ومش ناوي يخلعه أبدًا.

عند باب السفرة كان واقف عم حسان، كبير خدم العيلة، الراجل اللي قضى أكتر من تلاتين سنة في خدمة المنصوريين.

وفي المدخل التاني كان واقف سليم، أقرب رجال ياسين ليه، مستني أي أمر منه.

لكن الليلة دي…

مافيش أوامر.

وفي المطبخ، كان الشيف رمضان بيجهز نفس الأكل اللي بيتعمل كل سنة.

لحمة ضاني مشوية.

وبطاطس بالروزماري.

نفس الأكل.

نفس الترابيزة.

ونفس النتيجة.

الأكل هيرجع المطبخ زي ما هو.

محدش هيلمسه.

محدش هيقرب منه.

لأن ياسين كان بياكل لوحده.

ومن بعد موت ليلى، ما سمحش لأي حد يقعد معاه على السفرة.

في آخر القصر، بعيد عن الممرات الفخمة والسلالم الرخامية، كانت موجودة غرف العاملين.

وفي أوضة صغيرة، كانت هناء بتطوي فستان طفلة أزرق وتحطه فوق كرسي خشب.

هناء كانت عندها ستة وعشرين سنة.

شعرها بني محمر، رابطاه في كعكة بسيطة، وعينيها بنيتين هاديتين، لكن الإرهاق كان واضح في ملامحها.

كانت واحدة من الستات اللي الحياة علمتها إن الإنسان ساعات بيشتغل وهو مكسور، ويضحك وهو موجوع.

فوق السرير كان فيه برواز صغير لصورة جوزها الراحل، أحمد.

كان أحمد بيضحك في الصورة وهو واقف في موقع بناء.

من سنتين، حصل حادث في موقع الشغل.

سقالة وقعت عليه.

ومر من بعدها يوم واحد بس، وكانت هناء أرملة وعندها طفلة صغيرة.

بعد وفاة أحمد بست شهور، اشتغلت هناء في قصر المنصوري.

وعم حسان هو اللي اختارها.

قال لها وقتها:

“إنتِ هادية وبتشتغلي من غير مشاكل.”

وفي بيت زي بيت المنصوري، كانت دي أكبر شهادة ممكن تاخدها.

على الأرض جنب السرير، كانت قاعدة طفلة صغيرة بتلون في كتابها.

اسمها نور.

عندها تلات سنين.

عينيها بني زي عيني أمها، وشعرها أشقر ناعم ومربوط في ضفيرتين صغيرين، وكل ضفيرة عليها توكة وردية.

وكانت دايمًا شايلة شنطة صغيرة على شكل ديناصور، حتى وهي في الأوضة.

الشنطة كانت هدية من باباها أحمد.

جواها كتاب التلوين، وتلات أقلام ألوان، وأرنب صغير محشو كانت ودنه الشمال مفكوكة من الخياطة.

قعدت هناء قدام بنتها على ركبها، وبصت في عينيها.

وقالت لها:

“نور، فاكرة كلام ماما؟”

هزت نور راسها.

“السلم الكبير… والممرات الحلوة… والأبواب الدهب… دي مش لينا.”

سكتت هناء لحظة، وبعدين قالت:

“ولو روحتي هناك، ماما ممكن تخسر شغلها.”

ردت نور بصوت طفولي:

“حاضر يا ماما.”

في الساعة ستة وأربعين دقيقة مساءً، خبط عم حسان على الباب.

وقال:

“هناء، واحدة من البنات تعبانة ومش هتقدر تكمل ورديتها. محتاجينك فوق.”

بصت هناء لبنتها بقلق.

ماكانش فيه حد يقدر يقعد معاها.

فأخذت نور معاها وحطتها في ركن صغير قريب من غرف العاملين.

حطت قدامها كتاب التلوين، وقعدت على ركبها.

“خليكي هنا يا نور، أوعى تتحركي.”

هزت نور راسها.

“أوعديني.”

“أوعدك يا ماما.”

باسَتها على جبينها، وقفلت الباب وطلعت بسرعة تكمل شغلها.

فضلت نور تلون حوالي أربعين دقيقة.

رسمت الشمس باللون الأخضر.

ورسمت الأرنب باللون البنفسجي.

ورسمت ماما وهي لابسة تاج.

لأن ماما، في نظر نور، كانت أحسن واحدة في الدنيا.

لكن فجأة…

سمعت صوت غريب.

صوت شوكة بتخبط في طبق.

وسكينة بتقطع أكل.

وحركة أطباق جاية من بعيد.

نور رفعت راسها.

حطت القلم من إيدها.

ماما قالت لها ما تروحش ناحية الممرات الكبيرة.

قالت لها كده تلات مرات.

لكن ماما ما قالتش حاجة عن الصوت.

قامت نور من مكانها.

لبست شنطة الديناصور الصغيرة.

وفتحت الباب.

الممر كان طويل ومظلم.

وفي آخره، كان فيه شريط نور ذهبي داخل من باب بعيد.

نور مشت وراه.

عدت من تحت لوحة كبيرة لراجل عجوز عابس.

وقفت قدامه لحظة ولوحت له بإيدها.

وبعدين كملت.

عدت جنب ساعة كبيرة، وصوت دقاتها كان واضح في القصر كله.

وصلت للسلم الرئيسي.

بدأت تنزل درجة درجة.

“واحد…”

“اتنين…”

“تلاتة…”

لحد ما وصلت لعشرة.

وبعدين بدأت العد من الأول.

لحد ما وصلت للدور الأرضي.

هناك لقت باب خشب غامق محفور عليه ورد.

كان مفتوح نص فتحة.

والنور الذهبي طالع منه.

زقت نور الباب بإيديها الصغيرتين.

ودخلت.

وقفت مكانها من الدهشة.

كانت دي أكبر أوضة شافتها في حياتها.

ثريتين كبار من الكريستال معلقين في السقف.

وترابيزة طويلة جدًا تمتد من أول الأوضة لآخرها.

وحولها كراسي كتير.

لكن كل الكراسي كانت فاضية.

ما عدا كرسي واحد.

في آخر الترابيزة كان قاعد راجل طويل.

لابس قميص أبيض، وأكمامه مرفوعة.

وعلى دراعاته وشوم سودا.

نور بصت له.

كان شكله زي الملوك اللي بتشوفهم في كتب الحكايات.

بس كان أتعس منهم بكتير.

مشت نور ناحيته.

لحد ما وقفت جنب الكرسي اللي على يمينه.

كانت صغيرة لدرجة إنها اضطرت ترفع راسها لفوق عشان تشوف وشه.

وقالت بصوت هادي:

“يا مستر…”

السكينة توقفت في إيده.

بص لها.

نور سألت بمنتهى البراءة:

“إنت ليه بتاكل لوحدك كل يوم؟”

إيد ياسين اتجمدت.

السكينة وقفت في نص الطريق.

في تلات سنين…

ولا شخص واحد سأله السؤال ده.

لا سليم.

ولا عم حسان.

ولا أي راجل من رجالة ياسين.

ولا حتى أقرب الناس ليه.

محدش كان عنده الجرأة يسأله سؤال بالشكل ده.

إلا طفلة صغيرة عندها تلات سنين.

سقطت السكينة من إيده، وخبطت في الطبق.

الصوت كان بسيط.

لكن في قلب ياسين…

كان أقوى من صوت الرصاص.

فضل يبص لنور.

الغريب إنها ما خافتش.

ما رجعتش لورا.

ما بصتش في الأرض.

بس فضلت واقفة قدامه، وإيديها الصغيرين متشابكين قدام فستانها، مستنية إجابته.

مد ياسين إيده ناحية الكرسي اللي جنبه.

مسك ظهر الكرسي.

وسحبه بعيد عن الترابيزة.

صوت الخشب وهو بيحتك بالرخام ملأ الأوضة.

وبعد صمت طويل، قال:

“تعالي اقعدي هنا.”

وقبل ما نور تطلع على الكرسي، سمعوا خطوات سريعة في الممر.

هانا دخلت الأوضة وهي بتجري.

كانت ماسكة شنطة بنتها، ووشها أبيض من الخوف.

قالت بسرعة:

“مستر ياسين… أنا آسفة جدًا! هي كان المفروض تفضل مكانها! أنا والله ما كنت أعرف إنها هتطلع… أرجوك سامحني يا فندم!”

رفع ياسين عينيه لها.

لكن صوته كان هادي.

هادئ بشكل غريب.

قال:

“خليها.”

هانا وقفت مكانها.

مش مصدقة اللي سمعته.

قال ياسين:

“خليها تقعد.”

بصت له هانا للحظات.

ثم هزت راسها.

قال لها:

“إنتِ كملي شغلك.”

رجعت هانا خطوة لورا.

وبعدين خطوة تانية.

وهي لسه مش فاهمة إزاي الراجل اللي كل القصر بيخاف منه سمح لطفلة صغيرة تقعد على سفرته.

أما نور، فطلعت على الكرسي لوحدها.

مدت إيدها للمنديل الأبيض.

فتحته بحرص.

وحطته على رجليها بنفس الطريقة اللي شافت أمها تعملها مئات المرات.

وفي المطبخ، قال عم حسان بصوت منخفض:

“جهزوا طبق تاني.”

الشيف رمضان بص له باستغراب.

قال عم حسان:

“كمية صغيرة… وحاجة تناسب طفلة.”

بص رمضان ناحية المقلاة الصغيرة اللي ما استخدمهاش من تلات سنين.

وبدأ يجهز أكل لأول مرة لشخص تاني على سفرة ياسين.

أما في السفرة، فكانت نور بتبص لطبق ياسين.

ميلت راسها.

وبعدين سألت:

“هو إنت ليه مش بتاكل اللحمة بتاعتك يا مستر؟”

ياسين بص للطبق قدامه.

اللحم كان بارد.

زي كل ليلة.

زي كل سنة.

زي كل حاجة في حياته من يوم ما ماتت ليلى.

مسك الشوكة.

قطع قطعة صغيرة.

رفعها ناحية فمه.

ولأول مرة من تلات سنين…

أكل.

وكانت دي أول لقمة ياكلها ياسين المنصوري على سفرة ما بقاش فيها شخص واحد بس.

حكايات شروق خالد

لم تكن نور تعرف إن اللقمة الصغيرة دي كانت بداية لحاجة هتغيّر حياة القصر كله.

فضل ياسين ساكت وهو بيبص للطفلة اللي قاعدة جنبه.

نور كانت بتاكل بهدوء، لكن كل شوية ترفع عينيها له.

وبعد دقيقة، قالت:

“حلوة؟”

ياسين بص لها باستغراب.

“إيه؟”

“اللحمة.”

بص لطبقه.

وبعدين قال لأول مرة من وقت طويل:

“آه.”

ابتسمت نور.

“ماما بتقول إن الأكل بيبقى أحلى لما ناكله مع حد.”

تجمدت ملامح ياسين.

بص للكرسي الفاضي اللي كان قدامه.

ثم بص لصورة ليلى الموجودة بجوار طبقه.

الجملة البسيطة دي وجعته أكتر مما توقع.

قال بصوت منخفض:

“مامتك عندها حق.”

نور كملت أكلها، وبعدين سألت:

“إنت عندك ماما؟”

ياسين سكت.

السؤال كان بسيط.

لكن الإجابة كانت معقدة.

قال:

“كان عندي.”

“ماتت؟”

رفع عينيه لها.

“أيوه.”

نور نزلت الشوكة.

“زي بابايا؟”

ياسين لم يرد.

هزت نور رأسها كأنها فهمت كل شيء.

“يبقى إنت كمان وحيد.”

كانت أول مرة في حياته يسمع فيها كلمة “وحيد” من غير ما يشعر أنها إهانة.

ابتلع ريقه بصعوبة.

وقال:

“يمكن.”

نور مدت إيدها الصغيرة فوق الترابيزة.

وحطتها على إيده.

“متزعلش.”

ياسين نظر إلى يدها.

كانت صغيرة جدًا.

دافئة جدًا.

وبشكل غريب، لم يسحب يده.

من بعيد، كان عم حسان واقف عند الباب.

وسليم كان خلفه.

الاتنين كانوا بيبصوا للمشهد وكأنهم شايفين معجزة.

ياسين المنصوري…

الراجل اللي ما حدش شافه بيبتسم من تلات سنين…

كان قاعد قدام طفلة صغيرة، وسايبها ماسكة إيده.

بعد دقائق، دخلت هناء بخطوات مترددة.

كانت فاكرة إن ياسين هيكون غضبان.

لكنها لما دخلت، وقفت مكانها.

بنتها كانت بتاكل.

وياسين كان بياكل.

والجو في السفرة، لأول مرة من سنين، ماكانش خانق.

قالت هناء:

“نور.”

رفعت الطفلة عينيها.

“نعم يا ماما؟”

“تعالي.”

نور بصت لياسين.

وبعدين سألت:

“أمشي؟”

ياسين رفع عينيه لهانا.

وقال:

“لا.”

اتصدمت هناء.

أما نور فابتسمت.

ياسين أشار للكرسي.

“خليها تكمّل أكلها.”

قالت هناء بتردد:

“بس يا فندم…”

قاطعها:

“قلت خليها.”

هزت هناء رأسها.

وقفت عند الباب وهي مش عارفة تعمل إيه.

ثم قال ياسين:

“إنتِ كليتي؟”

رفعت هناء عينيها إليه.

“أنا؟”

“أيوه.”

“لسه.”

“اقعدي.”

هانا اتجمدت.

“فين؟”

أشار ياسين إلى كرسي بعيد.

“هناك.”

قالت بسرعة:

“لا يا فندم، أنا مش…”

“اقعدي يا هناء.”

كانت نبرة صوته هادئة، لكنها ما كانتش بتسمح بالرفض.

جلست هناء.

ولأول مرة منذ ثلاث سنوات، كانت هناك ثلاثة أطباق على سفرة ياسين المنصوري.

طفلة.

وأمها.

وهو.

لم يتكلم أحد لعدة دقائق.

ثم قالت نور فجأة:

“مستر ياسين.”

“نعم؟”

“إنت بتنام لوحدك كمان؟”

كاد ياسين يختنق بالماء.

هانا غطت فمها بسرعة.

“نور!”

الطفلة بصت لأمها باستغراب.

“بس أنا بسأل.”

ياسين مسح فمه بالمنديل.

وقال:

“أيوه.”

نور هزت رأسها بحزن.

“دي مشكلة كبيرة.”

رفع ياسين حاجبه.

“ليه؟”

قالت بمنتهى الجدية:

“عشان لما الواحد يبقى لوحده بالليل، الوحوش بتيجي.”

سادت لحظة صمت.

ثم سألها ياسين:

“وإنتِ بتخافي من الوحوش؟”

هزت رأسها.

“أيوه.”

“وماما؟”

“ماما بتقول مفيش وحوش.”

ثم اقتربت منه قليلًا وهمست:

“بس هي بتخاف هي كمان.”

تغير وجه هناء فورًا.

“نور، كفاية كلام.”

لكن ياسين لم يرفع عينيه عن هناء.

كان هناك شيء في عينيها لم يفهمه.

شيء يشبه الخوف.

ليس منه فقط.

بل من الحياة نفسها.

قال ياسين:

“مين بيخوفك؟”

هانا بلعت ريقها.

“محدش.”

“بصيلي.”

رفعت عينيها.

“محدش يا فندم.”

كان ياسين يعرف الكذب.

تعلم قراءة الكذب قبل أن يتعلم قراءة الناس.

لكن قبل أن يسألها مرة أخرى، سمع صوت سقوط شيء في المطبخ.

ثم صوت صرخة مكتومة.

قام ياسين فورًا.

السابق1 من 4
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى